التقية بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء هي بمعنى التقاة والتقوى والاتقاء، وهي بمعنى الخشية والخوف كما ورد في لسان العرب لابن منظور.

وفي لغة العرب: اتقى الرجل الشيء يتقيه، إذا اتخذ ساتراً يحفظه من ضرره، وورد في الحديث الشريف: اتقوا النار ولو بشق تمرة (رواه البخاري).

والفقهاء خصصوا مصطلحي التقوى والتقى باتقاء العبد لله تعالى بأن يمتثل لأوامره وينتهي باجتناب نواهيه.

وخصصوا التقاة والتقية باتقاد العباد بعضهم بعضاً، لقول الله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة.

وعرّف بعض الفقهاء كالسرخسي التقية بأنها ان يقي الإنسان نفسه بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه.

وبما أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، فإن الإسلام يطالبنا بأن يكون إسلامنا تطبيقاً عملياً لما نعتقده، ولا يجيز أن نقول شيئاً ونضمر شيئاً آخر، وعلى هذا جمهور علماء أهل السنة، إلا أنهم في الوقت نفسه أجازوا التقية للضرورة.

يقول القرطبي في ص 57 ج4: والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، قال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة (آل عمران: 28).

ومما يدل على مشروعية التقية للضرورة أيضاً قول الله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (النحل: 106).

حيث إن المشركين أجبروا عمارا على سب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتى الى النبي، قال له: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركوني حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال الرسول: إن عادوا فعد، فنزلت الآية.

أقول: ويبدو أن المنافق كافر في قلبه، لكن يظهر بلسانه ما يدل على أنه مؤمن، ويعمل بذلك أيضاً ليأمن على نفسه وليحصل الميزات.

وهذه الكيفية تخالف كيفية التقية التي تعني إظهار المؤمن عند الخوف على نفسه ما يأمن به من أمارات الكفر أو المعصية، مع كراهته في قلبه.

إذن تجوز التقية بهذا المعنى عند الضرورة لأن الله تعالى يقول: ولا تقتلوا أنفسكم (النساء: 29).

ولكي نقول بالجواز يشترط الفخر الرازي في تفسيره ص 14 ج8 أحكاماً هي:

أن يكون الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيداريهم باللسان ويضمر خلافه.

تجوز التقية في ما يتعلق بإظهار الدين، وليس فيما يرجع ضرره الى الغير كارتكاب القتل والزنى وغصب المال والشهادة والقذف.

والتقية بشروطها جائزة الى يوم القيامة، وليس في صدر الإسلام فقط.

وإذا جازت التقية في حالات، فهل الذي لا يأخذ بالتقية اليوم ويواجه الشدة بالشدة ويصبر على البلاء، يكون عليه إثم؟

يقول العلماء: لا يأثم أحد منهما لأن الأول أخذ بالرخصة والآخر أخذ بالعزيمة، لكن الذي يأخذ بالرخصة ينبغي أن يفعل ذلك وقلبه يكره المعصية، وإلا كان مداهنة فيدخل بها النار مع الداخلين.

ورد في الحديث أن رجلاً دخل الجنة في ذباب، ودخل آخر النار في ذباب، والسبب أنه مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا: قرّب ولو ذبابة، فقرّب ذباباً فخلوا سبيله فمات فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب ولو ذباباً، قال: ما كنت لأقرّب لأحد شيئاً دون الله، فضربوا عنقه فدخل الجنة. (رواه أحمد).

والسبب أن الأول وافقهم مداهنة، فمات مشركاً فدخل النار، والآخر رفض المداهنة فقتل، فدخل الجنة لأنه مات على التوحيد.