إنه الصحابي سعيد بن عامر رضي الله عنه، ورغم كونه واحداً من كبار الصحابة فإن اسمه لم يكن له مثل هذا الرنين القوي المصاحب للصحابة الكبار المشهورين . كان واحداً من الصحابة الأتقياء الذين يغفل عنهم الكثير من الناس بسبب زهده وتقواه ولذا لقبه البعض بالتقي المغمور . أسلم قبل فتح خيبر، وعانق الإسلام قلبه فأعطى الدين الجديد كل حياته ووجوده، وكان معروفاً بالطاعة والزهد والسمو والورع، وهذه السمات تسللت تدريجاً لنفسه، فكانت حياته ومسلكه فيها تجسيداً لتلك السمات العظيمة لكل نفس ساعية لله عز وجل . فمن يرى سعيد بن عامر لأول مرة وسط زحام الصحابة حول الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرى شخصية تفوح منها زينة الدنيا ومفاخرها، وإنما يرى واحداً من المسلمين لا تجد في ملبسه ولا في شكله الخارجي ما يميزه عن فقراء المسلمين بشيء . .! فهو أشعث وأغبر الهيئة .

ويقول خالد محمد خالد في كتابه رجال حول الرسول: عظمة الرجل ليست بهيئته الخارجية وإنما هي كاللؤلؤة المخبوءة بجوف الصدف، لا تبدو لنا إلا كلما بذلنا الجهد للوصول إليها، وإزاحة ما عليها من ركام يخفي صفاءها الأصيل . لازم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مشاهده السلمية والعسكرية، ولم لا فذلك كان نهج جميع الصحابة، إذ ما كان لصحابي أو مسلم أن يتخلف عن رسول الله في سلم أو في جهاد . وحينما توفي الرسول بدا معدن الرجل الأصيل الذي لا يرغب في الدنيا، إنما ينتظر الآخرة، ويجعل من الدنيا مطية له نحو الجنة . ولذا آلى علي نفسه ألا يستمتع بما فيها من سلطة ونفوذ . وكانت تلك النقطة محور خلاف كبير مع الفاروق عمر بن الخطاب حينما قرر عزل معاوية بن أبي سفيان، وبدأ ينظر ويبحث بين أصحابه عمن يختاره خلفاً له بولاية الشام .

والي حمص

عن قصة توليه ولاية حمص، يروي ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى أنه كان معروفاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك المعايير الصارمة في اختيار ولاته، إذ كان يجمع بين أقصى غايات الحذر والدقة والأناة، لكونه كان يدرك تمام الإدراك بأن الله عز وجل سيسأله يوم القيامة عن عمله وحسن اختياره لولاة أمور المسلمين . ومحورية وضع الشام بالدولة الإسلامية كانت بدورها عامل ضغط آخر لكي يحسن الاختيار . فقد كانت الشام يومئذ حاضرة كبيرة، والحياة فيها قبل دخول الإسلام كانت تتقلب بين حضارات غاية في التقدم، وهي مركز مهم من مراكز التجارة للحجاز وقلب الدولة الإسلامية بالمدينة، وهي بعد هذا دار للنعمة والرفاهية لا يصلح لها سوى قديس أو عابد زاهد يقوم على أمورها خير قيام . وبعد طول تفكير استقر رأي عمر على سعيد بن عامر ليوليه أمر الشام . والحوار الذي دار بينهما حال استدعائه من قبل الخليفة لعرض الأمر عليه غاية في الروعة . وإن أظهر شيئاً، فهو عفة وزهد الرجل ومحاولة البعد عن مفاخر الحياة خوفاً من الفتنة . فلما جيء به إلى مجلس الفاروق . قال له: يا سعيد إني أعرض عليك ولاية حمص بالشام، فبادره سعيد بالاعتذار قائلاً: لا تفتني يا أمير المؤمنين، فصاح عمر غاضباً: والله لا أدعك . . أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي . . ثم تتركونني وحدي . .؟!

نزلت تلك الكلمات على قلب سعيد وعقله منزل الإقناع . . إذ ليس من العدل أو الأمانة أن يقلده المسلمون أمانتهم وخلافتهم ثم يتركوه وحيداً من دون مشاركة، وإذا انفض عنه وعن مسؤولية الحكم والخلافة رجال مثله فأنى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من يعينه على تبعات تلك المهمة الثقيلة؟ ولذا قبل سعيد بالأمر .

تجارة رابحة

خرج سعيد مع أهله قاصداً حمص، بعد أن أعطاه عمر قدراً من المال ليستعين به على أمور إدارته للولاية الجديدة . ولما استقر به المقام أرادت زوجته أن تستعمل حقها كزوجة حاكم في استثمار هذا المال، وأشارت عليه بأن يشتري لها لباساً لائقاً ومتاعاً وأثاثاً وبيتاً جديداً يصلح مقراً للحكم، ثم يدخر الباقي للأمور المستقبلية . غير أن الزاهد العابد لم يكن ليقتنع بمثل هذا المسلك الدنيوي من زوجته . . فقال لها: ألا أدلك على خير من ذلك كله . .؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة وسوقها رائجة فلنعطِ هذا المال من يتجر لنا فيه وينميه لنا .

قالت: فإن خسرت تجارته . .؟، قال لها: سأجعل ضمنها عليه، قالت: فنعم إذن .

خرج سعيد، فاشترى بعض ضرورات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال على الفقراء والمحتاجين من أهل حمص . ومرت الأيام، وبين الحين والآخر تسأله الزوجة عن تجارتهما وما لها منها من ربح، فيجيبها الزوج الزاهد بأنها تجارة موفقة وأن أرباحها تنمو وتزيد . غير أن الشك بدأ يتسرب إلى نفس الزوجة تدريجياً، فأصرت يوماً على الحصول على إجابة واضحة، فقال لها: لقد تصدقت بالمال كله في ذلك اليوم . وأمام دموع الزوجة قال لها: إنَّ لي أصحاباً قد سبقوني إلى الله . . وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها . وحينما خشي أن تُدلّ عليه بجمالها وأنوثتها قال لها وكأنه يوجه الحديث إلى نفسه: تعلمين أن في الجنة من الحُور العين والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعاً . . ولقهر نورها نور الشمس والقمر معاً . . فلأن أضحي بك من أجلهن أحرى وأولى من أن أضحى بهن من أجلك . ولما تيقنت زوجته من صدق عزمه وأنه لا خيار لها سوى السير بطريق الزهد، وحمل النفس على التقوى، انضمت إليه فى زهده .

شكوى من نوع خاص

وعلى عكس الطابع المتمرد والمشاكس لأهل حمص تجاه ولاتهم، فقد أحبوا الوالي الجديد، وأطاعوه، ولِمَ لا وهو الذي يعينهم ويواسيهم في كل الأمور؟ ولم يكن واليا أو صاحب نفوذ وقوة عليهم، وإنما كان رجلا منهم . غير أنه في النهاية لا مفر من تذمر البعض، فحينما كان الفاروق عمر في زيارة لحمص سأل أهلها عن حال سعيد بن عامر فيهم . فتقدم البعض منهم بالشكوى، وكانت شكواهم من نوع خاص، لكونها كشفت عن عظمة وورع وزهد هذا الصحابي الجليل . وقد بدا ذلك حينما طلب عمر من هؤلاء الشاكين أن يحددوا نقاط شكواهم واحدة بعد الأخرى . . فقالوا: نشكو منه أربعاً . .

لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار .

ولا يجيب أحداً بليل قط .

وله في الشهر يومان لا يخرج إلينا ولا نراه أبداً .

وأخرى لا حيلة له فيها ولكن تضايقنا وهي أنه تأخذه الغشية أي الإغماء بين الحين والحين .

وجلس عمر مهموماً، أن يصدق الناس فيه، وابتهل إلى الله عز وجل قائلاً: اللهم إني أعرفه من خير عبادك . . اللهم لا تخيب فيه فراستي . فدعاه للدفاع عن نفسه أمام القوم فقال سعيد في ثبات: فأما قولهم: أني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار . . فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب، وإنه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه حتى يخمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ للضحى ثم أخرج إليهم .

أما قولهم الثانية، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب أيضاً . . وذلك أني جعلت النهار لهم والليل لربي .

وأما الثالثة . . فليس لي خادم يغسل ثوبي وليس لي من الثياب ما أبدل فيه، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظره حتى يجف بعد حين . . وفي آخر النهار أخرج إليهم .

وأما الرابعة فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه وحملوه على جذعة وهم يقولون له: أتحب أن محمداً مكانك، وأنت سليم معافى . .؟ فيجيبهم قائلاً: والله ما أحب أني في أهلي وولدي ومعي الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة . . فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته وأنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها أرتجف خوفاً من عذاب الله ويغشاني الذي يغشاني .

وتهلل وجه عمر بن الخطاب فرحاً ولم يتمالك نفسه فصاح من فرط سعادته بكلمات سعيد بن عامر: الحمد الله الذي لم يخيب فراستي . وعانق سعيداً وقبل جبهته المضيئة . وجدد له عمر البيعة بالولاية . فما لمثله أن يترك من دون معاونة الخليفة على أمور المسلمين .

بلغ في زهده مبلغاً غير مسبوق بين الولاة . إذ كان يرى أن عطاءه من بيت المال نظير الولاية كبير على الوظيفة، فكان يأخذ منه ما يكفي أهله ويتصدق بالباقي على فقراء حمص . ولقد قيل له يوماً: توسّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك، فأجاب قائلاً: لماذا أهلي وأصهاري؟ لا والله وما أنا بائع رضا الله لقرابة .