لم تمر الانسانية منذ بدء الخليقة بما تمر به الآن من ثورة تكنولوجية وتقنية في جميع مجالات الحياة. وفي الوقت الذي نرى الثورة التكنولوجية العارمة تملأ الآفاق وتنير لنا ما خفي من علوم وما كان غامضاً وبعيد المنال نجد تراجعاً ملحوظاً لكل ما له صلة بالماضي بصورة عامة والتراث الشعبي بصورة خاصة.

يرى البعض ويؤكد أن التغيرات تقوى على التأثير في تراث الأمم وطمس هويتها في حين يرى البعض الآخر أن هناك مقاومة شديدة للحفاظ على التراث المحلي والذي بدوره يدعم الهوية الوطنية في خضم ما يشهده العالم من تطورات علمية، تكنولوجية، ثقافية، اجتماعية، سياسية وحتى بيئية صرفة.

إن التراث الشعبي في منطقة الخليج كافة والإمارات خاصة، تراث غني في مضمونه، عريق في أصوله ويستدعي تحليله والتعمق فيه والاستناد إليه كمصدر مهم لاستلهام الدروس والعبر منه، كي ينير أمام الاجيال القادمة سُبل التقدم والرقي في مضمار المعرفة الانسانية عامة.

يعتبر التراث الشعبي بجميع روافده الشفهية المختلفة والتي تداولها بين الناس عن طريق الرواية الشفهية (التراث غير المادي) جانباً مهماً من جوانب ثقافة الشعوب عامة.

تميز المجتمع العربي قديماً بالرواية الشفهية، واعتمد الناس على الرواية الشفهية ونقل المعلومات منذ آلاف السنين ونتيجة للرواية شفاها اختلطت المبالغات والخرافات بالواقع، وأنتجت لنا كنوزاً من الأساطير والحكايات التي لم تجد غير الرواية الشفهية بديلاً لتصونها من النسيان والاندثار، اعتمد العرب على الرواية الشفوية في صون رافد مهم وحيوي من روافد الأدب العربي وهو الشعر حيث اعتمد الشعراء أنفسهم على الرواة في حفظ قصائدهم وأشعارهم، كان الشاعر الجاهلي يستعين براوية لحفظ قصائده وإلقائها نيابة عنه في المناسبات والأسواق كسوق عكاظ وغيره من أسواق العرب، وكان إتقان حفظ الشعر يشكل زاوية مهمة وحيوية في حياة القبيلة وتقاليدها، حيث إن القبائل كانت تحتفل بظهور شاعر فيها نظراً للمكانة السامية التي احتلها الشاعر خلال العصور.

يعتمد علم الفولكلور (التراث الشعبي) بالدرجة الأولى على النزول إلى الميدان وجمع مواد التراث الشعبي من قبل الجامعين والباحثين كل في مجال اختصاصه، العمل الميداني هو الركيزة الأولى لعلم الفولكلور، والراوي هو العمود الفقري للعمل الميداني.

ويعتبر علم الفولكلور علماً حديثاً في مجال العلوم الانسانية حيث بدأ اهتمام العلماء في البلدان المتقدمة بهذا الجانب الحيوي والذي كان مهملاً إلى حد بعيد نظراً لأن المجتمع الإنساني كان في سباق مع الزمن لأجل التطور والتمدن، واعتبر هذا الجانب الحيوي من حياة الناس رديفاً للتأخر والعودة إلى الوراء.

ومن الواضح أن العمل الميداني رافق هذا العلم الجديد منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في أوروبا وأمريكا، ووضع له المختصون المفاهيم العلمية والأساسيات كي يراعيها الجامع الميداني والباحث في حقل الفولكلور، أما العرب فإنهم سبقوا الآخرين في العمل الميداني وإن لم يتخذ هذا المسمى لديهم بقرون.

الرواية الشفوية بروافدها المتعددة لها ثلاثة محاور: الراوي، النص، المتلقي (مجتمع القص، الحاضرون). الرواية الشفوية تعتمد على قدرة الراوي الشخصية وإبداعه في تقديم النص الشفوي للحاضرين.

ومفهوم الإبداع له مدلولات كثيرة في نواحي الحياة المختلفة يهمنا أن نشير إلى الإبداع في هذا المجال يعني أن الراوي له قابليات وكفاءات شخصية ينفرد بها عن غيره في مجال الرواية وعرض الأحداث وشد السامعين إلى ما يقوله.

ومن المعلوم أن كل راوٍ يتميز عن الآخرين ولا يوجد راويان يتميزان بالقابليات الشخصية نفسها في مجال الرواية والإبداع والإلهام، القابلية الشخصية للراوي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمخزون التراثي لديه ومدى درايته بما يقوله وتحوله بين الأحداث بسلاسة وسهولة في الوقت الذي يشد فيه انتباه من حوله.

الرواية تخلق علاقة بين الراوي وسامعيه وتقع مسؤولية هذه العلاقة بالدرجة الأولى على الراوي لأن المتلقي ينتظر من الراوي أن يؤدي دوره في ما يخص الرواية، يبدأ الدور باختيار النص الملائم لمجتمع الرواية، يعتمد الراوي بالدرجة الأولى على الذاكرة وقوتها في عملية استرجاع الأحداث والأسماء وما في الرواية من أحداث ومغامرات الأبطال، والحقيقة أن موضوع الذاكرة البشرية هو موضوع الانسان نفسه والعقل هو مركز النشاط في عملية خزن المعلومات وتذكرها في الوقت المطلوب.

للذاكرة قابلية هائلة على الحفظ والحفط اللامتناهي ولها القابلية على الاسترجاع عند الحاجة، قابلية الذاكرة على الحفظ والاسترجاع خدمت روافد التراث الشعبي عامة والأدب الشعبي خاصة، ولولا ذاكرة الرواة والإخباريين لما كان بإمكاننا أن نجمع وندون عناصر الأدب الشعبي عامة والحكاية الشعبية على وجه الخصوص.

من الواضح أن المخزون الثقافي في الذاكرة يتعرض للخلط والنسيان والاندثار إذا ما وصل حامل المخزون إلى مراحل عمرية متقدمة من دون الوصول إلى ما في ذاكرته من مواد ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك لا مجال لذكرها الآن.

تسمى منظمة اليونسكو حملة التراث الشعبي (الكنوز البشرية الحية)، ونجد أن هذه المنظمة العالمية قد أعطت حملة التراث بصورة عامة حقهم المعنوي باعتبارهم كنوزاً في مجتمعاتهم المحلية التي ينتمون إليها.

ويجب ألا يخفى علينا أن اهتمام علماء الفولكلور بالرواة جاء متأخراً لأن اهتمامهم انصب على النص والمادة التراثية الصرفة، ولم يحظ الرواة بالاهتمام اللازم إلا بعد أن أدرك علماء الفولكلور أن هذا العلم لا يكتمل إلا بإلقاء الضوء على حامله، ومن هنا جاءت الدراسات الاكاديمية التي سلطت الأضواء ليس على ما جمع من مواد التراث وإنما على حاملي التراث، وأصبح حامل التراث جزءاً مهماً من هذا العلم الذي يعتبر من أحدث العلوم الانسانية والاجتماعية.

وفي يومنا هذا يجد الباحث في التراث الشعبي نفسه في حاجة ماسة إلى الرواة والإخباريين للحصول على مادته التراثية، نظراً لما في صدورهم من كنوز لا يمكن أن نقدر قيمتها العلمية بثمن، حيث إن صدور الرواة تعتبر مكتبة متحركة لا بد من فتحها والاعتماد عليها قبل أن يرحل الراوي عن هذا العالم الفاني.

يقول السيد عبدالله عبدالقادر في كتابه حول وحدة التراث الخليجي: كل عجوز يموت ولا تسجل معارفه كأن مكتبة تحترق.

لا نبالغ إذا قلنا إن من أهم روافد التراث الشعبي وأكثرها تعبيراً عن الجماعة والوحدة والتلاحم هو الأدب الشعبي عامة والحكايات الشعبية بصفة خاصة. هذا لا يعني أن الجوانب الأخرى من التراث الشعبي لا تعبر عن المفهوم الجمعي أو الاطار الجمعي للرواية الشفهية، بل نجد أن جميع روافد التراث الشعبي ومدلولاته المتنوعة تعبر وتنبع من المجتمع الذي تنتمي إليه وهو الذي يحفظها ويرددها ويلقنها للآخرين.

الأدب الشعبي يجمع ولا يفرق، يجمع الناس ويضعهم في اطار يبعدهم عن الفردية ويجعلهم يشعرون بالانتماء في اطار مجموعتهم أو مجتمعهم الصغير (مجتمع الرواية) أو الكبير (المجتمع الذي تنبع منه روافد الأدب الشعبي عامة). ولا يخفى على أحد أن الاطار الجمعي والانتماء إلى مجموعة يولد الشعور بالأمان والطمأنينة، وهذا بالطبع نابع من أن الانسان حيوان اجتماعي وليس من السهل عليه أن يواجه الحياة بمفرده وإنما يحتاج إلى جماعة أو مجتمع ينتمي إليه.

الشعور بالانتماء لدى الفرد يؤدي إلى أن ينظر إلى نفسه بثقة ويرى أن مجتمعه ينظر إليه على أنه أحد هؤلاء الذين يسهمون في نموه وازدهاره، وهكذا تنمو وتزدهر فكرة الهوية الوطنية التي يتردد ذكرها في الآونة الأخيرة لأهميتها في هذه المرحلة من حياة الناس.

إذا كان الأدب الشعبي يمثل روح الجماعة وتتبناه الجماعة وتحافظ عليه من النسيان والاندثار قدر المستطاع، فإن الرواي هو ابن الجماعة وينتمي إليها وهو حافظ تراثها ويتناقله من جيل إلى جيل، الراوي يصور ما لدى الجماعة من ثقافة شعبية تخص جماعته أو مجتمعه ويروي ما لديه من مخزون مجتمعه ويعبر عن تجاربه والأحداث التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي مر بها.

للراوي الدور الاساسي في ربط أفراد المجتمع ببعضهم بعضاً وهذا ليس من المبالغات، وإنما نابع من وظيفة الراوي تجاه مجتمعه وتراثه على حد سواء، الراوي هو الرابط الذي يربط أبناء المجتمع عندما يقوم بدوره كراوٍ للحكايات والملاحم والأساطير، وهو المعلم الذي يعلم الذين لا يلمون بالعناصر التي تنتمي إلى ثقافتهم الشعبية.

* من أوراق يوم الراوي في دورته العاشرة في الشارقة