التتار شعب من شعوب أوروبا وآسيا يتحدث اللغة التركية ويعيش في الأجزاء الجنوبية والوسطى من روسيا كما يعيش في بلغاريا وكازاخستان ورومانيا وتركيا والصين، والتتار من أصل تركي وينتمون إلى سكان تركيا وأوزبكستان وتشمل مجموعات التتار التي تعيش في روسيا وآسيا الوسطى تتار الغرم وتتار الصرب وتتار الفولجا.

ومعظم التتار مسلمو الديانة، وفي القرن الثالث عشر اشترك التتار مع قبائل منغولية وبدوية مجاورة لهم في غزو أوروبا الشرقية، ولقد أخطأ الأوروبيون عندما استعملوا كلمة تتار لوصف جميع البدو الغزاة، ويوجد اليوم أكثر من 6 ملايين من التتار الذين تركوا عيش البداوة، ويعيش أكثر من 1،5 مليون نسمة في جمهورية مستقلة ذاتياً ضمن الاتحاد الروسي وتسمى عاصمة جمهورية التتار قازان وهي مركز الثقافة التترية وقد أسسها التتار في القرن الخامس عشر الميلادي.

جنكيز خان

ظهرت دولة التتار في سنة (603ه) أي حوالي 1225 تقريباً وكان ظهورها الأول في منغوليا في شمال الصين، وكان أول زعمائها جنكيز خان، وتعني هذه الكلمة قاهر العالم أو ملك ملوك العالم واسمه الأصلي (تيموجين).

وكان رجلاً سفاكاً للدماء وقائداً عسكرياً شديد البأس وسرعان ما اتسعت مملكته حتى بلغت حدودها من كوريا شرقاً إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غرباً ومن سهول سيبيريا شمالاً إلى بحر الصين جنوباً أي أنها كانت تضم من دول العالم حالياً: الصين ومنغوليا وفيتنام وكوريا وتايلاند وأجزاء من سيبيريا إلى جانب مملكة لاوس وميانمار ونيبال وبوتان!

ويطلق اسم التتار وكذلك المغول على الأقوام الذين نشأوا في صحراء جوبي في شمال الصين، وإن كان التتار هم أصل القبائل بهذه المنطقة، ومن التتار جاءت قبائل أخرى مثل قبيلة (المغول) وقبائل الترك والسلاجقة وغيرها، وعندما سيطر المغول - الذين منهم جنكيز خان - على هذه المنطقة أطلق اسم المغول على هذه القبائل كلها.

وكان للتتار ديانة عجيبة جمعت بين ديانات وعقائد مختلفة حيث جمع جنكيز خان بعض الشرائع من الإسلام ومن المسيحية ومن البوذية وأضاف إليها بعض الشرائع الأخرى وأخرج لقومه في النهاية كتاباً جعله بمثابة الدستور للتتار وسماه (الياسك)!

ومنذ ان غدا جنكيز خان واحداً من أعظم الغزاة الفاتحين في العالم أصبح بإمكان التتار ابتلاع العالم بالقهر والقوة، ففي الثالثة عشرة من عمره خلف تيموجين أباه واستطاع بمساعدة أمه مقاتلة وهزيمة قبائل المغول من جيرانه، وفي العام 1206م نودي بهذا الشاب الصغير من قبل شعب منغوليا سيد الحكام (جنكيز خان) وبعد خمسة أعوام خرج للقيام بأولى حملاته الحربية.

ومن صفات التتار أنهم كانوا يرفضون الآخر وكانوا يسعون دائماً إلى تطبيق مبدأ القطب الواحد فقط كما أنهم لا عهد لهم، فلم يكن أيسر عندهم من نقض العهود وإخلاف المواثيق بل كانت هذه الصفة لازمة أصيلة لهم ولم يتخلوا عنها في أي مرحلة من مراحل دولتهم منذ قيامها، وإلى أن سقطت.. وعندما توفي جنكيز خان في العام 1227م وخلفه ولده (أوجوتاي خان) لم يتوقف زحف التتار وبلغوا أراضي روسيا فسقطت موسكو وكييف ثم هنغاريا وبولندا كما تم غزو ألمانيا.

وفي العام 1259 أصبح قو بلاي خان وهو من أحفاد جنكيز خان حاكماً لأمبراطورية التتار وتلقى العلم وهو لم يزل صبياً بناء على تعليمات جده، على يد كبار العلماء حتى أصبح شديد الشغف بالحضارة الصينية، وهجر حياة العسكر وأنشأ بلاطه الخاص في الصين وبذل جهداً كبيراً كي يضع حداً للعداء بين الصينين والتتار وكرس نشاطه للقيام بالمشروعات السلمية ولقي المستكشف الإيطالي الشهير ماركو بولو كرم الوفادة والضيافة في بلاطه ودام حكم قو بلاي خان 35 عاماً.

ويعتبر تيمور لنك آخر حكام التتار العظام وكان يعرف باسم تيمور الأعرج لأن كلمة لنك تعني الأعرج، وتحت دعوى أنه من سلالة جنكيز خان بدأ أولاً بقيادة رفاقه القيام بسلسلة من الغارات تستهدف المواشي وقد بلغ نجاح هذه الغارات حداً جعله يرنو إلى مطامع أكبر. وكان من أول انتصاراته الكبرى غزو بلاد الفرس، وفي العام 1395 استطاع تحطيم مملكة التتار المنافسة له والمعروفة باسم الجموع الذهبية، وتلا ذلك غزو الهند، وقد جاوز الستين من العمر وفكر في اخضاع الصين وتقدم نحوها وهو على مشارف السبعين لكنه ما لبث ان توفي وهو في الطريق إليها في العام 1405م.

عادات التتار

يعتبر الرحالة ماركو بولو من أفضل المصادر التي يمكن ان تخبرنا عن عادات التتار وتقاليدهم.

ويقول بولو: إن التتار شعب من الرحل لأن بلادهم منغوليا لا تجود فيها زراعة المحصولات ولذا كانوا يبحثون باستمرار عن المراعي الجديدة لخيولهم ولم يبنوا البيوت وإنما كانوا يعيشون في خيام من اللباد الذي يدهن بشحم من الزبد الفاسد لدفع البرد عن داخل الخيمة، وكان التتار يعتمدون في طعامهم أساساً على صيد الحيوانات، وعندما كانوا يقتلون أي شيء كالأيل مثلاً كانوا يلتهمون الحيوان كله نيئاً وكان لبن الفرس شرابهم المفضل وعندما كان يتم تخمير هذا اللبن فإنه يتحول إلى شراب سكر قوي وكانوا في الحفلات يشربون هذا الشراب في جماجم قتلى الأعداء.

ويقول ماركو بولو مستطرداً في الحديث عن التتار: سأزيدكم بياناً عن التتار، إنهم لا يقيمون بأرض واحدة أبداً ولديهم نوع ممتاز من المركبات ذات العجلتين مغطاة باللباد، تحمي من يستقلونها من البلل تجرها الثيران والجمال، والنساء يتولين الشؤون التجارية لأن الرجال ينشغلون بالصيد والتصقر وكل ما يتعلق بالحرب ولا تبارى نساؤهم في العفة والاحتشام في الخلق وحب الزوج وأداء واجبه، والزوجة الأولى هي صاحبة الامتياز الأعلى وتعد أكثر النساء شرعية خصوصاً أن عدد زوجات الرجل قد يصل إلى عشرين. ومنذ نعومة أظفارهم يدرب التتار أولادهم على استخدام السلاح وكانت القضبان الحديدية والحراب والقوس هي أسلحتهم الرئيسية ويجيدون استخدامها وقد عرف عنهم قوة التحمل، فالرجل منهم يبقى على صهوة الجواد ليومين من دون ترجل.