تحقيق: راندا جرجس
تظهر علامات التوحد على الأطفال خلال الثلاث سنوات الأولى من عمرهم، وهي تؤثر في قدرة الطفل على الاتصال بالمحيطين به، أو مهارات تطوير العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، كما يؤثر ذلك في اللغة، وكيفية التكلم، والسلوك، وكيفية التصرف في المواقف... وغيرها، وحتى الآن لا توجد طريقة أو دواء لعلاج التوحد تماماً ولكن هناك مجموعة من الأساليب والطرائق العلاجية النفسية، حسب رأي الأطباء والاختصاصيين.
التوحد وأساليب التعامل
أبان الدكتور سامر مخول استشاري الطب النفسي أن مرض التوحد، أو أمراض طيف التوحد بناء على طرائق التشخيص الحديثة، هي تسمية تستعمل لوصف حالة تدوم مدى الحياة عند أشخاص يعانون صعوبات في ثلاث مناطق أساسية عند الطفل وهي:-
• صعوبة في فهم واستخدام اللغة للتواصل.
• صعوبة في التواصل الاجتماعي والعلاقات مع الناس.
• صعوبة في التصور الاجتماعي (بعض المعايير العالمية تعتمد على الأفعال والنشاطات المتكررة أو الروتينية عوضاً عن التصور الاجتماعي).
• درجة الإعاقة من هذه الأعراض الثلاثية هي التي تحدد درجة المساعدة اللازمة، فالبعض يعيش حياة يومية طبيعيــــة والبعض الآخر قـــــد يحتاج إلــــــى مســاعدة تامة ويومية مدى الحياة.
وفي الدراسة الإحصائية الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية تم أظهار نسبة مرتفعة تصل إلى 1 من كل 68 طفلا يعانون طيف التوحد (بالمقارنة مع 1 من كل 100 طفل التي هي النسبة المتعارف بها عالمياً والتي كانت أيضاً بالولايات المتحدة الأمريكية قبل 10 سنوات).
وهناك بعض الأمراض الأخرى التي تتشابه أعراضها مع مرض طيف التوحد، وغالبيتها أمراض وراثية مثل: متلازمة ريت Rett، ومتلازمة الصبغي اكس الهش Fragile x، والروبيلا congenital Rubella...الخ، أو بعض الأمراض الاستقلابية أو نقص بعض الهرمونات مثل هرمون الغدة الدرقية قد تسبب أعراض متشابهة خصوصا في البداية. لذلك في البداية قبل تشخيص مرض طيف التوحد، يحتاج الطفل إلى التقييم الطبي الكامل.
كما يصاحب مرض التوحد أمراض أخرى سواء نفسية أو عضوية، فبعض الدراسات تشير إلى حوالي 75% من الحالات تعاني مرض نفسي مصاحب لتشخيص طيف التوحد ( أو أكثر من مرض)، ومن الأمراض النفسية الشائعة هي أمراض القلق عامة وبالأخص القلق الاجتماعي والقلق المعمم وأحيانا الوسواس القهري، مرض فرط النشاط ونقص التركيز ADHD في حوالي ربع أو ثلث الحالات، واضطراب الصرع خصوصاً إذا كان هناك تراجع واضح بالمهارات في السنين الأولى من العمر.
وعن أعراض مرض التوحد وكيف يكتشف الوالدان أصابة طفلهما به، قال د. سامر:
* إن بعض الأعراض تتضمن صعوبة في التواصل مثل الاستجابة للاسم، التواصل النظري لأكثر من ثوان معدودة، تكرار الكلمات، عدم الاستجابة للتعليمات، الطفل يبدو وكأنه يعيش بعالمة الخاص، في حال وجود لغة.
* صعوبة في البدء بالمحادثة أو الاستمرار بها، صعوبة في فهم الأمثال أو النكت أو المعاني خلف الكلمات، صعوبة في فهم مشاعر وأحاسيس الأخريين.
* يعانون صعوبة التعبير عن مشاعرهم بطريقة مقبولة اجتماعيا، لا يرغبون بالمشاركة، ولا يحبون التفاعل أو مقابلة أطفال آخريين أو اللعب معهم، ولا يفهمون القاعدة الاجتماعية.
* يعيشون أو يفضلون العيش وفقاً لروتين منظم كل يوم ويجدون التغيير صعباً، اهتمامات مركزة على مجالات محددة، من الصعب تخمين أو تصور ما يفكر به الآخرين.
وأضاف: إلى أن الإصابة بالتوحد يمكن أن يكون لها علاقة بالعامل الوراثي، ففي إحدى الدراسات على التوائم أشارت إلى نسبة الوراثة أحيانا تصل إلى 60% في التوائم الحقيقية ،ما يدل على عامل وراثي (النسبة عند الأخوة أقل من 5 %) لكن حتى الآن لم يتم التعرف بشكل قاطع إلى الجين المسبب بالرغم من وجود جينات عدة تم التعرف إليها في السنوات الماضية.
* أنواع علاج التوحد:-
• علاج التوحد هو علاج سلوكي وخصوصا بالسنوات الأخيرة، فقد تم تطوير العلاج السلوكي بنوع ABA ، إضافة إلى علاج النطق، العلاج الوظيفي وعلاج تتيتش TEACCH الذي يساعد على التعليم والتمرين بشكل خاص. أهم شيء في العلاج هو العلاج المبكر.
• كما أن العلاج السلوكي أو النفسي هو العلاج الأساسي، ولكن في حالات قليلة هناك دور للعلاج الدوائي خصوصاً في حال هناك اضطراب في السلوك وإيذاء النفس أو الآخرين.
• أيضاً هناك دور للعلاج الدوائي في الأمراض المرافقة مثل الصرع، فرط النشاط، القلق أو غيرها.
ونصح د. سامر الأهل كيف يتعاملون مع الطفل ( طيف التوحد) بطرائق عدة هي:
1- طيف التوحد هو جزء من الطفل، ولكن هناك أجزاء أخرى طبيعية وأخرى أحيانا موهوبة، لذلك لا يجب التركيز فقط على الصعوبات بل التركيز على الأمور الإيجابية والمشاعر..إلخ.
2- الطفل يفكر بالأمور بحرفيتها، لذلك يجب الانتباه لما نقوله وأن نكون دقيقين، لأننا في الحياة اليومية نستعمل الكثير من المصطلحات والتلاعبات اللفظية.
3- كما يجب أن ننتبه للإيحاءات ولغة الجسد لأن الطفل يجد صعوبة في فهمها.
4- هناك صعوبة في التعبير عن النفس والمشاعر عند الطفل، لذلك على الأهل المساعدة بالتفاعل الاجتماعي ومحاولة فهم ما يثير غضب الطفل أو توتره مثل الأصوات العالية على سبيل المثال.
5- من المهم التركيز على ما يستطيع الطفل أن يفعله وليس على ما لا يستطيع فعله.
6- من المهم أن نعرف أن الأطفال الذين يعانون طيف التوحد هم أطفال عاديين وغير مختلفين، غير أن سلوكياتهم الظاهرة تختلف عن الأطفال العاديين.

التوحد من منظور مختلف

وأوضح مختص النطق واللغة حسام فتوح عبد السلام شرارة، أنه ومنذ أن تحدث بلولير عام 1911 عن الانسحاب الاجتماعي لدى بعض المصابين بالفصام الطفولي، ومنذ أن أطلق ليو كانر لفظة التوحد عام 1943 على مجموعة من الأطفال مصابة بالتخلف العقلي عندما وجد أن سلوكهم يتميز بالانغلاق الكامل عن الذات والانعزال عن كل ما حولهم حتى أقرب من يحيطون بهم (وهذا يختلف بالطبع عن سلوك ذوي الإعاقة الذهنية)، وأصبحت لفظة الطفل التوحدي أو الذاتوي من أهم المصطلحات المستخدمة في عدة مجالات منها علم النفس والتربية الخاصة مع تشعبها ومجال الطب النفسي والتغذية
ويرجع السبب في ذلك إلى الزيادة المستمرة في أعداد التوحديين حول العالم، وعدم وجود أتفاق من قبل المختصين حول الأسباب المؤدية للتوحد، ولذا يواجه كل من يعمل مع التوحد معضلة التشخيص وقد ظهر العديد من النظريات والدراسات التي تفسر حدوث التوحد ولكنها بالرغم من كثرتها إلا أنها تفتقد لمبدأ التعميم، فقد تصدق النظرية التفسيرية وتقدم سبباً واضحاً على بعض أطفال التوحد ولكنها تصبح خاطئة تماماً على بعض الأطفال الآخرين ومن أهم هذه النظريات التي تحدد الأسباب المحتملة المؤدية لاضطراب التوحد النظرية الوراثية وترى وجود جينات مسؤولة عن التوحد والنظرية البيئية وترى وجود أسباب كمشكلات الحمل والإصابة بالفيروسات والتسمم وهناك النظرية العصبية واختلاف شكل مخ ومخيخ التوحديين عن العاديين، مع وجود خلل أيضاً في عمل الناقلات العصبية بأنواعها المختلفة مثل الدوبامين والسيروتونين، وغير ذلك من النظريات الكثير.
وأضاف: يتفق جميع المتخصصين في مجال الطب النفسي والإعاقات على التأثير القوي والمباشر لاضطراب التوحد على التواصل، سواء كان لفظياً أو غير لفظي وعلى النشاط الاجتماعي للطفل التوحدي وعلى قدرته على التخيل وعند النظر لكل عملية من العمليات السابقة نجد أن هناك عاملا مشتركا بينهم وهو عدم وجود مركز واحد متخصص في الدماغ يقوم بأداء أي من العمليات السابقة، فاللغة على سبيل المثال يوجد لها أكثر من مركز في الدماغ تنتقل الإشارات العصبية بينها لتؤدي وظيفة اللغة، فيسافر الصوت كنبضات عصبية إلى منطقة فيرنيك، حيث ستحلل ثم تنتقل لمنطقة بروكا حيث تجمع الاستجابة اللغوية في تسلسلات ثم تنتقل إلى القشرة الحركية التي ترسل إشارات لعضلات النطق فيحدث الكلام، وهناك اكتشافات حديثة تدل على اشتراك أكثر من نصف الدماغ لإنتاج اللغة.
وكذلك عملية التخيل التي أكد علماء وباحثين في جامعة دارتموث بالولايات المتحدة الأمريكية في دراسة جديدة أن الخيال البشري يتطلّب شبكة عصبية على نطاقٍ واسع بالدماغ تسمى بمنطقة العمل الذهني، وفي دراسة جديدة بجامعة ويسكونسن ماديسون لبحث آليات عمل المخ عند معالجة الواقع والخيال، تبين أن الفارق الوحيد يكمُن في اتجاه تدفق الإشارات العصبية عبر المخ فوجد الباحثون أنه عند التخيل تتدفق الإشارات من الفص الجداري للمخ إلى الفص القذالي، لكن عند تعرض المشاركين لمعلومات واقعية مثل مشاهدة فيلم كانت المعلومات تتدفق في الاتجاه المعاكس من الفص القذالي إلى الفص الجداري، وكذلك الاجتماعية عند البشر هي نتيجة عمليات نفسية تتحكم فيها أفكارنا ومدى فهمنا لقواعد العلاقات وديناميكية الأدوار نتيجة لفهم وتحليل الحاجات والانفعالات في العديد من مراكز الدماغ، من العرض السابق نستطيع أن نستنتج أن التوحد عبارة عن اضطراب معقد ينتج عن اختلال العلاقة بين مراكز الدماغ المختلفة فكل مركز يؤدي وظيفته فقط في عقل التوحدي، ولذلك نجد أنه يستطيع السمع ولكن لا يستطيع الاستجابة للنداء الفرق هنا أن السمع يحتاج عمل مركز واحد، ولكن الاستجابة بالالتفات مثلاً عند سماع الاسم تحتاج لتكامل مراكز السمع ومنطقة فيرنيك ومنطقة القشرة الحسية لتحديد اتجاه المثير ومنطقة القشرة الحركية لتوجية الرأس أو الجسم ناحية المثير،
* هذا الفهم التحليلي سيساعدنا على تحديد والاتفاق حول تعريف واحد لاضطراب التوحد كما سيساعدنا في الوصول إلى إجابة حول تساؤلاتنا، لماذا كل طفل توحدي يختلف عن الآخر ؟ فمن المنطق أن يحدث اختلاف بسبب اختلاف البشر في تطوير بنية أدمغتهم والعلاقة بين المراكز على ضوء اختلاف المصادر المتاحة وطريقة التعامل والتدريب.
وستكون الإجابة مباشرة فمن المعلوم أن خلايا الدم في جسم الإنسان تموت، ويتم تخليق غيرها داخل نخاع العظم، وبالتالي ستبدل خلايا الدم الحمراء الحاملة للأكسجين في جسم الإنسان بشكل كامل كل ٤ أشهر، وعلى العكس تماماً في خلايا الدماغ لا تتجدد، ولذلك خلق الله عددا لامتناهيا منها في أدمغتنا والسبب في عدم تجددها أنها إذا تجددت ستنسى كل ما تعلمته كل أربعة أشهر، وستعيش إنسانا جديدا تماماً كل أربعة أشهر، وبذلك لا تستقيم الحياة، ولهذا يظل الخلل في تفاعل مراكز الدماغ لدى التوحدي من الميلاد إلى الموت.
للتدريب والتعلم فائدة كبيرة، لأنه يزيد من ترابط المراكز وتواصلها نتيجة لدونة الدماغ البشري، ولكنه لا يغير في تكوينها أو تجديدها وبزيادة هذا الترابط تختفي الكثير من أعراض التوحد. عززت هذه النظرة نظرية الطب الصيني عن أسباب حدوث التوحد حيث تشير إلى أن المخ هو محيط النخاع، والكليتان تهيمنان وتنتجان النخاع بالنسبة للأطفال التوحديين، استناداً إلى الفرضية الطبية الصينية فإن التوحد الذي يحدث أثناء الحمل يعزى إلى مشكلة في وظيفة الكليتين لدى الوالدين والتي ربما تكون عن طريق الأم وأحيانا الأب، ويشير الأطباء الصينيون إلى أنه عندما تكون لدى الأم كلية ضعيفة، فإن الجسم لا يمتص فيتامين بـ6 بطريقة فعالة، وإن نقص فيتامين بـ6 وبعض العناصر الحيوية، يعوق عمليات بناء ونمو المخ.