هل ظهرت كاسيات البذور الأولى، أو «النباتات المزهرة» في الماء أولاً، أم على اليابسة؟ الرواسب القديمة التي عثر عليها الباحثون في إسبانيا التي يصل عمرها لنحو 130 مليون سنة، تحوي آلاف المتحجرات النباتية المحفوظة تماماً لنباتات مزهرة مسماة علمياً vidalii«»Montsechia، والتي تعني «البذور في وعاء»، أي التي تطور البذور بمعزل عن الثمرة، وهي ظهرت بعد عاريات البذور، ثم استعمرت الكوكب بأسره.
ويعتقد الباحثون أن هذه النبتة المزهرة عاشت في زمن الإغوانادون، وهو جنس من الديناصورات طيرية الورك، والبراكيوصور، وهو ديناصور من أحد فصائل الصوروبودا وكان يعيش خلال العصر الجوراسي المتأخر، قبل 155.6 إلى 145.5 مليون عام، في أمريكا الشمالية.
وهذه النبتة المتأحفرة التي اكتشفت قبل أكثر من قرن في بقايا طمية في سلسلة الجبال الأيبيرية، في وسط إسبانيا وجبال البرانس قرب الحدود الفرنسية، والتي لم تصنف حينها بأنها من كاسيات البذور، بل وصفت أنها بتلات أو هياكل أخرى تنتج الرحيق، ربما تكون من أقدم النباتات المزهرة التي لم تدرس قبل أي وقت مضى، ولذا فهي تضع العلماء أمام فتح علمي جديد لأنها توفر لهم عناصر جديدة جداً لم يسبق لها مثيل بخصوص ظهورها الأول في الطبيعة.
الفريق العلمي المكون من الباحث ديفيد ديلشر من جامعة إنديانا الأمريكية، والباحث برنار جوميز، المتخصص في علم الحفريات النباتية في جامعة ليون الفرنسية، وفيرونيكا دافييرو غوميز من جامعة ليون، وكليمون كوافار من متحف برلين بألمانيا، وكارليس مارتن كلوزاس من جامعة برشلونة بإسبانيا، نجح في استخراج ثمرة لا تزال تؤوي داخلها بذور هذه النبتة المتأحفرة.
ووجد الفريق، الذي تستند استنتاجاته إلى تحليل أكثر من 1000 حفرية باستخدام المجهر الإلكتروني، أوجه تشابه قوية مع «cératophylle» أي نبتة الشمبلان المغمور التي تزين مرابي الحيوانات المائية اليوم، وهي نوع نباتي يتبع جنس الشمبلان من الفصيلة الشمبلانية وموطنها بلاد الشام ومصر والمغرب العربي ومعظم مناطق أوروبا. هذا النبات المائي يشبه ذيل الثعلب، ويتلون باللون الأحمر على فترات من حياته بشرط توافر الماء النظيف، وله براعم تفصل نفسها ثم تغوص في القاع لتعطي نباتات جديدة.
يقول ديفيد ديلشر، الأستاذ الفخري في قسم العلوم الجيولوجية في جامعة إنديانا: «هذا الاكتشاف يثير قضايا مهمة بشأن تاريخ تطور النباتات المزهرة». ووفقاً لجوميز فإن حفر «vidalii Montsechia» التي أسيء فهمها وحُللت بشكل سيئ في البحوث السابقة، تنتمي بالفعل لكاسيات البذور التي عاشت تحت سطح البحيرات بضعة ملايين من السنين ونمت بكثرة في بحيرات المياه العذبة، حيث إنه من المحتمل أنها كانت تتكاثر تحت سطح الماء قبل أن تظهر أقدم الأنواع المعروفة حتى الآن وهي (سينينسيس أركافركتس) التي اكتشفت حفرياتها في الصين.
ويشير جوميز إلى أن «vidalii Montsechiaلا تمكننا من أن نستنتج بأن كاسيات البذور نشأت في الماء، لأنها ليست من دون شك أول النبتات الزهرية. ويوضح أنه طالما أن النوعين القديمين عاشا في وسط بحيري فهذا يعني أن الماء لعب في وقت مبكراً جداً دوراً رئيسياً في تنوع هذه المجموعة النباتية.
من جهته، يرى دونالد، أستاذ علم البيئة وعلم الأحياء في جامعة كونيتيكت، ومؤلف افتتاحية تتعلق بالاكتشاف الجديد الذي نشر في محاضرات الأكاديمية الوطنية للعلوم «PNAS» أن الكشف الجديد يلقي ضوءاً جديداً ومذهلاً على سر بيولوجيا النبات.