هو الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وكان أبوه مولى جميل بن قطبة وهو من سبي «ميسان»، من أصل عربي، سكن المدينة وأعتِق وتزوج بها «خيرة» وهي مولاة لأم سلمة أم المؤمنين كانت تخدمها، وربما أرسلتها في الحاجة فتنشغل عن ولدها الحسن وهو رضيع فتشاغله أم سلمة رضي الله عنها وتحنو عليه، فنشأ في بيئة مباركة.
تربى الحسن في المدينة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وعاش بين كبارهم وتعلم منهم، وكان لهم أثر كبير في تربيته وكانت أمه تخرجه وهو بعد صغير إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من يدعو له الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: «اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس».
كان الحسن البصري أشهر علماء عصره، وقال عنه الإمام الغزالي: «كان الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء وأقربهم هدياً من الصحابة، وكان غايةً في الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه».
كان رحمه الله صواماً قواماً، يصوم الأيام البيض، والأشهر الحرم، والاثنين والخميس، جاءه شاب فقال: أعياني قيام الليل، يشكو إليه أنه حاول قيام الليل فلم يستطعه، فقال: «قيدتك خطاياك»، وجاءه آخر فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح عليَّ من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء، فقال له الحسن: هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال: «كفاك أن حرمك الله مناجاته»، وروى الطبراني عنه أنه قال: «إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة».
وكان الحسن البصري إلى جانب ورعه شجاعاً زاهداً، فيما عند الملوك فرغبوا فيه، واستغنى عن الناس وما في أيديهم فأحبوه، وكان ناصحاً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
تجنب الفتنة
عاش الحسن الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان يرفض سفك الدماء، ولم يخرج مع أي ثورة مسلحة، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، ولما كانت فتنة ابن الأشعث الذي قاتل الحجاج بن يوسف انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائهم فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة وفعل وفعل؟ فقال الحسن: «أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين»، فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟! (يعنون: الأعجمي) وهم قوم عرب، وخرجوا مع ابن الأشعث، فقتلوا جميعاً.
ولم يكن موقفه من الفتن يصدر عن تخاذل ولا خوف من سلطان الحاكم، فقد كان يخاف مخاطر الفتن وما ينتج عنها من مضار جسيمة بالأمة، وقد كانت له مواقف مشهودة، كتب إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز: انصحني فكتب إليه: «إن الذي يصحبك لا ينصحك، والذي ينصحك لا يصحبك».
نصيحة للوالي
ويروى أنه لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، دعا ابن هبيرة كلاً من: الحسن البصري، وعامر بن شرحبيل المعروف بالشعبي، ومحمد بن سيرين وقال لهم: إن أمير المؤمنين قد استخلفه الله على عباده، وأوجب طاعته على الناس. وقد ولاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاني فارس. وهو يرسل إلي أحياناً كتباً، يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدون لي في متابعتي إياه وإنفاذ أوامره مخرجاً في الدين؟، فأجاب الشعبي: أنت مأمور، والتبِعة على من أمرك، فالتفت ابن هبيرة إلى الحسن وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: «يا ابن هبيرة، خفِ الله في يزيد، ولا تخفْ يزيد في الله، واعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزلَ بك ملك غليظ شديد، لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد. يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى، وفي طاعته، يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى، فإن الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل»، فأخرج عطاءهم وفضل الحسن بالعطاء.
الحسن وابن سيرين
وحدث أن هجر الحسن البصري صاحبه محمد بن سيرين فترة، فكان إذا ذكر ابن سيرين عند الحسن يقول: دعونا من ذكر «الحاكة»، (يشير إلى أن بعض أهل ابن سيرين كان حائكاً)، ثم حدث أن رأى الحسن في منامه كأنه عريان، وهو قائم على مزبلة يضرب بالعود، فأصبح مهموماً برؤياه، فقال لبعض أصحابه: امض إلى ابن سيرين، فقص عليه رؤياي على أنك أنت رأيتها، فدخل على ابن سيرين وذكر له الرؤيا فقال ابن سيرين: قل لمن رأى هذه الرؤيا، لا تسأل «الحاكة» عن مثل هذا، فأخبر الرجل الحسن بمقالته، فعظم لديه، وقال: قوموا بنا إليه، فلما رآه ابن سيرين، قام إليه وتصافحا، وسلم كل واحد منهما على صاحبه، وجلسا يتعاتبان، فقال الحسن: دعنا من هذا، فقد شغلت الرؤيا قلبي، فقال ابن سيرين: لا تشغل قلبك، فإن العري عري من الدنيا، ليس عليك منها علقة، وأما المزبلة فهي الدنيا، وقد انكشفت لك أحوالها، فأنت تراها كما هي في ذاتها، وأما ضربك بالعود، فإنه الحكمة التي تتكلم بها وينتفع بها الناس، فقال له الحسن: فمن أين لك أني أنا رأيت هذه الرؤيا؟ قال ابن سيرين: لما قصها علي فكرت، فلم أر أحداً يصلح أن يكون رآها غيرك.
وقبيل وفاته قال رجل لابن سيرين: رأيت كأن طائراً آخذاً الحسن حصاه في المسجد، فقال ابن سيرين: «إن صدقت رؤياك مات الحسن»، قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى مات الحسن البصري، وكانت وفاته ليلة الجمعة، في أول رجب سنة عشر ومئة للهجرة، وقد عاش ثماني وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، وظل مرقده في البصرة.