قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (ابراهيم: 4).

تكلمنا في المقالة السابقة عن سبب نزول القرآن الكريم بلسان العرب، وكانت لنا وقفات عدة مع اللغة العربية ومدى امتهانها في عقر دارها، ومع اصحاب الدعوة المحمدية ومع الترجمة ووجوب الاهتمام بها، وكانت وقفتنا الأخيرة مع الاعلام، ودعوته الى الشعور بمسؤولياته الجسيمة في نشر رسالة الاسلام السمحة. ونعود في هذه المقالة الى صياغة الآية الكريمة التي شرحنا فقط جزءاً منها في المقالة السابقة.

الإرسال والبعث

تبدأ الآية الكريمة بقوله تعالى: وما أرسلنا وهنا نقف متأملين ونسأل: لماذا أوثرت مادة الارسال على مادة البعث، أي لماذا لم يقل تعالى مثلاً: وما بعثنا؟ والحقيقة أن كل التفاسير التي عدت اليها، والمعاجم اللغوية التي قرأتها لا تكاد تفرق بين المادتين، بل يفسرون احدى المادتين بالأخرى! كما لم يثر أحد من المفسرين القدامى أو الجدد هذا السؤال أصلاً! ولا بد من وجود فرق بين الارسال والبعث بدليل استخدام لغة القرآن الكريم لكلتا المادتين، ولو لم يكن هناك فرق في المعنى بينهما لاستخدم القرآن الكريم مادة واحدة منهما فقط. ومن شواهد استخدام مادة الارسال قوله تعالى: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (الزخرف: 23)، وقوله تعالى: وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما ارسلتم به كافرون (سبأ: 34) وقوله تعالى: وما ارسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً.. (سبأ: 28)، وقوله تعالى: إنا أرسلنا نوحاً الى قومه.. (نوح: 1) وقوله تعالى: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً (الفتح: 8) وقوله: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (غافر: 23) ومن شواهد مادة بعث قوله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. (الجمعة: 2) وقوله تعالى: فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه (المائدة: 31) وقوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.. (النحل: 36) وقوله تعالى: ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم (النحل: 89). فلو كان هناك ترادف في اللغة فلم استعملت لغة القرآن الارسال في مواضع، والبعث في مواطن أخرى؟ الحقيقة أنني بعد تفكير عميق، وجهد مضن، وتفتيش في امهات المعاجم اللغوية اهتديت بفضل الله تعالى الى أن مادة الارسال تدور حول اليسر والسهولة والرفق والتؤدة، يقال: ناقة رِسْلة، أي سهلة السير، وإبل مراسيل أي منبعثة انبعاثاً سهلاً، ويقال: على رسلك إذا أمرت مخاطبك بالرفق. أما مادة البعث فتدور حول الاثارة والتهييج والايقاظ، يقال: بعثت البعير، إذا أثرته وسيرته، وبعث الموتى ايقاظهم واخراجهم وتسييرهم الى القيامة، قال تعالى: والموتى يبعثهم الله. ومن خلال الموازنة بين أصل المادتين كما رأيت تجد أن الملائم لمقام الآية هو مادة الارسال، فإرسال الرسل عليه السلام الى اقوامهم بلغاتهم فيه تخفيف وتيسير على اقوام الرسل حتى لا يجدوا مشقة ولا عنتاً في فهم الرسالات التي بلغت اليهم، وهذا المعنى يتوافق مع مدلول مادة الارسال بما فيه من تخفيف وسهولة.

تعريف الرسول والنبي

وقد تعددت اقوال العلماء في بيان تعريف الرسول والنبي، والفرق بينهما، ومن اشهر هذه التعريفات: ان الرسول هو الذي أوحي اليه برسالة وأمر بتبليغها، والنبي: هو الذي أوحي اليه ولم يؤمر بالبلاغ. وعلى هذا فالرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً وهذا التعريف على الرغم من شيوعه عند العلماء إلا أنه بعيد لأسباب من أهمها: أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، وما الفائدة في أن يرسل الله تعالى نبياً ليكتم وحيه، ويبقى في صدره الى ان يموت، وينتهي هذا الوحي بموت النبي؟ وماذا استفاد الناس الذين بعث فيهم النبي عندئذ؟

وهل يعقل ان يرسل الله وحيه الى رجل واحد فقط ولا يؤمر بتبليغه؟ والأمر الثاني الذي ينقص هذا الرأي الشائع قول النبي صلى الله عليه وسلم : عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد.. فهذا دليل دامغ على أن الانبياء مأمورون بالبلاغ كالرسل. ومن أقوى الأقوال قبولاً الى نفسي في الفرق بين الرسول والنبي قول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله : (فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما نبأه الله، فإن ارسل مع ذلك الى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله اليه فهو رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو الى احد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول. فقوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى.. دليل على أن النبي مرسل، ولا يسمى رسولا عند الاطلاق، لأنه لم يرسل الى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه... ويكاد يتفق الشنقيطي رحمه الله مع رأي ابن تيمية السابق، واليك نص كلامه وآية الحج يعني قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي.. (آية 52). تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي اليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وان الرسول هو النبي الذي اوحي اليه، وأمر بتبليغ ما اوحي اليه، غير صحيح، لأن قوله تعالى: وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي يدل على ان كلاً منهما مرسل وانهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم ان النبي الذي هو رسول انزل اليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي تثبت بها نبوته. وان النبي المرسل هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي اليه أن يدعو الناس الى شريعة رسول قبله كأنبياء بني اسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة.

ويفهم من النصين السابقين أن الفرق بين الرسول والنبي في الرسالة، فمن اوحي اليه بشريعة مستقلة فهو رسول، ومن كان تابعاً لشرع من قبله ومقرراً له فهو نبي. وهذا الرأي المختار عندي وهو رأي البيضاوي ايضاً في تفسيره حيث قال: الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس اليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني اسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام.

اختلاف الألسنة

والمقصود باللسان في قوله تعالى: بلسان قومه اللغة أي بلغة قومه. وليس المقصود العضو المعروف باللسان، لأنه يوجد عند الأبكم ولا يبين مقصوده، وعليه ففي التعبير عن اللغة أو البيان باللسان مجاز مرسل علاقته الآلية وهي أن يذكر اسم الآلة ويراد الأثر الناتج عنها وبلاغة المجاز هنا تبدو في أن اللسان آلة حسية يدركها كل انسان يوجه اليه الخطاب. وقد تتبعت كلمة اللسان في القرآن الكريم فوجدت أنه يراد بها غالباً اللغة أو البيان وأحياناً السيرة الحسنة والذكر الحسن، ومن شواهده قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام وأخي هارون هو افصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني اخاف ان يكذبون (القصص: 34). فليس المقصود باللسان الفصيح هو ذلك العضو المعروف بل البيان المألوف الذي يعين على التصديق. وقوله هو افصح مني أي اظهر منطقاً وأوضح بياناً، وأبين قولاً.

وقوله تعالى: واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي (طه: ،27 28) فليس المقصود ان لسانه الذي في فمه به عقدة بل المراد ان العقدة في بيانه. وقوله تعالى: فإنما يسرناه بلسانك يعني أنه اطلق اللسان وأراد اللغة والبيان. وقوله تعالى: بلسان عربي مبين المقصود به اللغة والبيان العربي.

وفي قوله تعالى: اختلاف ألسنتكم وألوانكم (الروم: 22) يقصد بالألسنة اللغات، وفي قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام واجعل لي لسان صدق في الآخرين (الشعراء: 84) المقصود من اللسان السيرة الحسنة والذكرى العطرة بدليل قوله: في الآخرين وهم من يأتون بعده. إذن لا وجه لأن يبقى اللسان بمعنى العضو المعروف في الآيات السابقة. ونعود الى تأمل صياغة الآية الكريمة حيث أكدت حقيقة ارسال الله تعالى رسله عليهم السلام بلغات اقوامهم بصياغتها في اسلوب قصر، وأوثر النفي والاستثناء وهو اقوى طرقها لمزيد من التوكيد. والقصر في قوله تعالى: وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه حقيقي، لأن النفي عام، تحقيقي، لمطابقته الواقع الخارجي. وذكر من في قوله من رسول لتأكيد عراقة النفي وعمومه لكل زمن من الازمان. والتعبير بنون العظمة في ارسلنا لتفخيم الارسال. والباء في بلسان للملابسة أي متلبساً بلسان قومه، أي متكلماً بلغة من أرسل اليهم. والقوم: الأمة والجماعة المتفقة على لغة واحدة. وقوم كل رسول: أمته المبعوث اليهم أو فيهم. وبين سبحانه وتعالى علة ارسال كل رسول بلسان قومه بقوله تعالى: ليبين لهم أي ليبين ذلك الرسول لأولئك القوم الذين ارسل اليهم ما كلفوا به من أوامر ونواه فيفهموها ويتلقوها منه بسهولة وسرعة.

وقد بينت في المقالة السابقة أسباب نزول القرآن الكريم بلغة العرب، وسبب اختيار الأمة العربية لتلقي الكتاب المبين. واللام في ليبين للتعليل، وفي التعليل اشارة الى سر ايثار لسان العرب لنزول القرآن الكريم به، لأن المقصود من التشريع البيان، واقرب اللغات الى التبيين من بين لغات الأمم المرسل اليها هي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، لأنها اصلح اللغات جمع معان وكثرة ألفاظ ودقة تصوير، وسهولة جري على الألسن، وسرعة حفظ، وشدة تأثير، وجمال وقع في الاسماع.

الإضلال والهداية

وقوله سبحانه: فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء احتج به الاشاعرة على أن الله تعالى خالق الخير والشر، واستدل المعتزلة بذكر صفة الحكمة في ختام الآية في قوله تعالى: وهو العزيز الحكيم على أن الله تعالى لا يخلق الشر أو الكفر والقبائح، لأن الحكمة الإلهية تنافي ذلك. وتلك مسألة عقدية قديمة احتدم فيها الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة. وليس هنا مجال لتفصيلها، ونشير فقط الى أننا نعتقد معتقد أهل السنة والجماعة في أن الله تعالى خلق الشر والخير والضر والنفع. ومعنى قوله: فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء أي يضل الله من يعلم أنه لا يؤمن، أو يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية اليه فيه، وقيل: يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا يجدي مع الالطاف. ويهدي سبحانه من يعلم أنه يؤمن، أو يخلق الهداية أو يمنح الالطاف لمن يشاء هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية الى ذلك، فالمراد بالإضلال اجمالاً التخلية ومنع الالطاف، وبالهداية التوفيق واللطف، وهما كنايتان عن موصوفين هما الكفر والايمان والفاء في فيضل إما أن تكون فاء الفصيحة وهي التي تدخل على جملة مسببة عن جملة غير مذكورة نحو قوله تعالى: فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت (البقرة: 60) أي: ضرب فانفجرت والتقدير: فبينوه لهم فأضل الله تعالى من شاء اضلاله وهدى من شاء هدايته. والحذف، للإيذان بأن مسارعة كل رسول الى ما أمر به وجريان كل من الفعلين على سنته أمر محقق غني عن الذكر والبيان. ويمكن ان تكون الفاء تفصيلية، والتقدير: ارسلنا الكتاب للتبيين فمنهم من نفعناه بذلك البيان، ومنهم من جعلناه حجة عليه. والالتفات من المتكلم الى الغيبة بإسناد الفعلين يضل ويهدي الى الاسم الجليل، لتفخيم شأنهما. والعدول عن الماضي الى المضارع في الفعلين السابقين، لاستحضار الصورة الماضية، أو للاشارة الى تجدد الضلال والهداية منه سبحانه حسب تجدد البلاغ والبيان من الرسل عليه السلام . وقدم الإضلال على الهداية، للاشارة الى ان مهمة كل رسول تنتهي عند البيان، وأما ما يترتب على ذلك من الهداية والضلال فلا قدرة له عليه، وليس خاضعاً لارادته ورغبته، إنما يخضع لارادة الله تعالى وسلطانه ومشيئته المطلقة، فهو سبحانه المضل الهادي حقيقة، أما الرسل فهم مبينون ملزمون للحجة تمييزاً للضال من المهتدي.

وختمت الآية الكريمة بقوله وهو العزيز الحكيم أي هو وحده الذي لا ينازعه أحد في مشيئته فيضل من يشاء اضلاله ويهدي من يشاء هدايته، وهذا المعنى بما فيه من الغلبة والارادة المطلقة تناسبه صفة العزة، أما ذكر صفة الحكمة في الآية الكريمة فللاشارة الى أن ما يريده سبحانه من الاضلال والهداية لا يكون إلا عن حكمة بالغة وتدبير محكم. ندعو الله أن يجعلنا من الهادين المهتدين. والحمد لله رب العالمين.

لسان العرب

بين سبحانه وتعالى علة ارسال كل رسول بلسان قومه بقوله تعالى: ليبين لهم أي ليبين ذلك الرسول لأولئك القوم الذين ارسل اليهم ما كلفوا به من أوامر ونواه فيفهموها ويتلقوها منه بسهولة وسرعة. واللام في ليبين للتعليل، وفي التعليل اشارة الى سر ايثار لسان العرب لنزول القرآن الكريم به، لأن المقصود من التشريع البيان، وأقرب اللغات الى التبيين من بين لغات الأمم المرسل اليها هي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، لأنها اصلح اللغات جمع معان، وكثرة الفاظ، ودقة تصوير، وسهولة جري على الألسن، وسرعة حفظ، وشدة تأثير، وجمال وقع في الأسماع.