إن الإسلام هو دين التعاون والتضامن، والمحبة والألفة، يدعو أتباعه إلى التعاون على البر والتقوى، وينهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، فقال الله جل شأنه: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة: 21)، ويتمثل التعاون على البر والتقوى في أن يكون كل فرد بارًا بأخيه، وسندًا له، وعونًا في كل أمور البر والتقوى، وفي هذه الدائرة الخيرة تتسع أعمال الخير والمصلحة العامة، فدائرة البر والتقوى تتسع لكل الأعمال الصالحة والأقوال الصادقة والنيات الخيرة، كما تشمل جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق، كما قال الله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (البقرة: 177). وحين ينهى الإسلام عن التعاون على الإثم والعدوان، فهو يريد قطع روابط الشر والإثم التي يتجمع البعض بها، ويبرر لنفسه وسائل العصيان التي تتمثل في مخالفة الحق، وفي التسلط على حقوق العباد، وفي العنف أو القسوة، وفي العدوان على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم، وهي الحرمات التي أمر الإسلام بصيانتها، لأنها أغلى وأعز ما يحرص الناس عليه، بل من قتل دفاعا عنها وفي سبيلها فهو شهيد، ففي الحديث: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد.

وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحرمات في حجة الوداع حين قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا...

إن دعوة الإسلام إلى التضامن، هي تحقيق للخير بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وهل هناك من تأكيد على السمو بالروابط الأخوية أعظم مما وصى به الإسلام حين جعل كمال العقيدة وتمام الإيمان منوطين بهذه الرابطة، بحيث يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه؟ حيث قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

فهل من الإيمان أن يتسلط الإنسان على أخيه الإنسان؟!

وهل من الإيمان أن يعادي بعضنا بعضا؟!

وهل من الإيمان أن يستحل البعض دماء الآخرين أو أموالهم أو أعراضهم؟!

إن جوهر الإنسان وركيزته الكبرى تتمثل في الرحمة، ولذا جاء التعبير القرآني الكريم ينعت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب الحصر في الرحمة، فقال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء: 107) ولم يقل: رحمة للناس، لأنه رحمة لغير الناس بما تضمنته تعاليمه الرحيمة من الدعوة إلى الرحمة بالحيوان والطير وسائر المخلوقات. ولم يقل: رحمة للمؤمنين ولا للطائعين، لأن الرحمة شملت غير المؤمنين وغير الطائعين، فالكل يعيش في كون الله الفسيح ويأكل ويشرب ويتنفس بنعم الله التي سخرها للجميع في الحياة الدنيا. إنه حقا رحمن الدنيا، وفي الحديث الشريف يقول صلوات الله وسلامه عليه: إن الله قسم الرحمة مائة جزء، حبس عنده تسعة وتسعين جزءا يرحم بها الخالق يوم القيامة، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.

إن ديناً جوهر رسالته الرحمة والتضامن والتعاون، لجدير بمن يتبعه أن يصون حماه، وأن يتواصى بالحق وبالصبر، وأن يطبق المنهج الرباني الذي يدعونا إلى التعاون والتساند، وإلى أن نكون عباد الله إخواناً، وحتى مع الذين زلت بهم الأقدام، نهانا ديننا الحنيف عن أن نعين الشيطان عليهم حين نغلق في وجوههم أبواب الرحمة أو نقنطهم من عفو الله، فالله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويبغض الذين يسيئون الظن في رحمة الله، أو الذين ييأسون من عفوه إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (يوسف: 87).

إن تضامن المجتمع وتعاونه لا يقتصران على الجوانب المادية فحسب، بل يشملان التعاون على نشر الأمن والطمأنينة، والاستقرار والسكينة، والتضامن بين الجميع على أساس من الإيمان وقيام العدل ورفع الظلم، فإن ثمرة الإيمان الحق ورفع الظلم تتمثل في الأمن حيث قال رب العزة سبحانه وتعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (الأنعام: 82).

فالطريق إلى إقرار الأمن هو الإيمان والعدل، فنلاحق ظواهر الظلم والظالمين، ونقيم العدالة في ربوع المجتمع، فإن نهاية الظلم أليمة وعاقبته وخيمة، وقد بين رب العزة أن الظلم سبب الدمار: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا (النمل: 52).

* رئيس اللجنة الدينية في مجلس الشعب المصري