إعداد:محمد هاني عطوي

تمكن فيزيائيون من توفير مجموعة من الظروف التي يبدو فيها، أن الزمن يعود فيها إلى الوراء، في حين أنه من الواضح بالنسبة لنا أن سهمه يشير فقط إلى المستقبل.
على الأرض، نحن نفهم الزمن بشكله أحادي الاتجاه بمعنى أننا نكبر، ويكون لدينا ذكريات للماضي، ولا فكرة لدينا ما سيكون عليه المستقبل، أي ما هو أمامنا. ومع ذلك لا يوجد قانون فيزيائي يؤكد أن الزمن يسير فقط نحو الأمام، لكن البعض يعتقد أن الزمن في الواقع، يسير في اتجاهين.
ما زال الفيزيائيون يبذلون الكثير من الجهد لإثبات هذا الأمر، فمفهوم الزمن هو أمر شخصي للبشر وهم يقاربونه فقط بطريقة تفترض أن الأرض مسطحة. ودرس العديد من الفيزيائيين هذه المسألة وأرادوا التشكيك فيها للتحقق من أو دحض فكرة «تقدم» الزمن في اتجاه واحد. وقد اعتمد الكثيرون على مفهوم الإنتروبيا، أي درجة الاضطراب الجزيئي لنظام ما، لشرح تدفق أو مرور الزمن. وإذا كان الفيزيائيون يعملون في مجموعتين متميزتين لتأسيس أصل لهذا الاتجاه للزمن، إلا أنهم كلهم يتلاقون عند نفس الفكرة، وهي أن الزمن يتدفق فعلاً في اتجاهين.
ومن الضروري كي نفهم أن نعود إلى الانفجار الكبير الذي ظهر بسببه الكون قبل 14 مليار سنة تقريباً. وفقاً للعلماء المتخصصين، ولّد هذا الانفجار كوناً مرآة، بحيث أن الزمن يتدفق في الاتجاه المعاكس. لكن من وجهة نظرنا نحن البشر، فإن الزمن في هذا الكون الموازي يعود للوراء بمعنى أن مفهوم الزمان هو الذي يعود للوراء.
تم نشر النموذج الأول الذي يعرض هذه النظرية قبل عام، في مجلة رسائل المراجعة الفيزيائية. ويقول النموذج إن أحد المبادئ الأساسية لقانون نيوتن للجاذبية هو الذي خلق مسألة التدفق أحادي الاتجاه للزمن. وأصحاب هذه الفرضية هم: الفيزيائي جوليان بربور، وكوسلوسكي وميركاتي، وهم باحثون في جامعة أكسفورد، ونيو برونزويك ومعهد المحيط للفيزياء النظرية. ويعتقد هؤلاء أنه في أي نظام مكون من الجسيمات ( كون مستقل مثل كوننا مثلاً ) تولّد الجاذبية نقطة انطلاق تكون عندها المسافة بين الجسيمات في حدها الأدنى، أي أنه عندما تتباعد الجسيمات عن بعضها، فإنها تفعل ذلك في اتجاهين زمنيين مختلفين وإذا كانت هذه النظرية صحيحة، فهناك كون آخر على الجانب الآخر من الانفجار الكبير؛ حيث يتدفق فيه الزمن في الاتجاه المعاكس لزمننا. «ولقد قام بربور وزملاؤه، من أجل توضيح نظريتهم، بإنشاء نموذج مبسط من 1000 جسيم لإثبات هذه الازدواجية في التوسع، وحيث تولد الجاذبية بنية ثنائية الاتجاه.
لكن يرى الفيزيائي ميركاتي أن مثل هذه الأنظمة تتلاقى بالضرورة وتميل إلى الابتعاد عن المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينشئ مبدأ عدم انعكاسية الظواهر الفيزيائية ويدخل حالة الإنتروبيا المذكورة أعلاه. ويضيف ميركاتي أيضاً، أن هذا الاضطراب الابتدائي، هو الذي يحدد تصورنا الفردي لاتجاه الزمن.
والحقيقة أن التفكير في مزيج من بعض المواد الكيماوية مثل: الكلوروفورم والأسيتون للبحث عن أدلة حول الزمن وتدفقه، قد يبدو غريباً جداً. ولكن الباحثين استخدموا مثل هذا المزيج لإيجاد الظروف التي يبدو فيها أن الزمن في بعض الحالات يعود إلى الوراء...
هذا البحث لن يسمح لنا بالسفر عبر الزمن كما يحدث في أفلام الخيال العلمي، ولكن يمكننا من فهم لماذا يبدو الكون «عالقاً» في هذا التدفق الزمني في اتجاه واحد. التجربة الأخيرة أجريت على يد فريق دولي من الفيزيائيين الذين ركزوا على سمة رئيسية نستخدمها في كثير من الأحيان لتحديد الزمن وهي حركة الطاقة.
وبشكل فطري أو حدسي، يعتبر الزمن فكرة بسيطة يسهل فهمها، فعلى سبيل المثال، يمكننا على أصغر المستويات، عكس الصيغة التي تصف حركات الجسيمات والتفاعلات فيما بينها. وهنا يأتي التساؤل: لماذا لا يتأرجح الزمن؟ أحد عناصر الإجابة يكمن في ما يسمى بالانتروبيا، ففي نظام ما لا يمكن الحصول فيه على طاقة من الخارج، مثل الكون، تميل العناصر للانتقال من حالة منتظمة إلى حالة غير منتظمة، مما يعطي الأنظمة على النطاق الواسع، تحيزاً نحو طريقة توزيع الطاقة.
ولو أردنا التعبير عن ذلك بقوانين الديناميكا الحرارية، فهذا يعني أنه لا يمكنك وضع جسم ساخن في غرفة باردة وتتوقع أن تبرد الغرفة، أو يصبح الجسم أكثر دفئاً فالعناصر الساخنة تميل إلى البرودة. وحتى ولو كان ذلك لا يفسر بالضبط لماذا وكيف يوجد الزمن، إلاّ أن الديناميكا الحرارية تقدم لنا على الأقل اتجاهاً واحداً يجب استكشافه.
فقد أظهرت تجارب مختلفة أنه حتى على المستوى الكمومي، تتصرف الجسيمات عموماً بطريقة تعتمد على ظروف البداية الأولية. وبعبارة أخرى، إنها «تتقدم».
ولكن هل هناك حدود لهذا التعميم؟ على ما يبدو نعم، وعلى الأقل وفقاً لنتائج التجربة الجديدة. فقد فحص الفريق العلمي الكلوروفورم، وهو جزيء مكون من ذرة كربون مرتبطة بذرة هيدروجين وثلاث ذرات كلور واستخدموا مجالاً مغناطيسياً قوياً من أجل اصطفاف نوى ذرات الكربون الهيدروجين، عندما تم تعليق الجزيئات في الأسيتون، ثم عملوا على التلاعب بخاصية واحدة لهذه الجزيئات تسمى الغزل أو الدوران السريع. وهذا ما سمح لهم «بالاستماع» إلى سلوك الجزيئات بينما كانت تسخن النوى ببطء باستخدام الرنين المغناطيسي النووي.
ووفقاً لقواعد الزمن، فإنه ومع ارتفاع درجات حرارة النواة؛ فإنها يجب أن تنقل حركاتها العشوائية إلى الجزيئات الأكثر برودة حتى تصبح لها نفس درجة الحرارة على حد سواء، وهو تغيير يعتبر سمة يمكن التعرف عليها من خلال حالات الطاقة المتتابعة لكل منها.
هذا بالضبط ما يحدث في الظروف العادية، ولكن الباحثين اكتشفوا استثناء بسيطاً ولكنه مثير للاهتمام، عندما كانت الجسيمات في حالة ارتباط. هذا يعني أن بعض الاحتمالات تصبح عن بُعد غير ممكنة معاً، بسبب التفاعلات السابقة، وذلك كنسخة أقل تعقيداً من التشابك الكمومي (ظاهرة كَمّية ترتبط فيها الجسيمات الكميّة مثل الفوتونات والإلكترونات والجزيئات ببعضها، رغم وجود مسافات كبيرة تفصل بينها مما يقود إلى ارتباطات في الخواص الفيزيائية المقيسة لهذه الجسيمات).
وأظهرت العلاقة بين الجسيمات فرقاً كبيراً في كيفية تقاسم الطاقة بين الأجسام: فقد أصبحت جسيمات الهيدروجين الساخنة أكثر سخونة، في حين أصبحت شريكاتها الكربونية الباردة المتشابكة أكثر برودة. وبعبارة أخرى، كشفت الدراسة عن مكافئ حراري للانعكاس الزمني في جزء صغير من الكون. ويشرح الباحثون هذا الأمر بالقول: شاهدنا تدفقاً حرارياً عفوياً ينطلق من النظام البارد إلى النظام الساخن».
تم نشر البحث على موقع arXiv.org. ويتعين علينا أن ننتظر مراجعة هذه الدراسة من قبل باحثين آخرين. وعلى الرغم من أن هذا العمل اقتصر على نطاق صغير جداً، لكنه أثبت أن سهم الزمن ليس مطلقاً. وتقدم التجربة أيضاً تفاصيل واعدة حول المجالات التي تتضافر فيها ميكانيكا الكمّ والديناميكا الحرارية. ومن الناحية العملية، أظهرت التجربة أيضاً كيف يمكن توجيه الحرارة بطريقة غريبة باستخدام قواعد الفيزياء الكمّ، وهو ما يمكن أن يكون له تطبيقات تقنية مثيرة للاهتمام بعد ذلك.