أرسل الله تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فقال سبحانه: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين، وهذه سيرته مملوءة بالمشاهد الدالة على أن الرحمة صفة لازمة له، فهي عنوانه، وهي سمته التي يعرف بها، بعث بالرحمة والعطف والحنان، وبعث بالرفق واللين، فكان رحمة مهداة، من رب العالمين إلى عباده أجمعين .

ولم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم مواقف وأحداثاً فحسب، بل إنه أمر وشرع ومنهج وأخلاق شرعها للناس، وفي كتب الصحاح أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم تحرض المؤمنين على التخلق بخصلة الرحمة، فقد قال صلى الله عليه وسلم مرغباً في الرحمة والرفق واللين على الناس: اللهم من ولي من أمر أمتي فرفق بهم فارفق به، وقال متوعداً من شق عليهم وأغلظ ومن ولي من أمر أمتي فشق عليهم فاشقق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: من لا يَرحم لا يُرحم، وقال: الراحمون يرحمهم الله، وقال: لا يرحم الله من لا يرحم الناس، وقال: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وغير هذه الأحاديث كثيرة في الحث على اللين والرأفة والرفق والرحمة، وتجاوزت رحمته صلى الله عليه وسلم الجنس البشري، حتى شملت الحيوان وحتى الجمادات، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر .

ريادة إسلامية

بهذه القاعدة العامة في كل كبد رطبة أجر سبق الإسلام جميع المنظمات الدولية والهيئات التي تعنى بالدفاع عن حقوق الحيوان والرفق به، سبقها النبي يوم قال: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض .

وفي مسند أحمد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرةً معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها .

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل كل ذي روح إلا أن يؤذي، وحذر من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً، أي هدفاً للرمي، وكان يأمر بالرفق حتى في قتل الحيوانات، وأوصى صلى الله عليه وسلم بالرفق في ذبح الحيوان والإحسان إليه في ذلك، كما روى مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته، وقال صلى الله عليه وسلم لمن أضجع شاة وهو يحد شفرته أمام ناظريها: أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟ .

ليس الرفق في حد السكين ولا في إحسان الذبح وحدهما، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن إرهاق الحيوان بإيقافه وإطالة الجلوس عليه من غير ضرورة إلى ذلك، ويروى أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال صلى الله عليه وسلم: اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله منه، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم .

قال صلى الله عليه وسلم: من قتل عصفوراً عج إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة، وعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من إنسان قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها، إلا سأله الله عز وجل عنها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها يرمي بها .

نهي عن التحريش

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإغراء بين الحيوانات وتهييج بعضها على بعض، كما يفعل بين الجمال والكباش، والديوك، فقد روى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم، لأن فيه إيلاماً للحيوانات وإتعاباً لها من دون فائدة بل هو مجرد عبث، وكما يفعل في الوقت الحاضر في ما يسمى رياضة الثيران، وهو التحريش بها وتهييجها حتى لا يمكن السيطرة عليها ومن ثم قتلها .

وانظر إليه صلى الله عليه وسلم يأمر زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأن ترفق ببعيرها في ما رواه مسلم عنها أنها ركبت بعيراً وفيه صعوبة فجعلت تردده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك بالرفق)، ويروي عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته وأردفني خلفه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبرز كان أحب ما تبرز فيه هدف يستتر به أو حائش نخل، فدخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضح له، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفريه وسراته فسكن، فقال: من رب هذا الجمل؟ فجاء شاب من الأنصار فقال: أنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكاك إلي وزعم أنك تجيعه وتدئبه، ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحائط فقضى حاجته، ثم توضأ ثم جاء والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسر إلي شيئاً لا أحدث به أحداً فحرجنا عليه أن يحدثنا، فقال: لا أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره حتى ألقى الله.