إذا كنّا في المقالة السابقة، قد تناولنا وضع المرآة في العالم الأسطوري؛ فإننا اليوم سنتناول علاقة الذات بالمرآة وارتباطهما بالثقافة والهُويّة معاً. وبما أننا سنتوغل في هذه المتاهة الفلسفية، فليعذرني القارئ العزيز، إن طلبت منه أن يتمهل قليلاً في القراءة بقصد الفائدة. فكيف إذاً تتخلق علاقة الصورة المرآوية بالذات؟ وما هو الفرق بين الحلم والحقيقة؟ وماذا يكون وضع الثقافة والهُويّة، عندما تغيب جدلية الذات والمرآة وطنياً بالأخص؟

(1)

فإذا قلنا بدءاً بأن الصورة في المرآة، هي جسد برزخي كالصورة التي يراها النائم، كما يقول ابن عربي؛ فإنه يقارب بعبارته هذه، بين الحلم والحياة أو بين الحقيقة والحلم. بينما في المقابل، نجد الفيلسوف الألماني شوبنهور، وفي معرض جدله مع مواطنه كانط حول موضوعة الحياة والحلم نفسها، فقد كان يؤكد على أن لدينا حلمين: أحدهما طويل وهو الحياة، والآخر قصير وهو حلم الوسن. ولكن ما جاد به سيغموند فرويد، بعد ذلك، في كشوفاته حول مسألة الشعور واللاشعور في التحليل النفسي؛ قد أبطل معيارية الحلم الطويل والقصير هذه التي قال بها شوبنهور، ليؤكد بدوره على أنه لا يوجد حلم طويل أو قصير، لأن الواحد منهما في الواقع هو استمرار للآخر، وما الوعي إلا مظهر عرضي زائل لا يفرق بين هذين النوعين من الحلم (عبد الرحمن بدوي، شوبنهور، ص:76). لهذا، فإن كلّ شيء في الوجود هو حلم، وأن الحقيقة والحلم سيان.

الفكر المرآوي إذاً بهذا المعنى الفلسفي، تتعين وظيفته في قدرته على إظهار هذه الصورة البرزخيّة الحالمة والهاربة والمكبوتة في اللاشعور، وجعلها منعكسة ومتحققة الحضور في الشعور والوجدان. فالصورة الحلمية أو البرزخية الطالعة من الأغوار، الضائعة والمشتتة في متاهات النفس، تجد حضورها منعكساً ومنطبعاً على سطح الشعور. وذلك لا بوصفها صورة برزخيّة فحسب؛ بل بما هي هالة مشعة منطلقة من أقاليم العقل والنفس، ومتجمعة كصورة في مرآة حقيقية تعكس شخصية الشخص أو هُويته الفردية أو الجماعية. هذه التجميعية الصورية التي تقوم بها المرآة، تماماً مثلما تعكس اللّغة وجه الشيء وقفاه، عبر الدال والمدلول أو التشبيه والاستعارة، تجعل من جرح النَفْس واضطرابه حاضراً في الخارج، وبادياً للعيان ك حقيقة صوريّة متحركة وقابلة للإدراك وللزوال أيضاً. وذلك عبر اتصال الوعي الفردي والجمعي، بالصور اللفظية والعلامات الحدسية الموجودة قبل الشعور. وذلك يعود إلى أن الحقيقة الصوريّة، أو الصوريّ المحض الذي من دون واقع، والذي هو من كوائن العقل أو التجريد الخاوي، ليست سوى مضمون الصورة نفسها. وعليه، وكما يؤكد هيغل؛ فإن مضمون الصورة لا يكون في تناقض مع الصورة، ولا يكون البتّة منفصلاً عنها، بل هو بالجوهر هي نفسُها؛ لأن هذه ليست سوى الكليّ المنفصل في لحظاته الخالصة فنومينولوجيا الرّوح، ت: ناجي العونلّي، ،2006 ص:363. بيد أن الحقيقة الصوريّة التي تبرز على سطح المرآة، أو الصورة البرزخية الحالمة بمعناها الثقافي أو الجمالي أو النفساني أو العرفاني/ الصوفي، لا يمكن اعتبارها ثابتة أو مستقرة في مكانها، بل هي بالأحرى متغيرة وزائلة على الدوام. لأن الفكر الجدلي متحرك وغير ثابت، وأن دورة الحضارات والثقافات هي كذلك أيضاً.

(2)

إذن، وعبر هذا الطرح؛ نفهم أن ثلاثي التمرئي: الصورة البرزخيّة، الحالمة، والتفكير، والمرآة، يتراصفون على خطٍ واحدٍ، في تشكيل الحقيقة الصوريّة أو استنباط مضمون الصورة التي تنعكس في العالم المرآوي ذاتياً. أي بعبارة أكثر وضوحاً، إن هذه العملية التراصفية بين صورة وتفكير ومرآة، تنطلق أساساً من ذات فردية أصيلة، تفتش عبر العالم المرآوي عن حقيقة ذاتها في ذاتها وفي الوجود الظاهراتي خارجها.

من هنا يمكن القول: بأنه لا شيء يظل ثابتاً في المرآة؛ لأن قانون التغير الهيرقليطي هو الذي يحكم طبيعتها، فهي مثل نهرٍ جارٍ أو سماء تتلبد وتصفو أو تنخسف؛ كما أنها ممسوسة بالنظافة إلى حد الاقتراب من الوسوسة، فحين تغبر المرآة وتتراكم فوقها الأتربة والأغبرة، أو حين تظلم وتعتمي أو تغطّى بحجاب، أو حين تكثر جروحها وتنكسر؛ فإن ما يحذف منها هو قانون التغير والنظافة والوعي بالذات؛ بحيث لا يعد لوجودها ذاته أي معنى. إنها تصدأ وتتآكل وتنتهي صلاحيتها، فالمرآة وجدت أصلاً لكي تكون نظيفة دائماً، حتّى ينعكس فيها وبها قانون التغير البراق والحراك الأبدي للوجود والكائن. إن المرآة ولكي تصبح علة الطاقة المولدة للتفكير بهوية الذات والجماعة؛ فإنه لابد للجميع من تنظيف مرآتهم الفاعلة باستمرار وبشكل يومي ومخلص، والاعتناء بها كصيرورة تاريخية وليس كحادث عابر وآني للمظاهر، لهذا فمن لا ينظف مرآته الداخلية والخارجية، مثلما يغسل عيونه بالماء في كلّ صباح، فهو يحكم على ذاته وهويته وشخصيته وعلى مجتمعه بالعماء والاتساخ والقذارة.

(4)

وعليه فإننا لن نستغرب أبداً حين نعلم؛ أن الشر يأتي إلى العالم، كما يقول بول ريكور، من جراء عدم تطابق الإنسان مع ذاته، على مختلف مستويات المعرفة والفعل والعاطفة. وهذا التطابق بين الإنسان وذاته، في رأيي، لن يحدث ولن يتسنّى له الظهور أبداً في حال غياب مرآة الذات نفسها، .على المستويين: الشخصي والعام، فبالمرآة، ندرك هُويتنا الشخصية ونسبر وجودنا وأفعالنا وأفعال غيرنا؛ كما بإمكاننا أن نميز بينها وهي تنحاز وننحاز معها نحو الخير أو الشّر في هذا العالم.

إن إنساناً بلا مرآة أو بمرآة متسخة، كما نؤكد هنا، هو أعمى يمشي مختالاً في طريق السيارات السريع، ومصيره في هذه الحالة يكون معروفاً سلفاً، وإن مجتمعاً بلا مرآة أو بمرآة مكسورة أو زائفة، هو مجتمع غريق يسوده الفساد والفوضى والجهل مهما حاول نكران ذلك، لأن العيش بلا مرآة معتنى بها نظيفة وحرة وليست مغشوشة أو مقيدة، يجعلنا لا نرى أزماتنا وكوارثنا وذواتنا وتحوّلات مجتمعنا، ولا يمنحنا القدرة على التفكير السليم ورؤية الطريق المفضية إلى حقيقة عالمنا، وانتشاله من هذه الأوحال الآسنة التي تغرق الإنسان في مستنقعاتها يومياً، كما يجعلنا نتحول في المقابل، إلى وحوش مضطربة تشبه وحش دافنتشي المخيف والمرعب؛ بحيث نظل ندور في مدار التناهش، والضياع، واليأس، والإثم، والفراغ، والعدوانية، والرغبة الحيوانية، والتسلط، والتفاهة، والألم، والكسل، والنفاق، والتواكل، والتحاسد، والتباغض، والغرور، وعبادة الباطل والعابر والزائل، بينما وفي كلّ خطوة لنا في هذا الطريق الكارثي، نراكم من حولنا تلالاً من الأفعال المشينة والقاتلة والمؤذية، ومن دون أن نلتفت حتّى إلى ما خربناه وحطمناه في طريقنا.

إن وجود المرآة النظيفة أو العين الصافية إذاً، بما هو وجود أنطولوجي ينتمي لعالم الفكر والثقافة في الأصل؛ فإنه يكافح هذه الفوضى والآفات السرطانيّة ويدلنا إلى معرفة الذات والهُويّة الثقافية على حقيقتها؛ فيما يجعلنا نرتقي بوعينا وفكرنا وآدميتنا ويعطي لحياتنا معنى. لهذه الأسباب وغيرها نقول: اعرف مرآتكَ تبصر ذاتك! لأن معرفة النفس في الأصل، لا تستقيم من دون مرآة تعكس الداخل والخارج أو الذات والوجود، وهذا ما يؤكده سقراط نفسه، في بعض محاوراته الأفلاطونية، لذا فحين لا توجد هذه المرآة أو تتحطم وتغيب؛ فإن معرفة كلّ هذه الأشياء ينتفي وجودها وتتشوش وتغيب هي الأخرى.

(5)

المرآة البرزخية في علاقتها بالذات إذاً، لا تشبه الصورة الفوتوغرافية ولا اللّوحة التشكيلية ولا حتّى ورقة الكتابة البيضاء التي نطبع فوقها نصوصنا، لأن هذه الفضاءات هي بشكل من الأشكال تعتبر مرايا فعلاً؛ لكنها - في حالتها الطبيعية تظل ثابتة في مكانها ولا تتغير مع مرور الزمن، وكذلك لا تشبه الشاشة التلفزيونية أو الحاسوبية؛ لأنها شاشات تخضع لأنظمة تقنية موجهة ومتحكم بها عن بُعد، فهي أولاً؛ لا تصدر عن ذات مركزية ولا عن مرجعية معينة أو عن مؤلف واحد، بل إن فوضى الأقطاب المتخفية والمتداخلة شبكاتيّاً والمتعارضة فيما بينها، هو ما يشكل كلية الحضور الإلكتروني لديها، وهي ثانياً؛ تلغي إحساسنا بالزّمن الواقعي لتلحقنا بزمنها الرقمي المتخيّل والمصنوع صناعة؛ حيث تذوب المسافة بين حياتنا كخارج بالنسبة للشاشة، كما يوضح جان بودريار في كتابه الفكر الجذري: أطروحة موت الواقع، والشاشة كخارج بالنسبة لحياتنا. حينها، تأخذ حياتنا البنية الداخلية للشاشة نفسها. أي باختصار، تتحوّل حياتنا إلى فضاء رقمي وهي ثالثاً؛ بتحويل حياتنا إلى فضاء رقمي؛ فإنها تسحق الذات داخل الفضاء اللامادي للشاشة؛ فيما يعم الاضطراب كلّ ما هو شخصي وينهار البناء المكون للهُوية وللثقافة وللذات معاً. وهذا بالضبط، هو مكمن الخطر والتهديد الأكبر للهُويّة الثقافية للأفراد وللمجتمع ككل، بمعناه الفلسفي.

بينما المرآة البرزخية في المقابل، هي أقرب ما تكون في حركيتها من بؤبؤ العين، الذي تتوالى عبره مشاهد الحلم بصورة لا تخضع لأيّة عملية مونتاج أو قطع أو حذف من أي نوع، فالمرآة أساساً، المرآة التي نقصد، تكون متصلة ببنية الذات مباشرة وملتصقة بمادتها أو موضوعها؛ كما أنها تصدر من ذات مركزية تعود لهوية الشخص أو الجماعة، وتتعامل مع نفسها ومع الآخر، فالذات تخرج من بنيتها اللّحمية، لتصطدم بسطح المرآة وتطبع صورتها البرزخيّة عليها؛ ثمّ ترتد هذه الصورة بحمولاتها الدلالية إلى الذات نفسها مباشرة، في نسق جدلي اختلافي سيال ودائم ومتغير، يشبه وجود الذات كعدو لنفسها، أي أن هذه الذات، تنظر من خلال المرآة لنفسها بوصفها آخر، أو آخر يتجادل مع حقيقة موضوعه، في تناظراتِ ذاتٍ مزدوجةٍ واحدةٍ تنشد الخلاص والحقيقة.

(6)

إن ثنائية الحضور والغياب للصور البرزخيّة في المرآة، هي شبيهة بحضور الصور والرموز والإشارات وغيابها في العين البشرية نفسها، فحين ينظر شخص ما في مرآة، فهو في الحقيقة يكون أمام مرآتين متقابلتين في الوقت نفسه: مرآة الجسد المتعين كأصل للفردانيّة في الأساس، والمرآة البرانيّة التي هي امتداد حركي لهذا الجسد الذي تنعكس على أعضائه، المشاهد الصوريّة للأشياء والكائنات ويتفاعل بها ومعها، بينما يتوسط بينهما في تلك اللّحظة، العين المبصرة الفاحصة والمستقبلة، التي ترى ما في الداخل وما في الخارج في آن واحد.

والعين أيضاً بدورها، بما هي توسط داخلي وخارجي، أو بين ذات وآخر أو بين ذات وموضوع؛ فإنها تمضي في توسطها الجسدي بين العقل والذاكرة والحواس والأشياء في اللّحظة ذاتها، أي أن العين التي هي الوسيط البرزخي أو المختبر المرآوي لمرور أحلامنا وإبصاراتنا، تتعيّن باعتبارها مرآة مزدوجة من الجانبين، تعكس أشعة الوجود إلى داخل أقاليم الجسد؛ بحيث تتحوّل هذه الأشعة المجردة إلى صور يتم ترجمتها رمزياً إلى معانٍ ودلالات وأفعال، فالجسد بوصفه أصل الفردانيّة ومكمن الذات، من المهد إلى اللّحد، هو الذي يستقبل هذه الأشعة المتسربة من قنوات البصر والبصيرة، ويحيلها بدوره إلى مادة للتفكير والتذكر والتخيل والإدراك، أي يحيلها إلى فكر وعمل.

(7)

ولكن هذه المادة المدركة، وفي نوع من إعادة الإنتاج، تتسرب إلى الخارج عن طريق وسائط لغوية: استعارة، حكاية، سرد، صورة، إشارة، رمز، صوت، إيقاع، وما إلى ذلك، فعملية الوعي بالذات إذاً، تمرّ بهذا الأوتستراد البرزخي الذي نتبينه من خلال هذا التوسط الفاعل للعين الخلاّقة، العين المدربة، التي تتمظهر عبرها معرفتنا بالذات وبالوجود، بحيث يصبح العالَم من امتثالي، كما يعبر شوبنهور بمقولته الشهيرة، لهذا وفي الحالتين، ومن دون مفاضلة تذكر، تستدعي الصورة البرزخيّة أصلها؛ أي تستدعي ذاتها التي تنعكس صورتها في المرآة.

المرآة إذاً، هي الجِرْم أو الفضاء الذي يشاهد فيه الشخص صورة ذاته، في لحظة من اللّحظات، ويفهم من خلالها حركة فكره المنطبعة أمامه في المرآة. إنها المعبر البرزخي من الذات إلى الآخر في تحوّلها وتبدلها، سواء كان هذا المعبر فردياً أو جماعياً، شخصياً أو لا شخصياً. إن عملية العبور أو الارتحال الخفية هذه، هي في الأساس عملية انتقال وتبادل أدوار، تتم بين الذات النفسانية للشخص نفسه، وبين الذات الفيزيائية التي تنطبع في المرآة وتواصل عبورها البرزخي إلى ما لا نهاية، لذا فإن ما يجمع بين هاتين الذاتيتين: النفسانية والفيزيائية، هو ذلك الطريق السري الذي تتحقق فيه علامة العبور البرزخي؛ بحيث تصبح الذات عينها كآخر، كما عبر بول ريكور فعلاً.

ولكن هذا الآخر، لا يعني بالضرورة الصورة البرزخيّة للشخص نفسه فحسب، بل تعني كذلك كلّ آخر نتعامل معه، ونحتك أو نرتبط به، ونراه أو نسمع عنه، قَرُب عنّا أو بَعُد، ويمكن لصورته أن تنطبع في مرآتنا الشخصية أو العامة. إن هذا الفهم العميق للذات وللآخر، هو ما يشكل الهُوية الإنسانية، ويجعل من الثقافة معبراً برزخياً حقيقياً لإدراك ذواتنا وذوات غيرنا، ويخلق عملية التواصل والتبادل مع العالم برمته.

الثقافة بهذا المعنى المرآوي إذاً، هي أيضاً مرآة مجتمعية وكونية هائلة، تتحقق من خلال معبرها البرزخي هُوية الذات الفردية وهُوية الذات الجماعية معاً، وبما أن الثقافة في الجوهر، هي زمن ومكان وذات وهُوية وفعل ورد فعل ولغة ودلالة ووعي، فهي أيضاً ليست سوى التيقظ والإبقاء على المعنى مستيقظاً، كما يقول تومادو كونانك، ولكن حين تتشوه وتتصارع وتتسخ هذه المرآة بألف لطخة ولطخة؛ فإنه لا شيء ممّا قلناه سيحدث، بل ستختفي الذات والهُويّة والنظافة واليقظة والمعنى والمرآة، وستتحوّل الثقافة في أفضل حالاتها إلى خيانة، أو فضيحة، أو ضحية تاريخية مهدورة الدّم بيد أصحابها.

هذا التموضع المرآوي المعطوب الوجهة للثقافة، أو حادث التزييف والتجمد والاستغباء في النسق المجتمعي، هو ما أسميه بالهُويّة المعاقة قسراً، والتي بسببها تختفي المرآة السليمة والنظيفة والحرة للثقافة، ويتكاثر البغاث والطحالب الرديئة عليها، كما نشاهد ونلمس اليوم.

[email protected]