حالت الأوضاع السياسية في غرب أوروبا، لا سيما ما يتعلق منها بالنزاع بين البابوية والإمبراطورية، دون تحقيق رغبة عموري الأول ملك بيت المقدس الذي طلب القيام بحملة صليبية جديدة . وبذلك لم يبقَ أمام الصليبيين في الشام سوى الاتجاه إلى الدولة البيزنطية وطرق أبواب القسطنطينية طالبين مساعدتها .

وكان أن لبّى الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين النداء، فأعد أسطولاً كبيراً غادر مياه الدردنيل في يوليو/تموز سنة 1169 متجهاً إلى قبرص، حيث انضمت إليه بعض الوحدات الإضافية، ثم اتجهت العمارة البيزنطية نحو صور ومنها إلى عكّا لرسم الخطة اللازمة لغزو مصر بالاشتراك مع الصليبيين .

وفي الوقت الذي أقلع الأسطول البيزنطي صوب دمياط، زحف الصليبيون براً في 16 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1169 من عسقلان إلى الفرما ومنها إلى دمياط ومعهم المنجنيقات والدبابات وآلات الحصار وغير ذلك . وإذا كان الصليبيون قد نصبوا معسكرهم أمام دمياط، إلا أن الأسطول البيزنطي لم يستطع دخول الميناء بسبب المآصر؛ وهي السلاسل الحديدية الممتدة بعرض النيل في الميناء لتمنع دخول سفن الأعداء . ولما اتجهت الحملة إلى دمياط وجد صلاح الدين نفسه في موقف حرج .

وقد عبّر صلاح الدين عن موقفه في الرسالة التي أرسلها إلى نور الدين، وقال فيها: إني إن تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سرت إليها خلفني المصريون في أهلها بالشر، وخرجوا عن طاعتي وساروا في إثري والفرنج أمامي .

نجدة من نور الدين

لم يخيّب نور الدين أمل صلاح الدين، بل أرسل إليه العساكر أرتالاً يتلو بعضها بعضاً، وكان حصار الصليبيين للمدينة غير تام . وتشير المراجع الصليبية إلى أن أهل دمياط استغلوا ظاهرة جريان تيار النيل من الجنوب إلى الشمال وأطلقوا على سطح الماء أواني فخارية بها مواد مشتعلة، كانت تصطدم بسفن الأسطول البيزنطي فتنزل به أبلغ الضرر، مما اضطر الأسطول إلى الابتعاد عن لسان النيل وعن المدينة . ولم تلبث القوات البيزنطية أن أحست بالجوع بعد أن نفد تموينها، فاقترح القائد البيزنطي على عموري الأول القيام بهجوم شامل على دمياط، ولكن الملك الصليبي عارض بعد أن أحس بازدياد قوات صلاح الدين داخل المدينة، وأنه حشر فيها كل من عنده وأمدهم بالأموال والسلاح والذخائر . وأخيراً وجد الصليبيون أن انتظارهم قد طال أمام دمياط من دون جدوى، في الوقت الذي هاجم نور الدين ممتلكاتهم وبلادهم في الشام، وكانوا يحسبون دائماً حساباً لهجوم صلاح الدين عليهم من الخلف . ولذلك قرّروا رفع الحصار عن دمياط وعادوا إلى عسقلان خائبين بعد أن فشلوا في غزو مصر، ليجدوا نور الدين قد عبث ببلادهم في الشام ونهبها، حتى شبّههم ابن الأثير بالنعامة التي خرجت تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين .

أما السفن البيزنطية فقد انسحبت هي الأخرى، ولم يستطع بحارتها السيطرة عليها أو التحكم فيها، بسبب ما كانوا يعانونه من جوع وإرهاق، فغرق كثير منها، وظلت الأمواج تقذف جثث بحارتها على الشاطئ طوال عدة أيام تالية .

جبهة إسلامية واسعة

ولا شك في أن فشل تلك الحملة الصليبية البيزنطية أدى إلى تدعيم مركز صلاح الدين الأيوبي في مصر، وجعل الخلافة الفاطمية تفقد الأمل في التخلص من قبضته القوية . أما نور الدين فلم يبقَ أمامه سوى البحث عن وسيلة لتقوية الاتصال بين القاهرة ودمشق . وليس غريباً ما نسمعه من أن نور الدين لجأ في إبريل/نيسان سنة ،1170 إلى مهاجمة حصن الكرك ليسمح لقافلة بقيادة نجم الدين أيوب والد صلاح الدين بالعبور إلى مصر .

وفي الوقت الذي كان صلاح الدين يعمل على توطيد مركزه في مصر، دأب نور الدين محمود على مهاجمة الصليبيين في الشام من ناحية، وعلى السعي لإتمام الجبهة الإسلامية في الشرق الأدنى من ناحية أخرى . وقد حدث في سبتمبر/أيلول سنة 1170 أن توفي قطب الدين مودود زنكي أتابك الموصل وأخو نور الدين، فانتهز نور الدين فرصة الخلاف الذي نشب بين ولدي أخيه عماد الدين زنكي واستولى على الموصل في أوائل سنة ،1171 وبذلك صارت الجبهة الإسلامية تمتد فعلاً من الفرات إلى النيل وتربط بين الموصل وحلب ودمشق والقاهرة برباط وثيق .