يعد الكلام أحد أشكال التواصل بين الأشخاص، والذي يستطيع من خلاله التعبير عما يشعر به وتحديد احتياجاته.

ويصاب البعض بفقد القدرة على الكلام، أو ما يعرف بالحبسة الكلامية، وهو اضطراب يحدث بسبب الإصابة بالسكتة الدماغية، أو أحد أورام المخ، أو بسبب ضرر يؤثر بالسلب في عملية معالجة اللغة.

يمكن أن يحدث هذا الاضطراب بصورة تدريجية، بسبب ورم بطيء ينمو في المخ، أو أحد الأمراض التي تسبب تلفاً دائماً.

وتنقسم الحبسة وفقاً لمدى الضرر الذي يصيب مناطق الدماغ التي تسيطر على اللغة، وهي بحسب ذلك صعوبة التعبير من خلال الكلام أو الكتابة، وصعوبة فهم الكلام المنطوق أو المكتوب.

ويجد المصاب صعوبة في أن يستخدم الأسماء الصحيحة والأماكن والأحداث، كما أنه يفقد بشكل كامل الوظائف اللغوية، مع ضعف المقدرة على نطق أو فهم الكلام.

ويعتمد علاج الحبسة الكلامية على تعليم النطق واللغة، فيتعلم المصاب الكلام ويمارس المهارات اللغوية، مع تعلم استخدام طرق أخرى للتواصل، ومع كل ذلك يعالج السبب وراء هذا الاضطراب.

ونتناول في هذا الموضوع مشكلة الحبسة الكلامية بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها، وكذلك أعراضها التي تظهر، وطرق الوقاية والعلاج الممكنة والحديثة.

النصف الأيسر

يتحكم نصف الدماغ الأيسر في الوظيفة اللغوية، وذلك لدى جميع من يستخدمون اليد اليمنى، وحوالى ثلثي من يستخدمون اليد اليسرى، ويجري التحكم في معظم وظائف اللغة عبر نصف الدماغ الأيمن، لدى الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى.

وتشمل مناطق الدماغ التي تتحكم في وظيفة اللغة جزءاً من الفص الجبهي الأيسر، والذي يعرف بمنطقة بروكا، وجزءاً من الفص الصدغي الأيسر، ويعرف بمنطقة فيرنيكه.

وتتضمن كذلك مناطق التحكم الجزء السفلي الخلفي للفص الجداري الأيسر، وهو بجوار منطقة فيرنيكه، وأخيراً الروابط بين المناطق الثلاثة التي ذكرناها سابقاً.

ويكون الضرر الذي يصيب أي جزء من المناطق الثلاثة، إضافة إلى الروابط، متداخلاً مع بعض جوانب وظيفة اللغة، كما أن تأثر الكتابة والكلام في الأغلب يكون متماثلاً.

السكتة الدماغية

ترجع الإصابة بالحبسة الكلامية إلى إصابة إحدى مناطق الدماغ المتحكمة في اللغة بتلف أو أكثر، والذي يحدث نتيجة انقطاع إمداد الدم عن هذه المناطق مؤدياً إلى فقد المقدرة على الكلام.

وتموت خلايا هذه المناطق بسبب نقص الأكسجين والمواد المغذية، والتي تتحصل عليها من خلال إمدادات الدم الواصل إليها.

وتعتبر أبرز أسباب الحبسة الكلامية، الإصابة بالسكتة الدماغية، وهي من أكثر أسباب حدوث الحبسة، وتتراوح نسبتها ما بين 25% إلى 40% من المصابين بالسكتة.

الأورام والخرف

تشمل أسباب الحبسة أيضاً الإصابة بأحد أورام المخ، والتعرض لإنتان في الجهاز العصبي، والإصابة بالخرف وأمراض الدماغ التنكسية، ورضوض الرأس، ويصاحب فقد القدرة على الكلام في هذه الحالات مشاكل إدراكية أخرى كاضطراب الذاكرة.

ويمكن أن يصاب الشخص في بعض الأحيان بنوبات مؤقتة من فقد المقدرة على الكلام، والتي ربما كان بسبب الصداع النصفي، أو نوبات تشنجية أو نوبة إقفارية غير دائمة.

وتحدث هذه النوبات الإقفارية لو منع الدم عن الوصول إلى جزء من الدماغ بشكل مؤقت، غير أن احتمال الإصابة بسكتة دماغية مستقبلاً بالنسبة لمن تعرضوا لهذه النوبات تكون كبيرة.

نوعان رئيسيان

توجد عدة أنواع للحبسة الكلامية، ويعتبر أبرز نوعين رئيسيين لها الاستقبالية والتعبيرية، ويواجه المصابون صعوبة في فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة إذا أصاب الضرر منطقة فيرنيكه، ولذلك يطلق على هذا النوع حبسة فيرنيكه.

ويتحدث المصاب بطلاقة وغالباً بإيقاع طبيعي، غير أن الجمل تكون مثل سلسلة من الكلمات المشوشة والمختلطة، وهي الحالة التي تعرف بخلطة الكلمات.

ويمكن ألا يدرك المصاب أنه يتكلم كلاماً فارغاً، ويعجز أيضاً أغلب المصابين، عن قراءة الكلمات، وعلى الرغم من ذلك، فإنهم يكتبون كما يتحدثون بطلاقة إلا أنه من غير فهم.

ويمكن لو تضررت منطقة بروكا ألا يفهم المرضى معنى الكلمات في الأغلب، ولا يعرفون كيف يجيبون، غير أن إيجاد كلمات مناسبة يكون أمراً صعباً، وتخرج بشكل غريب وبطء وجهد ضخم، وأحياناً يفصل بينها شتائم، إلا أن ما يقولونه يمثل معنى لديهم.

ويفقد المصاب إيقاعاً ونبرة الكلام الطبيعيين، ومن الممكن أن يعاني صعوبة في تكرار العبارات، وأيضاً يعجز أغلب المصابين عن كتابة الكلمات.

حبسة التسمية

وتشمل كذلك أنواع الحبسة الكلامية، فقدان المصاب المقدرة على فهم الكلمات المكتوبة، أو تذكر أو قول أسماء الأشياء، وهو ما يعرف بحبسة التسمية، فلا يتذكر المصاب الكلمة الصحيحة بصورة مطلقة، وعلى الرغم من أن الكلمة تكون في ذهن البعض، إلا أنه لا يتمكن من قولها.

ويكون المصابون بحبسة التسمية أكثر ميلاً للحديث بشكل طلق، ولكن باستخدام عبارات لا معنى لها، أو يتحدثون بشكل غير مباشر.

ويتعذر على المصاب أن يكرر كلمات أو عبارات أو جملاً، وهو ما يعرف بالحبسة التوصيلية، وفي الأغلب فإنه يستعمل كلمة غير صحيحة أو توليفات من الكلمات بدون معنى.

ويعد من ضمن أنواع الحبسة الكلامية الحبسة الشاملة، والتي يفقد فيها المصاب مقدرته على فهم اللغة أو التحدث أو الكتابة بها.

ويؤدي لهذا النوع إصابة الفصين الصدغي والجبهي بالضرر، ويشمل ذلك منطقتي فيرنيكه وبروكا، وعلى الرغم من ذلك فمن الممكن أن يتلفظ المصاب ببعض الكلام السوقي، لأن الجانب الأيمن من الدماغ، وهو المشارك في الانفعالات بصورة كبيرة، لم يتضرر.

مشكلة خطرة

تعد الحبسة الكلامية دليلاً على الإصابة بمشكلة مرضية خطرة، كأحد أورام المخ أو السكتة الدماغية، وفي الأغلب فإن المصاب بفقدان القدرة على الكلام تظهر عليه بعض الأعراض.

وتشمل التحدث بجمل قصيرة أو غير مكتملة، كما يمكن أن يتحدث بجمل ليس لها معنى، أو يستبدل كلمة بأخرى أوبصوت آخر.

وينطق المصاب كلمات من الصعب أن نميزها، كما أنه لا يفهم محادثة الآخرين، ويكتب جملاً بدون معنى، ويجب الانتباه إلى أن شدة المشكلة التي تتسبب بهذه الحالة ترجع إلى حجم الضرر والمنطقة المتأثرة في الدماغ.

وينصح عند ظهور أعراض كصعوبة الكلام أو فهمه، أو وجود صعوبة في تذكر الكلمة، أو مشكلات في القراءة والكتابة بالحصول على استشارة طبية.

وترتبط المضاعفات المترتبة على الحبسة الكلامية بالتأثير في نوعية حياة المصاب؛ حيث تسبب ضعفاً في تواصله مع الآخرين، وبالتالي فربما تأثر أداؤه لمهامه اليومية.

وتتأثر كذلك علاقاته الاجتماعية وأداؤه الوظيفي أو المهني، ومن الممكن أن تؤدي هذه الحالة إلى الإحراج والإصابة بالاكتئاب في بعض الأحيان.

أنواع متعددة

يعاني من يتعرضون للحبسة الكلامية للإصابة بأكثر من نوع، ومن الممكن أن يكون أحد الأنواع أشد من الآخر، وربما اقتصرت الإصابة لدى البعض على نوع واحد.

ويتسبب التداخل الكبير بين هذه الأنواع بأن يقتصر الأطباء على وصف المشاكل النوعية للحالة، مع تحديد نوع الحسبة.

ويستطيع الطبيب تحديد النوع عبر حديثه مع المصاب، وطرح بعض الأسئلة عليه، ويحتاج مع ذلك إلى استبعاد أي مشاكل في السمع أو النظر، كذلك بالنسبة للعضلات أو الأعصاب المؤثرة في الحديث أو الكتابة.

ويجري الطبيب اختبارات عصبية نفسية للمصاب عن طريق مختص أعصاب، وأخصائي تخاطب، وذلك للمساعدة في تحديد الحبسة المسببة للأعراض البسيطة فقط.

وتشمل إجراءات تشخيص الإصابة اختبارات التصوير، حتى يتعرف الطبيب إلى الضرر الذي أصاب الدماغ مسبباً الحبسة، وتتضمن هذه الاختبارات التصوير بالرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية.

الأطفال أكثر تحسناً

يتأثر شفاء المصاب بالحبسة الكلامية بسبب الضرر وحجمه والموضع المصاب، كما تتأثر درجة اضطراب اللغة، والاستجابة للعلاج، وأخيراً عمر المصاب وصحته العامة ودرجة ثقافته، ويسترد المصاب مهاراته اللغوية دون علاج في حالة كان تلف الدماغ بسيطاً.

ويلاحظ أن الأطفال الأقل من 8 سنوات يستعيدون مقدرتهم على استخدام اللغة، حتى على الرغم من تعرض الدماغ لأضرار بالغة.

ويتعافى المصابون الأكبر من 8 سنوات خلال 3 أشهر من الإصابة، ويستمر التحسن إلى حد ما في مدة ربما تصل إلى عام.

وينصح ببدء العلاج بشكل سريع حتى يكون فعالاً، وذلك بحسب بعض الدراسات، كما أن العلاج يكون أكثر فاعلية عبر المجموعات.

ويمكن للمصابين تجربة مهارات التواصل في بيئة آمنة، كما يمكن التدرب على بدء المحادثات، وتوضيح سوء الفهم وإصلاح المحادثات المعطلة بالكامل.

ويعد الحاسب الآلي مساعداً بصورة كبيرة في استعادة تعلم الأفعال وأصوات الكلمات، أو ما يعرف بالمقاطع الصوتية ليتميز النطق.

نصائح للمصاب

ينصح الباحثون الأشخاص الذين يعانون الحبسة الكلامية بحمل بطاقة؛ لشرح طبيعة الحالة التي يعانيها، مع حمل بطاقة معلومات أخرى حول طرق التواصل مع المقربين منه.

ويمكن استخدام بعض الطرق المختصرة؛ ومنها: الصور والرسوم والمخططات، مع استخدام الإيماءات، والإشارة إلى الأشياء. وتوجد بعض النصائح الأخرى الخاصة بأفراد الأسرة والأصدقاء؛ من أجل التواصل مع المصاب بهذا الاضطراب، كأن يبسط عباراته، ويكون حديثه بوتيرة بطيئة، مع الإبقاء على المحادثات بشكل فردي في البداية.

وينبغي عدم مقاطعته أو تصحيح أخطائه، وتركه يعبر بالطريقة التي يفضلها، مع تقليل الضوضاء من حوله، ويساعد المصاب بإنشاء كتاب من الصور والكتابات، والتي تساعد في إجراء المحادثات.