تؤكد حوادث الثأر المنتشرة في بعض البلدان العربية، أننا بدأنا نعود إلى عصر الجاهلية الأولى، حيث الصراع بين القبائل العربية، وتذكرنا الظاهرة بحروب داحس والغبراء والبسوس، حينما كان الثأر بمفهومه الجاهلي لا يتقيد بحدود قتل القاتل، وإنما يتجاوزه إلى قتل الجماعة في مقابل الواحد، تكبراً وافتخاراً . ويدعي البعض في وقتنا الحاضر زوراً أن الثأر أشبه بالقصاص، وهو حق يراد به باطل، وليس سوى ستار لتبرير الفعل الشائن والبغيض، لأن القصاص شرع لولي الأمر وليس لأحد غيره، والمصيبة الأكبر عدم رضا البعض بأحكام القضاء وانتشار ظاهرة نقض الكثير من المصالحات الثأرية، ما يعد خيانة للمهدد بالثأر منه بعد أن اطمأن بالعفو من أصحاب الثأر .
يؤكد الخبراء أن السبب الرئيس وراء الظاهرة، هو الجهل والأمية والبعد عن الدين وضعف الإيمان والقبلية والتعصب، إضافة إلى وجود مستفيدين من استمرار الصراعات بين القبائل والعائلات، وفي مقدمتهم تجار السلاح الذين يجنون أرباحاً طائلة من تجارتهم بعد الترويج لشائعات حول شراء أحد الأطراف المتنازعة كمية من السلاح، وربما يعطون السلاح لعائلة مجاناً مقابل تعويض ثمن الصفقة من العائلة الأخرى . القضية غاية في الخطورة، وتحتاج إلى حلول غير تقليدية .
وفي التحقيق التالي نحاول الوقوف على بعض الحلول، من واقع رؤية بعض علماء الشريعة والمتخصصين .
توضح الدكتورة عزة البنا، أستاذة علم الاجتماع في جامعة الأزهر، أن الثأر نتيجة وليس سبباً، أي إنه نتيجة لاحقة لجريمة قتل سابقة وقعت من شخص على آخر لأي سبب من الأسباب، فتكون هذه الجريمة هي الباعث على رد الفعل من أولياء دم القتيل بأخذ الثأر بدافع الرغبة في الانتقام ولشفاء صدورهم، وغالباً ما تتم في حالة انفعال وسيطرة لمشاعر الغضب على الإنسان، فيغيب العقل وتنعدم القدرة على التفكير السليم، ومن هنا يكون الثأر عملية انتقامية عشوائية لا يؤخذ فيها اعتبار تحقيق العدالة بإيقاع العقوبة الشرعية والقانونية على الجاني، ولذلك فإن عملية الثأر قد تقع على شخص الجاني وقد تقع على غيره بأن يقتل ولي الدم أحد أقارب القاتل أو واحداً من عشيرته، كما أن الثأر قد يقتصر على قتل شخص واحد مقابل القتيل، وقد يتجاوز إلى قتل عدد أكبر كما هو الشائع في معظم قضايا الثأر اليوم . وهذه الصورة تعد امتداداً لثقافة الثأر التي سادت المجتمع الجاهلي وارتبطت بشخصية الإنسان العربي ونظامه القبلي القائم على العصبية والتفاخر بالكثرة والانتقام بأعلى قدر من الشدة والقسوة . وتضيف د . عزة: مع أن الإسلام دعا إلى تهذيب وإزالة الكثير من عادات وأعراف الجاهلية فإن ثقافة الثأر تظل أكثر قيم ثقافة الجاهلية حضوراً وتأثيراً في المجتمع العربي والإسلامي حتى يومنا هذا، وقد تستمر مستقبلاً إن لم نتصد لها بطرق عقلانية .
ضعف الوازع الديني
يرى الدكتور نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن الوازع الديني يمثل القاعدة الأساسية لسلامة البناء الاجتماعي والأخلاقي، وضعفه أهم أسباب انتشار الظاهرة، مؤكداً أن الحل يجب أن ينطلق أولاً من ضرورة العودة إلى الله سبحانه والاحتكام لشريعته، وأن نقر بمسؤوليتنا عن الممارسات والأعمال المخالفة لشرع الله، يقول الله تبارك وتعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي إن التغيير السلبي في أحوال المجتمع المسلم يرجع إلى أفراد المجتمع أنفسهم حينما يحصل التهاون عن القيام بالفرائض والواجبات وعدم اجتناب النواهي والمحرمات، فيكون التظالم وانتهاك الحقوق والمحرمات نتيجة متوقعة للابتعاد عن جادة الحق والصواب، مصداقاً لقوله تعالى: وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومن هنا يتضح لنا أن أهم الحلول الكفيلة بمعالجة ظاهرة الثأر هو العودة أولاً إلى التمسك بالدين والعمل بأحكامه والتحلّي بقيمه وآدابه، وهو أول الطريق إلى إصلاح النفوس وإزالة ما علق بها من تراكمات وأحقاد .
مفاهيم بالية
ويشير الدكتور سيد صبحي، أستاذ الصحة النفسية، إلى أن القاسم المشترك الذي يجمع حوادث الثأر كافة هو الدموية والتشدد والتباس مفاهيم الشرف بالدم، وعدم تغليب مبادئ العفو والتسامح بين البشر، ويكاد يقع أغلب من تنزلق أقدامهم في هوة الثأر أسرى لعادات اجتماعية ومفاهيم بالية تدفعهم دفعاً لسفك الدم، ويرجع ذلك إلى الضغوط النفسية التي تحاصر بها الجماعة الشخص المطلوب منه الثأر، والتي تصوره بالبطل الذي تم اختياره لمهمة مقدسة لغسل عار العائلة، وهذه الضغوط تفقد الشخص السيطرة على نفسه، بحيث لا ينتقم فقط، بل تكون لديه شحنة من الضغوط تجعله أكثر دموية فيفرغ عشرات الطلقات من الرصاص أثناء ثأره من المثؤور منه بالرغم من أن طلقة واحدة كافية لقتله .
أما الدكتور ماهر صبري، أستاذ المناهج وطرق التدريس السابق في جامعة بنها، فيرى ضرورة مراجعة المناهج التعليمية وتحديد ما يلزم تعديله أو إضافته من المواد التعليمية التي تساعد على تكوين شخصية الفرد وتهذيب نفسه وتحديد الشروط والمؤهلات المطلوبة في المعلم القادر على بناء الشخصية المتوازنة للطالب، وغرس قيم الخير والمحبة في نفسه، والاستعانة بالعدد اللازم من أساتذة الجامعات في مجال العلوم الاجتماعية والنفسية والقانونية، وغيرها من التخصصات ذات العلاقة بمثل هذه الظواهر الاجتماعية، لإعداد الدراسات العلمية التي تشخص أسبابها واقتراح المعالجات والحلول العلمية المناسبة .
إعلام محرض
ويطالب الدكتور محمد منير حجاب، أستاذ ورئيس قسم الإعلام في جامعة سوهاج، ببرامج إعلامية وتثقيفية تعمل على نشر الوعي في سلوك أفراد المجتمع، مشيراً إلى الدور المهم لمختلف وسائل الإعلام بما يساعد على إيجاد التوازن بين ما يتلقاه المستمع أو المشاهد من مواد إعلامية ضارة من خلال القنوات التي تبث الكثير من المواد المحرضة على الجريمة ووسائل تنفيذها والأساليب الاحتيالية في تضليل القضاء والإفلات من العقاب، وبين ما يحصل عليه من مواد محدودة سواء من حيث الكم أو الكيف عبر أجهزة الإعلام الوطنية .
وانتقد الدكتور حجاب بعض الأعمال الدرامية التي تنمي العنف من خلال تكريس أهمية امتلاك السلاح وربطه بقوة العائلة والقبيلة، حيث نرى بعض الأعمال تظهر أن امتلاك السلاح شيء عادي، كما أن هناك أعمالاً أخرى تتجاهل الإشارة إلى تطبيق قانون تنظيم حيازة السلاح وتنفيذ أحكامه على المخالفين .
القصاص في القتلى
ويؤكد الشيخ منصور الرفاعي عبيد، الوكيل الأول السابق لوزارة الأوقاف المصرية أن الإسلام بريء من هذه العادة الجاهلية وبريء من كل من يدعو إلى الثأر بزعم القصاص، مشيراً إلى أن الإسلام جاء فأخرجنا من ظلام الجاهلية إلى النور، ومن الوحشية والقسوة إلى الرأفة والرحمة والتآخي، ومن البدائية إلى المدنية والتحضر .
ويقول: عالج الإسلام ظاهرة الثأر والانتقام الجماعي بأن شرع القصاص في القتلى ،وهو المماثلة والمساواة في الفعل من الفاعل نفسه من دون أن يتجاوزه إلى غيره، حيث قال تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى، ثم قال تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء أي بأن يقبل الدية في القتل العمد، فاتباع بمعروف وأداء إليه بإحسان أي يتبع بالمعروف ويؤدي بالإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أي تخفيف مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي فمن قتل بعد قبوله الدية فله عذاب أليم .
ويضيف: شرع الله القصاص لما فيه من التسوية والمماثلة بين الجاني والمجني عليه وليشفي به صدور أولياء دم القتيل، ويمنع ما كان عليه المجتمع الجاهلي من اللجوء إلى الثأر والقتل الجماعي بين عشيرتي الجاني والمجني عليه، والذي كان يؤدي في أحيان كثيرة إلى إفناء قبيلة مقابل واحد، كما جعل الله في القصاص حياة للمجتمع فقال تعالى ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب، فمن علم أنه إذا ارتكب جريمة القتل العمد العدوان يكون مصيره القتل القصاص فإنه سيمتنع حتماً عن ارتكاب مثل هذه الجريمة .
ويذكرنا الشيخ منصور بما كان عليه الحال في الجاهلية، وبما أنعم الله علينا بالإسلام من التآخي في قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، مشيراً إلى أن أول طرق العلاج لظاهرة الثأر هو إحياء الدين في نفوس أفراد المجتمع المسلم، ذلك أن الدين هو الكفيل بتطهير القلوب وتهذيب النفوس وتقويم الاعوجاج واستبدال مشاعر العداء والانتقام بقيم المحبة والتآخي والتراحم .
الردع القانوني
ومع أن الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح، الأستاذ في جامعة الأزهر، يؤكد أهمية التدين والتربية في حل المشكلة، إلا أنه يرى أنه حينما تعجز أو لا تجدي وسائل التربية في إصلاح بعض النفوس وتهذيبها فإن الله قد يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن بما شرعه من عقوبات على الجرائم لزجر النفوس المتحجرة وردعها عن سلوك طريق الشر والإجرام، وبالتالي يكون من واجب ولي الأمر اتخاذ أقصى العقوبات بحق مرتكبي هذه الجرائم، مع سرعة اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة ضد تجار السلاح المؤججين لهذه الجريمة .
ويفند الدكتور أحمد محمود كريمة، الأستاذ في جامعة الأزهر، ما يزعمه مرتكبو هذه الجريمة من أن الثأر هو القصاص العادل، كما يأمر الشرع قائلاً: الإسلام وضع قاعدة للقضاء على عادة الأخذ بالثأر السيئة حيث جاء في كتاب الله العزيز قوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص، مؤكداً أن تنفيذ القصاص منوط بالحاكم دون غيره، ولذا فإنه لا يجوز الافتئات عليه في هذا الشأن، لأنه يستطيع أن يقيس ويوازن، سواء في الجروح أو الأنفس بعد أن يتأكد له القتل العمد من عدمه، حتى لا يترك الفرصة للطرف الآخر كي يفعل ذلك أو أكثر منه .