تحقيق: نهلة الفقي

للطبيعة قوانينها التي نرضخ أمام سطوتها، ولعل من أعتى أوجه هذه السطوة مضيها في تسجيل ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة، بما لذلك من تأثير في كفاءة أعضاء الجسم الموضوعة في تحدي الحر المستفحل.
امتحان الحر المتغول يفقد الجسم كثيراً من سوائله المرطبة، ويخلف الشعور بالكسل والخمول والإرهاق ونوبات من الصداع والغثيان والجفاف، في حال عدم تحصينه بجدار واق من السوائل المعززة للرطوبة.
ينتج جسم الإنسان الحرارة نتيجة العمليات الحيوية التي يقوم بها ويفقدها عن طريق انبعاث الحرارة من الجسم إلى خارجه عن طريق الجلد أو التعرق.
وعندما ترتفع درجات الحرارة، ونسبة رطوبة الجو المصحوبة بزيادة في الجهد الفيزيائي، يعجز الجسم أحياناً عن تخفيض درجة حرارته، لقلة أو انعدام التعرق الذي يعتبر إحدى وسائل الجسم للتخلص من الحرارة، ومع نقص سوائل الجسم يكون عرضة للإصابة بضربة الشمس، نتيجة تعرضه للحرارة العالية لفترات طويلة، أو العمل في مكان حار، هذا ما أوردته د. أمينة هاشم، مديرة إدارة التثقيف الصحي، بمنطقة الشارقة الطبية، وتضيف: «حينما يتعرض الشخص لارتفاع حرارة الجسم لأكثر من 41 درجة مئوية في غُضون دقائق، يُمكن أن يشكِّل ذلك خطورة على حياته، فيفقد الجسم قدرته على تبريد نفسه بسرعة وكفاءة، وتصاب آليات تنظيم الحرارة في الجسم بالخلل، فيشعر بالكسل والخمول والإرهاق ونوبات من الصداع والغثيان يصاحبه جفاف في الجسم».
من الأهمية استيعاب احتياجات الجسم من الماء ومعرفة كيفية توزيع سوائله، باعتباره عنصراً أساسياً للحياة، يجب المحافظة على منح الجسم كفايته منها. لبقاء خلاياه تعمل بشكل صحيح، يؤكد د.محمد حمد مختص بأمراض باطنية وقلبية قائلاً: «جسم الإنسان مقسم على أساس ثلثين ماء والثلث الآخر أنسجة عضلية، الثلثان ماء للشخص الطبيعي في حالة عدم ممارسة أي نشاط فيزيائي وعدم معاناته من أي مشاكل صحية، كفرط التعرق والإسهال أو القيء، فالحد الأدنى المطلوب لتران وربع إلى 6 لترات وربع، يتم احتسابها وفقاً لوزن الجسم لتشكل 60% من وزنه، فمثلاً شخص وزنه 70 كيلوغراماً يلزمه 2.9 لتر ماء في اليوم.
أما الشخص الممارس لجهد فيزيائي مع جهد عضلي أو في بيئة عمل تحت درجة حرارة عالية تفقده سوائله عن طريق التنفس والعرق، تزيد حاجته لكميات سوائل أكبر ووفقاً لمقدار ما طرح في تلك العملية الفيزيائية، وينصح بعدم شرب السوائل دفعة واحدة وبكمية كبيرة حيث يؤدي ذلك إلى آثار مميتة أحياناً، فحينما يفقد الجسم سوائله ثم يتناولها بهذا الشكل يعوض الجسم الماء، بينما عملية تعويض الشوارد تكون أصعب كثيراً، حتى يمر الماء داخل الخلايا، وأحياناً يحدث انتفاخ فيها ربما يصل لدرجة انفجار الخلايا الدماغية أو الكلوية أو القلبية، مشدداً على ضرورة تعويض السوائل ببطء وبالتدريج.
ومؤخراً خرجت بعض الدراسات التي تفيد بأن السوائل التي نتناولها يجب أن تكون محلاة وليست عصائر لاحتوائها على البوتاسيوم.
تختلف حاجة المصابين بالإسهال أو البول المتكرر لمرضى السكري، أو فرط تعرق عند ذوي الوزن الزائد للماء، حيث يحتاجون كمية أكثر من السوائل مقارنة بالشخص الطبيعي، نتيجة فرط فقدانها، ليتجنبوا كثيراً من الأضرار التي ربما يتعرض لها الجسد، نتيجة فقدانه لسوائله المرطبة.
فنقص كمية السوائل، تؤدي إلى نقص المواد الغذائية الضرورية للجسم، من أوكسجين وغيرها الواصلة للدماغ، فتُعرض مرضى الضغط الشرياني، إلى انخفاض في معدلاته الطبيعية، نتيجة لنقص الارتواء الدموي لمستوى الكليتين، ليدخل المريض في حالة تسمى النخر الأنبوبي الحاد، وهو مرض مزمن تمتد مدة علاجه لشهرين.
ومن الاختلاطات الناتجة عن الجفاف، الاختلاطات القلبية بسبب نقص السوائل بالجسم ما يؤدي إلى هبوط الضغط الشرياني، مع معاودة قلبية على شكل خفقان، أو سرعة ضربات القلب، من أجل تأمين الارتواء الدموي لمستوى الدماغ، ما يشكل عبئاً يجهد القلب لمن يعاني مشاكل به.
أكثر الأشخاص عرضة للإصابة بضربات الشمس، هم الرضع وكبار السن، وذلك لعدم قدرة أجسامهم على تنظيم الحرارة لعدم اكتمال تطور جهاز تنظيم الحرارة لدى الأطفال وعدم كفاءتها عند كبار السن، وإلى جانب العمال الذين يعملون في الأماكن الخارجية تحت أشعة الشمس، أو الرياضيين الذين يمارسون الرياضة في الملاعب المكشوفة نتيجة تعرضهم لخلل يصيب جهاز تنظيم الحرارة بالجسم وفقدانهم الكثير من السوائل.
يحتاج الشخص المصاب بضربة شمس إلى عناية طبية عاجلة، ومن التدابير الأولية التي يجب علينا اتباعها، نقله إلى مكان ظليل وبارد، وتبريد جسمه بالماء، حتى وصول سيارة الإسعاف ليتم نقله إلى أقرب مستشفى ، فالحالة تستلزم المتابعة تحت إشراف طبيب.
يجب ارتداء الملابس القطنية الخفيفة، وشرب كميات كافية من الماء، والعمل في أوقات مناسبة، وعدم ممارسة الرياضة في أوقات الذروة ما بين الساعة 12 ظهراً إلى 4 عصراً، إلا في الأماكن المغلقة، تجنباً للتعرض لأشعة الشمس المباشرة، وعدم الجلوس في الأماكن الحارة وغير جيدة التهوية، فالإنهاك الحراري لا يصيب من يتعرض للشمس بشكل مباشر فقط، وعدم الانتظار للوصول لمرحلة العطش فهي علامة على أننا في منتصف الطريق لمرحلة الجفاف، فبمجرد الشعور بالتعب والإنهاك يجب تناول السوائل، بشكل تدريجي حتى لمرضى الإنتانات، فعند ارتفاع الحرارة يزيد معدل الاستقلاب عند الشخص الطبيعي، وبشرب الماء نخفض من آلية هذا الاستقلاب الزائد، كما يساعد في تنشيط وإعادة انتشار كريات الدم البيضاء.
لمقاومة نوبات الحرارة المرتفعة، وتعزيز ترطيب الجسم بالسوائل اللازمة لمنحه البرودة، التي تنظم درجة حرارته، تقول د. لما النائلي خبيرة التغذية: «يجب شرب ما لا يقل عن ثمانية أكواب من المياه خلال النهار، وللأشخاص الذين يجدون صعوبة في تقبل طعم المياه، بإمكانهم شرب المياه المنكهة، من خلال إضافة أوراق النعناع، أو عصير الليمون، أو مكعبات الثلج المعدة من عصائر الفاكهة.
ولا نغفل هنا أهمية نوعية الأطعمة التي نستهلكها فمن المهم أن نعيرها اهتماماً بالغاً، باتباع سلوكات غذائية صحية، فالسر يكمن في تناول الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من المياه، وفي الوقت نفسه لا تزودنا بالسعرات الحرارية المرتفعة، وذلك لتأمين الترطيب اللازم، والمحافظة على الصحة وتجنب السمنة والحفاظ على نضارة البشرة.
وتشير إلى الخضراوات والفواكه باعتبارها من أهم المرطبات الغذائية، التي تمد الجسم بالفيتامينات والسوائل التي يفقدها، فالخضراوات مثل الخيار، والخس، والكرفس، والفجل، والطماطم، والملفوف، والفلفل الأخضر، والسبانخ، والبروكلي، تحتوي على أكثر من 90% من المياه، كما تحتوي الفواكه مثل الفراولة، والبطيخ، والشمام، والجريب فروت، والبرتقال، والدراق، والتفاح، والكرز، والعنب، على كمية كبيرة من المياه.
وتنصح د. لمى النائلي بتجنب المقليات والأطعمة الجاهزة، لأنها تمنح الجسم الكثير من الدهون، وتزيد من الشعور بالحرارة، لعدم احتوائها على نسبة جيدة من المياه، فيبدأ الجسم بالتعرق وخسارة سوائله بعد تناولها مباشرة، لذا يجب استبدالها باللحوم والدجاج والأسماك المشوية، كذلك الزبادي البارد، حيث يمد الجسد بالطاقة اللازمة والكالسيوم والبروتين، ويحفز الشعور بالبرودة، ويخفف من وطأة حرارة الجو، كما يمنح الجهاز الهضمي البكتيريا النافعة التي تساعد على الهضم، وتوجه بضرورة اعتباره من الأساسيات على المائدة، بتنوع طرق تناوله كسلطة (الزبادي والخيار).
وتنصح د. لمى النائلي بتجنب تناول المشروبات الغازية لاحتوائها على الكافيين، الذي يعرض الجسد إلى الجفاف وأيضاً العصائر التي تحتوي على المحليات الإضافية غير الطبيعية، واستبدالها بالعصائر الطبيعية المحضرة من الفاكهة الطازجة أو المثلجة، فلا يروي العطش ويخفف من حرارته سوى مشروب صحي بارد ومنعش.

أعراض ومضاعفات

يحدث الجفاف عندما تكون نسبة الماء داخل الجسم، أقل بكثير من المفقود عن طريق التنفس والتعرق، ويشير د. محمد حمد اختصاصي أمراض باطنية وقلبية إلى مفهوم مغلوط وشائع لدى العامة، أن علامات الجفاف الشعور بالعطش وتشقق الشفايف وهي علامات ليست أولية لحدوث الجفاف، حيث إن علاماته الأولية الشعور بالإنهاك والخمول والتعب، وقلة الصادر البولي وتغير لونه للون الكهرمان، ومن العلامات التي تشير إلى وصول الشخص لمرحلة متقدمة من الجفاف، غور العينين، وقلة ارتداد الثنية الجلدية، ففي الشخص الطبيعي ترجع الثنية الجلدية خلال ثانية أو ثانيتين، في حال زادت عن ذلك فهي مؤشر على وجود جفاف بالجسم، ويلاحظ على الأطفال بكاؤهم من دون دموع، وهناك علامات أكثر تقدماً، كهبوط الضغط الشرياني، والشعور بخفقان القلب، وفي الحالات الشديدة يصاب الإنسان بضعف شديد ربما يصل إلى حد الإغماء.

وصفات صحية

تنصح د. لما النائلي خبيرة التغذية بتناول الوصفات التي تعزز الرطوبة في الجسم لتجنب الجفاف ولا تحتوي على نسبة سعرات حرارية مرتفعة لتجنب السمنة وهي:
ـ شراب حارق الدهون: يتكون من لتر واحد من المياه، كوب من الفراولة، نصف ملعقة طعام من القرفة وعصير الليمون من حبة واحدة، فالقرفة تساعد على حرق الدهون كما أنها تساهم في تنظيم نسبة السكر في الدم.
ـ معزز الأيض: يتكون من نصف كوب من البطيخ، رشة من الفلفل، وكوب من المياه، فالبطيخ من أشهر الفواكه الصيفية التي تحتوي 92% من المياه، وتؤمن الفيتامين س و أ بنسبة 20% من حاجة الجسم اليومية إليها.
ـ حبيبات العنب المنعشة المغمسة في اللبن اليوناني: يوضع العنب في الثلاجة لبعض الوقت ثم يغمس في اللبن اليوناني البارد، الذي يحتوي على نسبة عالية من البروتين، للحصول على أشهى وجبة خفيفة وصحية، ويعد العنب من الفاكهة الصيفية اللذيذة التي تتميز بسهولة الهضم وتساعد في حل مشاكل الإمساك وتدر البول.
ـ المثلجات المحضرة منزلياً، فيمكن استبدال المثلجات الغنية بالدهون والسعرات الحرارية غير المفيدة بالمثلجات المحضرة من الفاكهة، أو إعدادها باستخدام بعض قطع الفاكهة الطازجة مع الحليب قليل الدسم.
ـ الحساء البارد: حساء السبانخ والأفوكادو، فهذه الوصفة تقدم لستة أشخاص (ستة أكواب) يحتوي الكوب الواحد على 240 سعرة حرارية.