عندما نقول: حديث أو جديد، فهذا يدلنا بالتلازم على أن هناك قديماً، إذاً هما مفهومان متقابلان في المعنى، كما أنهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالواقع التاريخي لمرحلة محددة وليس لهما ثبات معجمي يصح تنزيله على الواقع في كل وقت، لذا فجديد اليوم سيكون قديم الغد وهكذا، إلا أن الحداثة كمفهوم أدبي مؤدلج التصق بمرحلة معينة من تاريخ الأدب الأجنبي، لذا كانت الضرورة توجب تسمية المرحلة التي تليها بمرحلة ما بعد الحداثة، وفي رأيي أن سبب ذلك هو توافر الكم الأكثف من أساليب التحديث ومدارسه في هذه المرحلة أكثر مما كان في ما قبلها حيث أخذت شكل الثورة التي طالت كل شيء في بنية الأدب .
إذاً فالتحديث ببساطة هو إضافة الابتكار والإبداع الحديث على الأصل القديم، وبما أننا نسمه بهذا الوصف الذي يحمل في دلالته معنى الجدة والحالية، فهذا يجعله ممتنعاً على التوصيف والتحديد الاصطلاحيين، حيث إن الحديث لم يحظ بعد بالعمر الزمني الكافي ليصطلح عليه أحد، بينما عرفته جين أوستن عند تناولها له كمفهوم إيديولوجي أدبي بأنه: حالة من التغير، ربما للأفضل .
لذا يبقى التحديث مجهول الماهية معلوم السمة والأثر، فكل ابتكار أدبي سواء كان في النسق أو في الصورة أو في العبارة أو في المفردة أو في الشكل أو في المضمون أو في أي شيء آخر ما دام أنه يتماشى مع أصول الذائقة العامة ولا يخل بقوانين الأدب الضمنية ويتصف بترك الأثر الانفعالي اللذيذ لدى المتلقي شأنه شأن كل إبداع بكر يغمر المرء بالمتعة والانبهار والبهجة، فهو تحديث وتجديد معتبر وهو الحال كهذه مستند مستقل لإنجاح العمل الأدبي، ولذا يكرر: عزرا باوند مقولته اجعلها جديدة .
ورغم صعوبة حد التحديث والحداثي حداً معجمياً مانعاً إلا أنه يتميز ببعض السمات المظهرة له، فهو عادة يأتي بأشكال مفاجئة وحادة مغايرة للسائد ومعلنة رفضها للأشكال الثابتة والسلطة الثقافية الراكدة في ذوق برجوازي عام، ولعل أبرز سماته هي نقل العمل الأدبي من حافة المعنى البسيط المباشر إلى مندوحة الترميز الواعي والغموض الشفاف والاحتمالات المفتوحة .
الإنسان مجبول على البحث عن الأفضل، فهو في رحلة قديمة ودائمة ليطور أشياءه وأدواته، لذا فالتغيير وتجريب الأشياء الجديدة هو فطرة الإنسان، حسناً، لكن من قال إن تحديث الأدب كما نرى اليوم هو نوع من الانتقال من الفاضل للأفضل؟ من يحدد هذه الأفضلية؟
والجواب: لا أحد بعينه يستطيع أن يحدد هذا منفرداً، بل الأمر عبارة عن عرف وتواضع ضمني أو صريح أحياناً، وبما أن السرد والأدب عموماً مسألة ذوقية فإنه يحكم فيه بالأغلبية، لكن الأغلبية الواعية، وهم النخبة إن شئت، أو أصحاب الرؤى، فإن كان للسرد أهل فهؤلاء أهله، لذا حين يشكل عليك أمر في السرد فالمنطق يقول: فاسألوا أهل السرد .
حسناً، ما الداعي للتجديد إذاً؟ السؤال يجب أن يكون ما المانع من التجديد؟ إذ الأصل أن الإنسان يطور كل ما حوله وهو في بحث دؤوب عن التغيير والتجديد، ولو بقي على حال واحدة أكله الصدأ والموت .
وعلى الرغم من كون الطبع الإنساني معروفاً بالتغير والتطور على مستوى الأجيال خصوصاً، إلا أن هناك عينات من الناس الكبار يتقمصون دور الأدب الروحي لكل كاتب قادم للتو، ويمارسون نوعاً رديئاً من الوصاية على الأدب، لذا يحاولون إيقاف الزمن عند ذائقتهم فقط، ويطالبون الكل بالسير على نمطهم فقط، يقول عنهم ريموند ويليامز: هناك سلطة ثقافية دائمة للحاضرة من حيث قبضتها على دور النشر والصحف والمجلات، ووجه المفارقة الساخرة أن هذه التكوينات في معظم الحالات تكوينات مختلفة، فالأشكال الثقافية والفنية التي تضرب جذورها فيها هي لأسباب اجتماعية خاصة في المعادلات التي تدعمها وتضع حدودها بين الأقلية والجماهير، بين الكيف، والشعبي إنما تراجع لحقبة أقدم .
الحدث عنصر من عناصر العمل السردي، وهو بهذا أحد عناصر السرد لا تقنياته .
ولكن لأننا نتكلم عن التجريب والتجديد، فإن الأبواب مفتوحة أمام كل تجريب وتجديد قادم، حتى لو كان ذلك في صميم مكونات العمل السردي الأساسية مثل الحدث، وبالتالي فإن مقدار الاهتمام بالحدث في العمل السردي قوة وضعفاً يمكن أن يعد من التقنيات التي تقبل الأخذ والرد .
والملاحظ على نتاج الألفية الثالثة في القصة العربية والخليجية على وجه التحديد، لأنها موضوع الدراسة، اختلاط العديد من الأجناس الأدبية ببعضها، وغياب تلك الحدود العريضة التي كانت تفصل القصيدة عن القصة عن الخطابة عن المقامة ونحو ذلك . فالقصيدة تخلت عن بعض القيود الفنية واستضافت عناصر جديدة مقتربة بذلك من دائرة السرد، فسال الشعر على السرد، والسرد فعّل عناصر جديدة مثل الشعرية والقوافي والخيالات العجائبية، فانزاح إلى الشعر والمقامات والأساطير . فباتت الأجناس متداخلة يأخذ بعضها من بعض .
أما عن أهمية عنصر الحدث الجيد للعمل السردي، فيقول: السرد، ومنه فن القص القصير، هو إخبار عن موقف أو مجموعة مواقف، ما يتطلب عناصر أخرى لهذا الإخبار، منها الزمان والمكان والشخصية والحوار وبقية مشكلات السرد المعروفة .
والناس يمارسون القص في حياتهم على نطاق واسع، يخبرون عن القصص والمواقف في يومهم عشرات المرات للأصدقاء والمعارف والغرباء وحتى الأعداء، ومع الثورة التقنية أصبح الناس يقصون القصص بالكتابة والبث الحي وحتى بالرسائل القصيرة وغرف الدردشة، إضافة إلى أسلوب المشافهة التقليدي .
والناس يميزون القصة الجيدة بناء على جودة الحدث الذي تخبر عنه، إضافة إلى جودة عناصر أخرى كوسيلة الإخبار ووضوحها ولغتها ونحو ذلك . إلا أنهم متفقون بالإجماع أن جودة الحدث من حيث قيمة الحدث نفسه أو جدته أو ندرته أو غرائبيته هو ما يميز القصة الجيدة عن الرديئة .
فالذي يخبرنا مثلاً عن روتين يومه العادي بين المنزل ومقر العمل لا يستولي على انتباهنا كمن يخبرنا عن حادثة سقوط طائرة في فناء منزلهم، أو عن اصطدامه مرة بسيارة الحاكم، أو عن مقابلته لأحد عفاريت الجن، وهكذا .
وكلما هبط مستوى جودة الحدث توجب على القاص لإنجاح العمل القصصي الاستعانة بعوامل أخرى كأسلوب التشويق في عملية السرد أو فتح أبواب الاحتمال للتأويل أو تنشيط دور المخيلة وتضمينها القصة لتقويتها وسد ثغرات ضعف الحدث، إلى آخر تقنيات السرد المعروفة والمبتكرة .
إذاً فعناصر الحدث شرط لازم من شروط العمل القصصي، وجودة الحدث شرط لازم من شروط اعتبار الحدث حدثاً .
ويعرف عبدالله السالم الحدث الميت بقوله: قتل الحدث أو القص عن حدث ميت والاستعاضة عنه بالبوح الوجداني المتصل المحسوب على تقنيات الكتابة الشعرية يولد لنا جنساً أدبياً مهجناً، يصفه أصحابه مرة بالشعر ومرة بالقص ومرة بالخواطر وهكذا .
والاعتراض هنا ليس على موضوع التجريب والتهجين السابق، وإنما على موضوع تسمية المنتج الأدبي وتصنيفه شعراً أو سرداً أو غير ذلك .
فالقارئ حين يذهب إلى معرض الكتاب ويختار كتاباً موصوفاً في غلافه بأنه مجموعة قصصية ويدفع نقوده ثمناً لذلك سيعود إلى المنزل ليقرأ هذا الكتاب وهو منتظر لمجموعة من القصص الحقيقية كما اتفق عليها الناس . لا أن يتفاجأ بمولود هجين ليس من القصة ولا من الشعر ولا نسب له . وبهذا يشعر القارئ بأنه وقع في مصيدة الكاتب أو الناشر، وأنه مغبون .
كما يمثل عليه في العمل السردي مستشهداً بقصة لغة الآه لمنى خليفة الحمودي، من الإمارات، وفيها: يثقل صدري . . وروحي تتطاير أنسامها عبر أثير هذا الجو المظلم الكئيب . . ينتابني غضب أسود .
لا أشعر بطعم شيء . . مزكومة . . تتساوى أنساب المذاقات في فمي . . وتتلخص في مذاق واحد .
وتسير القصة على هذا المنوال حتى النهاية، تصف الحالة النفسية للشخصية بطريقة تحاول أن تكون شعرية في هذه القصة . وبهذا لا أثر لأي حدث سردي يمكن الإخبار عنه .
وهذه التقنية كما تحب الكاتبة أن ينظر إليها كذلك قد خرجت من دائرة التجريب التقني إلى الإخلال بأحد عناصر السرد الأساسية وهو الحدث عن طريق تغييبه تماماً، فتحولت القصة إلى خاطرة أو شيء آخر، لكن ليس بقصة . إذ لو جردنا هذه القطعة المكتوبة من المحاولات الشعرية التي تكتنفها لكانت كما يلي: أنا أعاني من الرشح والزكام وجالسة أحاول أن أكتب شيئاً والجو ممطر وأنادي باسمك . . إلخ . ولا حدث هنا، لا حدث يستحق القص من أجله .
والحدث في هذه القصة ميت، إذ بدأت وانتهت ولم يحدث أي شيء، لا داخل الغرفة التي هي عنصر المكان ولا خارجها في المخيلة أو عن طريق استدعاء الماضي .
الحدث الهامشي فهو الحدث الروتيني البارد الذي لا يسترعي انتباه السامع أو القارئ، كالأحداث التي تحدث في اليوم العادي لشخص عادي في ظروف عادية، والناس قد ملوا منها لكثرة ما تواجههم في حياتهم اليومية فكيف بها وهي مكتوبة على الورق .
أما عن دور تقنيات الكتابة الإبداعية في تفادي مشكلات الحدث السردي، فإنه ليس ثمة تقنية إبداعية تنتشل العمل من دائرة فشل القصة إلى دائرة النجاح إلا بإخراج العمل تماماً من تصنيف فن القص، والبحث عن تصنيف آخر مناسب .
والباب في هذا واسع قابل للتجريب والابتكار، فالإبداع الإنساني لا يحده حد، والكاتب الخلاق لا يحد من سقف إبداعه تصنيف ولا قانون، بل من السهل أن يبدع تصنيفاً جديداً يليق بإنتاجه الجديد .
وكل الأجناس الأدبية المستقرة اليوم في الاصطلاح كالشعر والسرد والأساطير وغيرها كانت في يوم ما جديدة لا اسم لها .
أما في ما يخص الحدث الهامشي، فإن الكاتب الجيد يوظف العديد من التقنيات المصاحبة لسد نقص حدثه العادي في القطعة السردية كتقنية التلاعب بالتسلسل الزمني أو التشويق أو الاسترداد والمقارنة في الذاكرة أو المخيلة، وغير ذلك من التقنيات التي لا يمكن حصرها ولا حدها أيضاً .