يرى الروائي المصري فؤاد قنديل الحائز على جائزة الدولة التقديرية للآداب عام 2010 أن مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة التي أوصت بترميم المجمع العلمي واحدة من المبادرات الكثيرة التي قدمها صاحب السمو حاكم الشارقة في سبيل دعم الثقافة العربية وتقدمها .

ويؤكد قنديل أن الثورة هي ابنة الأدب في الحالة المصرية، كما هو الحال بالنسبة إلى كل ثورات العالم العربي، وأن المستقبل سيدفع بالأدب المصري إلى مكانة متقدمة ستظهر إرهاصاتها خلال الخمسة أعوام المقبلة لأن الأدب الذي كان أحد أبرز المحرضين على الثورة هو الذي سيقطف اليوم الكثير من ثمارها، ليكون أكثر حرية وتحرراً من ذي قبل .

الخليج التقت الكاتب المصري فؤاد قنديل أثناء زيارته للعاصمة أبوظبي للوقوف أمام العديد من الأحداث التي تقدمت المشهد المصري في الفترة الماضية، وللحديث عن تجربته الشخصية وشهاداته وآرائه في المشهدين الثقافي والاجتماعي عموماً كان هذا الحوار .

كيف تنظر كمثقف مصري وعربي إلى مبادرة صاحب السمو حاكم الشارقة الذي أوصى بترميم المجمع العلمي؟

- ليست هذه أول مرة يبادر فيها سموه بتقديم دعم ثقافي ومادي لمؤسسات الثقافة والتعليم في مصر، والعديد من الأقطار العربية، فلطالما بادر بدعمها وكانت مبادراته قديرة، وهذا يدل على مدى سعة الأفق والحس العروبي، وتقدير فضل بعض الدول العربية ومنجزاتها التاريخية في مجالات الثقافة والمعرفة . ولا بد من الإشارة إلى أن سموه ينتمي إلى ثلاث جهات هي العروبة والإمارات والثقافة وهو انتماء وثيق، كما أن سموه ليس متذوقاً جيداً للثقافة، بل منتجاً لها أيضاً من طراز رفيع وأنا لا أقول هذا إلا لأني قرأت أعماله وشاهدت عروضاً كثيرة لها، ولا أملك إلا أن أقدم بالغ الشكر لسموه، وأعترف في الوقت نفسه بأن حكام دولة الإمارات لهم ارتباط وثيق وأصيل بالثقافة، بدءاً من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله، وأنا من المعجبين بحكمته وفكره المتقد وحبه للعروبة ورغبته في تطوير الأمة وتقدمها، إنه بحق حكيم العرب وقد نقل الإمارات من حالة إلى حالة وأصبحت الآن تحتل مكانة متميزة على مستوى المنافسة الدولية في مجالات التعليم والإدارة والصحة وغيرها، وهذه إحصاءات وليست كلمات إنشائية فقط .

كيف تقيم متابعة الجمهور العربي والمصري بشكل خاص للحراك الثقافي في الإمارات؟

- في البدايات لم أكن على علم كافٍ بمستوى المواهب والإبداعات، وقد أتيح لي الاطلاع على القليل منها على مدى سنوات طويلة، ولكن منذ أن قدمت للمرة الأولى إلى إمارة الشارقة لأشارك وأحضر مؤتمراً عن القصة القصيرة، والتقيت من خلال ورش عمل مع كتاب وكاتبات من الشارقة وكافة الإمارات، فوجئت بمستوى المواهب والملكات والأساليب الفنية واللغة والجسارة في التعبير والتميز في رصد تجارب إنسانية ذات خصوصية، إضافة إلى أن مستوى الخيال لدى هؤلاء كان لافتاً وكذلك مستوى الابتكار .

أما الشعر فمستواه في الإمارات متميز ومتفوق، ولكنني أرى في الوقت ذاته أن الأدب مظلوم في الإمارات لأنه كثير الإبداع وقليل النقد . وأؤكد هنا أن المشهد بحاجة إلى مشاركة قوية من قبل الأكاديميين والنقاد لرصد الظواهر الأدبية والإبداعية وتقريبها من الجمهور العام .

لو نظرنا إلى الرواية على أنها مدوّنة، هل تتوقع أن تدوّن الرواية المصرية ما شهدته مصر من أحداث وتغييرات كلية في الوقت الحاضر؟

- لا بد أن تكون الرواية وسيلة فنية وجمالية مهمة لرصد تجربة الثورة وتفاصيلها وأحداثها وتحدياتها، ولكن ليس الآن، لأن الرواية تحتاج إلى وقت أطول ليس أقل من ثلاث أو أربع سنوات لكي تقيّم التجربة وتدرك جيداً مساراتها . فالرواية لا تكتب إلا عن عالم وليس عن شخص عابر أو لحظة مختطفة من الزمن، وتكتب كذلك عن مجتمع بأسره يتطور ويتحرك إنسانياً واجتماعياً، وبالتالي لن تكون هناك رواية كما يجب عن الثورة وتبعاتها قبل سنتين أو ثلاثة على الأقل .

إلى أين تتجه بوصلة الأدب المصري في ظل الثورة، وما مكتسباته منها؟

- أتوقع أن الأدب سيقفز في مصر خلال العشر سنوات المقبلة قفزة كبيرة ستبدأ ارهاصاتها بعد خمس سنوات من الآن، حيث سيتوفر له عدة عناصر تدفعه للأفضل مثل الحرية، الجسارة، اقتحام المجهول، وعدم إقامة حسابات للسلطة بأنواعها كافة، إضافة إلى كشف الكثير عما هو مسكوت عنه . وبالنسبة إلى النقد فأتوقع أن يتحرك ويقطع أشواطاً بعيدة على مستوى رصد التجارب الإبداعية التي كان النقد بعيداً عنها نسبياً، لأن كثيراً من المنابر كانت ترفض نشر المقالات النقدية لأسباب معروفة، كما أن بعض الكتاب كانوا لا يتقبلون رأي النقاد، وهذا خلل كبير، وأتوقع أن تؤدي الحرية إلى أن يكتب النقاد أيضاً بحرية .

يشاع أن المثقفين كانوا بعيدين عن أجواء ما حدث من ثورات وانتفاضات شعبية، هل هذا صحيح برأيك؟

- هذا كلام غير صحيح، ولا علاقة له بالصواب، لأن الثورة التي حدثت في مصر ابنة الأدب، ومثلها في تونس واليمن وسوريا وجميع بلدان الثورات العربية، والصحافة كتبت حقاً واستعرضت أوجه النقص والخلل، ولكن الأدب يعمل على تعميق الإحساس بالظلم، وكما يقول بعض المفكرين إن معرفة الظلم لا تنتج ثورة ولكن الذي ينتجها هو الإحساس بالظلم . فالأدب بالضرورة أسهم في دفع الناس لرفض الظلم، وأنا كتبت رواية بعنوان قُبلة الحياة عام 2002 وفيها استعراض للخلل الاجتماعي والسياسي في مصر، والفصول الأخيرة فيها تتحدث عن ثورة مشابهة تماماً لما حدث، وهذا هو عمل الأدباء، حيث عليهم أن يتأملوا الحياة والواقع وأن يستشرفوا المستقبل المبني على هذه الحياة الملتبسة . ومن هنا فإن الثورات هي نتاج الأدب، والشعر فعل ذلك والرواية والقصة والمسرح، وكل الفنون شاركت جميعاً في الإعداد للثورة .

بصفتك واحداً من المثقفين الذين عايشوا تجربة الأديب نجيب محفوظ، ما رأيك في مقولته التي كشف عنها الإعلام مؤخراً كنت أتوقع نوبل لشاعر وليس لروائي؟

- جائزة نوبل منحت لعدد كبير من الروائيين العالمين، وهناك عدد كبير من الشعراء حرموا منها، وقد عرفت نوبل بأن هناك فكرة طاغية في العالم هي أن الرواية تتصدر المشهد الأدبي، ونتيجة لذلك ارتأت الجائزة أن تواصل منح الجائزة لروائي . وفي عام نجيب محفوظ أدركت نوبل أن العالم العربي يعتبر مهمشاً بالنسبة إلى الجائزة فمعظم شعوب العالم حازت عليها تقريباً، ولذلك رأت أنه لا بد من الانتباه للعام العربي خصوصاً مع وجود كتّاب يرد ذكرهم كثيراً في القائمة القصيرة في مقدمتهم يوسف إدريس . وفي ما بعد كانت هناك توصيات من قبل عدد من النقاد العالميين بأهمية منح الجائزة لنجيب محفوظ وقد منحت له بالفعل، وأبدا المسؤولون في الجائزة فخرهم بمنحها لمحفوظ . وبالمقابل كانت هناك أحكام مغايرة بالنسبة إلى الذين رأوا أن محفوظاً لا يستحق الجائزة كونه غير معروف . ولكن بعد سنوات اعترف هؤلاء بأنهم كانوا مخطئين بحكمهم وأن محفوظاً تأخر في نيل الجائزة .

وما أذكره أن محفوظاً قال عندما عرف بفوزه إن من كان يستحق الجائزة هم أساتذتنا وفي مقدمتهم طه حسين وتوفيق الحكيم وأضاف بعد ذلك يحيى حقي .

- في عام 2008 قلت إن الرواية النسوية طالعة بقوة، هل تميز بين الأعمال الإبداعية بالنظر إلى جنس أصحابها؟

- أنا أؤكد مجدداً أن الكتابة النسوية تتقدم بخطى واسعة، وتتميز بأساليب فنية مميزة وبلغة تصويرية وخيال عارم وخصيب، ولذلك أتصور أن هذا يمثل ملامح جديدة للأدب العربي، فهو لا يمكن أن يكون أدباً ذكورياً، والمرأة قادرة على التعبير مثل الرجل، ويبقى الاختلاف قائماً على أساس العمر والخبرة، وعندما تمارس المرأة عملها بتدفق واستمرار سوف تنتج أعمالاً تلفت أنظار العالم، وهنا أمثلة كثيرة على أسماء تمثل الكتابة النسوية المتقدمة مثل رضوى عاشور وأحلام مستغانمي وكثيرات من جميع أنحاء الوطن العربي، ومن الضرورة أن أشير هنا إلى أنني عندما ذكرت لفظ الكتابة النسوية كنت أقصد تمييز كتابة المرأة عن الرجل، بحكم أن كتابة المرأة جديدة زمنياً، ولكن لا يجب الاستمرار في هذا التوصيف، لأن الكتابة ليس لها صفة جنسية من حيث المرأة أو الرجل والتمييز دائماً يكون في تحديد الهوية والملامح وليس من باب التمييز في الجنس .

لك عشرات الأعمال في حقل الرواية والقصة وأدب الطفل والنقد وغيرها، وقد نلت الكثير من الجوائز المهمة وآخرها جائزة الدولة التقديرية في الآداب في العام ،2010 هل أنصفت الجائزة المشروع الأدبي لفؤاد قنديل؟

- لا، لأني لا أنتظر أن أنصف من الجوائز أو النقد أو الدولة بل من القراء، لأن الجائزة الحقيقية تمنح من القارئ، وفرحتي الغامرة تكمن في مناقشة أو حتى مهاجمة العمل من قبل القارئ، سواء كان رأيه إيجابياً أم سلبياً . فالمسألة إذا تتعلق بكون القارئ هو الذي يصنع كاتبا، فلا يمكن أن يكون الواحد منا كاتباً من دون قراء .

قلت في إحدى الصحف إنك من أهم 10 روائيين مصريين، هل تؤكد اليوم هذا القول؟

- كان ذلك في صحيفة كويتية عندما قال لي المحرر إن أحد النقاد قال عني إني واحد من أهم عشرة كتاب مصريين، وفي حينها امتنعت عن التأكيد المباشر أو النفي، لأن ذلك هو رأي الناس بي، ولكن بالمقابل لا يمكن قول غير ذلك، ولا أريد هنا أن أتحدث عن نفسي ولكنها مسألة يقرها الواقع وإذا افترضنا أن صنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني وبهاء طاهر وخيري شلبي وإبراهيم عبدالمجيد وغيرهم هم من أهم الكتاب في مصر فلا بد أنني أيضاً واحد من هؤلاء من حيث الانتاج والعمر والجوائز والحضور والدراسات الأكاديمية .

ماذا ننتظر من فؤاد قنديل في المستقبل القريب؟

- كنت أعمل على رواية قبل الثورة ثم توقفت عن العمل بها، لأني متفرغ لمتابعة أحوال الأمة، والرواية على وجه الخصوص تحتاج إلى تركيز كبير وصفاء ذهن لمدة طويلة وهذا لا يتوفر الآن في مصر، ولكني كتبت مجموعة قصص قصيرة خرجت منذ أيام عن ثورة يناير، بعنوان ميلاد في التحرير وهذا العنوان له ثلاث دلالات الأولى تتعلق باسم بطل إحدى القصص الذي منحته اسم ميلاد وهو عالم مصري يعمل في وكالة فضاء أمريكية عاد إلى مصر ليشهد بنفسه أحداث الثورة، والثانية تتعلق بامرأة تلد في ميدان التحرير بجوار دبابة، والثالثة تشير إلى رمزية ميلاد مصر الجديدة في ميدان التحرير.