كان حظه من حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديره عظيماً، وكان عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول: إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوّام .

وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً طلحة والزبير جاراي في الجنة، يقصد صلوات الله وسلامه عليه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، ولذلك لا يأتى ذكر أحدهما إلا ويذكر معه الآخر، فقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين طلحة والزبير .

وطلحة والزبير يجتمعان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرابة والنسب، ويجتمع طلحة في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب، وأما الزبير، فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاب، كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة، فالتماثل بينهما كبير، في النشأة، في الثراء، في السخاء، في قوة الدين، في روعة الشجاعة، وكلاهما من المسلمين المبكرين بإسلامهم، ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجنة، ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل إليهم عمر اختيار الخليفة من بعده، وحتى مصيرهما كان كامل التماثل، بل كان مصيراً واحداً .

والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد (594م) . ولد سنة 28 قبل الهجرة، وأسلم وعمره خمس عشرة سنة، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، تزوج أسماء بنت أبي بكر . وكان خفيف اللحية أسمر اللون، كثير الشعر، طويلاً . وهو من السبعة الأوائل في الإسلام .

الفتى الصلب

اهتدى الزبير إلى الدين الحق وهو في صباه وكان عمره خمسة عشر عاماً، وقد نال بسبب ذلك أذى كثيراً، فعلى الرغم من شرفه في قومه إلا أنه حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها . وكان يتولى تعذيبه عمه الذي كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه وهو تحت وطأة العذاب: اكفر برب محمد، ادرأ عنك العذاب، فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غضّ العظام، في تحدّ رهيب: لا، والله لا أعود لكفر أبدا .

شهد الزبير غزوة بدر الكبرى وجميع غزوات الرسول، وكان ممن بعثهم عمر بن الخطاب بمدد إلى عمرو بن العاص في فتح مصر، وقد ساعد ذلك المسلمين كثيراً لما في شخصيته من الشجاعة والحزم . ولما قتل عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة كان الزبير من الستة أصحاب الشورى الذين عهد عمر إلى أحدهم بشؤون الخلافة من بعده .

وكان الزبير فارساً مقداماً منذ صباه . حتى إن المؤرخين يذكرون أن أول سيف شهر في الإسلام كان سيف الزبير، ففي الأيام الأولى للإسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم سرت إشاعة ذات يوم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل، فما كان من الزبير إلا أن استلّ سيفه، وسار في شوارع مكة، على حداثة سنه كالإعصار .

ذهب أولا يتبيّن الخبر، معتزماً إن صح ما سمعه أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفر بهم أو يظفروا به، وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به؟ فأنهى إليه الزبير النبأ، فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب .

رمز الشرف والكرامة

ومن كثرة الغزوات والمعارك وحروب الحق التي خاضها الزبير أصابه الأذى في بدنه، ولكنه كان دائماً يفتخر بما في جسده من إصابات ويعتبرها رمز الشرف والكرامة، وأوسمة تحكي بطولاته وأمجاده .

يقول أحد الصحابة الذين كانوا يرافقونه في أسفاره: صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وإن في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي .

فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط .

فقال لي: أم والله ما منها جراحة إلا مع رسول الله وفي سبيل الله .

وفي غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا إلى مكة ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكرون في الرجوع إلى المدينة واستئناف القتال .

وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشاً منتصراً فإن اللياقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق إبراز قوتها، ما هي إلا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فواصلت قريش سيرها، وأسرعت خطاها إلى مكة . ويوم اليرموك كان الزبير جيشاً وحده، فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كانوا على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح: الله أكبر، واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضارباً بسيفه .

ثقة بالنفس

وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل في اعتماده التام على نفسه، وفي ثقته التامة بها فلو كان يشاركه في القتال مئة ألف، لرأيته يقاتل وحده في المعركة، وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده، وكان يتميز كمقاتل، بالثبات، وقوة الأعصاب . وقد رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد مثّل المشركون بجثمانه في قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر إلا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهي الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه .

وحين طال حصار بني قريظة من دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم، ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن، وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما إنزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين . ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوازن وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة، واقفاً وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكان الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة .

أبناء بأسماء الشهداء

كان الزبير رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله، وكان يقول: إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون .

لذلك سمى ولده الأكبر، عبدالله تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش، وسمى ولده المنذر تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو، وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو، وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب، وسمّى جعفر، تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب، وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير، وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد . وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء . راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء .

في يوم الجمل، كانت نهاية الزبير، فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال مع على بن أبي طالب وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر، ويدعى عمرو بن جرموز، وهو بين يدي ربه يصلي، وذهب القاتل إلى الإمام علي يظن أنه يحمل إليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه، بعد اقتراف جريمته .

لكن عليّا حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلاً: بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار . وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الإمام وأمعن بالبكاء وهو يقول: سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله، تحيّة للشهيد البطل الزبير بن العوام جار رسول الله في الجنة .