حين تكتمل أمامك وقائع ما جرى منذ لحظة زواجه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد وحتى لحظة فتح مكة، تعرف أن العناية الربانية وحدها، هي التي اختارتها لتكون حيث كانت إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، زوجاً وحبيبة وشريكة حياة، وفوق ذلك وبعده، كانت هي أول من آمن بالله ورسوله، وصدّق بما جاء به، خفف الله بها عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه، وتكذيب له فيحزنه، إلا فرّج الله عنه بها، إذا رجع إليها تُثبته، وتخفف عنه، وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس، وآنسته، وآزرته، وواسته بنفسها ومالها في وقت كان في أشد الاحتياج لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة، فكانت نعم العون، ونعم الشريكة رضي الله عنها وأرضاها.

لو حاولت أن تختصر الصفات الضرورية لزوجة رجل له صفات المحامد كلها، لاختصرتها في زوجة بمواصفات خديجة بنت خويلد، ولو اطلعت على قلوب النساء جميعاً، لاخترت خديجة بنت خويلد لتكون الصديقة الأولى في حياة نبي كذبه قومه، وعادوه، وحاربوه، وحاصروه وأهله وعشيرته والمؤمنون به جميعاً في شعاب مكة.

ولو وضعت قائمة بحاجات النبي صلى الله عليه وسلم ساعة بُشر بالنبوة، ومن يوم أمر بتبليغ رسالة ربه الى الناس، حتى ما قبل هجرته من مكة، فلن تجد شيئاً أفضل مما وفرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين خديجة بنت خويلد، ولو فكرت في أي بديل يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يفي بما وفت به خديجة بنت خويلد فلن تجد لها بديلا.

توافق المقادير

عرفته بما كان يعرفه قومها جميعاً، فقد كان معروفاً بينهم بالسيرة الحسنة، والأخلاق المحمودة، فكان من توفيق الله لها أن اختارته ليتجر في مالها، وخبرته خُلقاً وخَلقْاً لما عمل لها في تجارتها، فكان فوق حسن الظن به، وربح ضعف ما كان غيره يربح، التقت قبله بكثير من سادة قريش الذين أوفدتهم في تجارتها، وسعى إلى الزواج منها كثيرون منهم، فقد كانت امرأة شريفة، بل أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وكانت ذا مال، بل أكثرهن مالاً، وكانت تتاجر بمثل ما تتاجر فيه قريش كلها، ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، وكان منهم من قد طلبها وبذل لها الأموال، ولكنها بدت وكأنها تنتظر قدرها مع أعظم ما يمكن أن يكون لامرأة من قدر، فقد اصطفاها الله لتكون زوجة خاتم الأنبياء والمرسلين، في أهم وأخطر وأدق مراحل عمره وعمر الرسالة التي حمل أمانة تبليغها إلى الناس كافة.

كان يدعى في الجاهلية الصادق الأمين، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، والتقى قدرها مع قدره صلى الله عليه وسلم، وكانت أول امْرَأة يتزوج بها، رغبت فيه لقرابته منها، وشرفه في قومه، وأمانته عندهم، وحسن خلقه، وصدق حديثه، اختارت الفقير اليتيم المعدم، ورفضت كل من تقدموا لها بأموالهم لترضى بهم، ولم تكن تدري أنها على موعد لتكون زوجة نبي الله إلى العالمين.

أرسلت إليه وعرضت عليه الخروج في مالها تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، ولكي تجري المقادير على ما قدر لها رب العالمين قبل ذلك منها صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها إلى الشام، وبعثت معه غلامها ميسرة، وتقول بعض الروايات إنه صلى الله عليه وسلم نزل في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال ميسرة: هذا الرجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وأسرها ميسرة في نفسه، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد، ولما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر.

وأخبرها ميسرة عن كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وصفاته المتميزة التي وجدها فيه أثناء الرحلة، فرغبت في الزواج منه، فوقع في نفسها أن تطلبه لنفسها، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه تفاتحه بأن يتزوج خديجة، قالت: يا محمد، ما يمنعك أن تزوج؟

فقال: ما بيدي ما أتزوج به.

قالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟

قال: فمن هي؟

قالت: خديجة.

قال: وكيف بذلك؟

قالت: عليّ.

قال: وأنا أفعل.

كانت مقاديرهما قد توافقت، وذهبت رسول خديجة إليها لتخبرها بموافقة محمد، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، وقيل إن الذي أنكحه إياها أبوها خويلد، فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته، فتزوجها، لتولد على صفحة الزمن زيجة ربانية، وليقدما معاً حياة زوجية هي الأروع، وكأن الله خلقهما أنموذجاً للتفاهم والحب والتساند والعشرة الطيبة، نموذج تأتم به الدنيا كلها، ويأتم به كل من أراد الزواج الصالح والناجح بتوفيق من الله.

بيت في الجنة

أقامت معه صلى الله عليه وسلم أربعاً وعشرين سنة، قريباً من ربع قرن أمضاها النبي مع الزوجة الطاهرة، وهي الفترة الأطول من بين زوجاته جميعاً، لم يجمع معها امرأة قط، وذاقا معاً حلو الحياة ومرها، وكانت فيها نعم الزوجة، ونعم الأنيس ونعم النصير.

ولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولده كلهم قبل أن ينزل عليه الوحي: زينب، وأم كُلْثُوم، وفاطِمَة، ورقية، والقاسم وكان يكنى به، وعبدالله وكان يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ماتا قبل الإسلام، وأدركت بناته الإسلام، وهاجرن معه واتبعنه وآمنّ به.

وكانت هي أول من صدقته، وآزرته ونصرته في أحلك اللحظات التي قلما تجد فيها نصيراً أو مؤازرا أو معينا، في أول لحظات الرسالة، وكانت أول من صلى بعده، أراه جبريل عليه السلام كيف يتوضأ وكيف يصلي، فجاء إليها فأخبرها، فقالت: أرني كيف أراك، فأراها، فتوضأت كما توضأ، ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول الله، فكانت أول خلق الله إيماناً به وتصديقاً له، لم يتقدمها رجلٌ ولا امْرَأة.

آمنت بربها، وهدتها فطرتها السليمة إلى تصديق زوجها، وهداها ربها إلى تثبيت قلب النبي ساعة بشر بالنبوة، وكانت ساعة ثقيلة على قلبه صلى الله عليه وسلم، وبشّرها ربها ببيت في الجنة، وكانت قد خرجت تلتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة ومعها غذاؤه، فلقيها جبريل في صورة رجل فسألها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهابته، وخشيت على النبي، وأخبر جبريل النبي قال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، وانظر إليها ترد على البديهة ملهمة فتقول: الله هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.

وقد علت بها همتها وسمت بها منزلتها لتتشارك في لقب (خير نساء العالمين) مع مَرْيَم بِنْت عُمران أم المسيح، وآسية بِنْت مزاحم امْرَأة فرعون، وبِنْتها فاطمة بنت مُحَمد صلّى الله عليه وسلّم.

ومن حسن تبعلها لزوجها الحبيب أنها رأت ميله إلى زيد بن حارثة بعد أن صار في ملكها فوهبته له صلى الله عليه وسلم، وانظر إليها كيف تستقبل حليمة السعدية حين وفدت إليهم بعد زواج النبي بها، فتحسن ضيافتها، ولما أزمعت حليمة العودة إلى ديارها تقدم لها خديجة هدية كريمة إكراما لها وحبا لزوجها، وكانت الهدية أربعين رأساً من الغنم وبعير.

أهل لكل وفاء

عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ثلاث عشرة سنة، تزوج في خلالها خمس سيدات قرشيات، وأربع عربيات، وواحدة غير عربية من بني إسرائيل، ولكنه كان لا يفتأ يذكر أول النساء في حياته، وأم أولاده، التي رزق حبها، ولم يتزوج عليها في حياتها.

ظل صلى الله عليه وسلم يتذكرها طول الوقت، ولم يكن يسأم من الثناء عليها والاستغفار لها، تقول السيدة عائشة: ما غِرتُ على أحد من أزواج النبِيّ ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها، وإن كان مما تذبح الشاة يتّبع بها صدائق خديجة، فيهديها لهنّ، فتقول له عائشة مغضبة: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول صلى الله عليه وسلم: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد.

واشتدت الغيرة يوماً بأم المؤمنين عائشة من تكرار ذكر خديجة على لسان النبي بالثناء، تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام، فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها، تقول: فغضب صلى الله عليه وسلم حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء.

وفي رواية: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً سقط في جلدي، فقلت في نفسي: اللهم إنك إن أذهبت عني غضب رسول الله لم أذكرها بسوء ما بقيت.

وقد وصل من وفائه صلى الله عليه وسلم لها أنه تعاهد بالبر لأصدقائها بعد وفاتها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء قال: اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة. وتروي عائشة أن عجوزاً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله، تُقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.

كان الوفاء خلقه، وكانت هي أهل لكل وفاء، ومن أعظم الوفاء لها أنه في العام الثامن للهجرة، وكان قد مضى على وفاتها أكثر من عشر سنوات، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب له قبة القيادة بالحجون بالقرب من قبر المرأة التي كانت أول من آمن به وصدقت بنبوته وآزرته في دعوته حتى النفس الأخير لها في الحياة.