تلجأ بعض الفتيات المغتربات إلى السكن المشترك كحل لخفض تكلفة الإيجار والتقليل من النفقات المعيشية أمام الدخل المحدود والظروف الصعبة . ولأنه قد تنشب خلافات بين أفراد العائلة الواحدة المنتمين إلى العادات والتقاليد والتربية نفسها، فمع اختلاف الجنسيات والعادات والتوجهات الحياتية لكل فتاة تطرح أسئلة عن كيفية التعايش، وهل ستخلق هذه الأجواء توافقاً وانسجاماً بينهن أم مزيداً من الصراعات والخلافات؟
مغتربات مقيمات في الإمارات في سكن مشترك تحدثن عن أبرز الهموم والصعوبات التي تواجههن، وكيفية التأقلم مع تحديات الواقع وقسوة الظروف وطموحاتهن وأحلامهن .
ليلى، موظفة في الأنصاري للصرافة، عربية الجنسية، تشير إلى سبب اغترابها قائلة: صديقة أمي أشعلت شرارة الاغتراب لدي في حديث عابر، بعدها جاء قراري من دون تخطيط ولامعرفة مسبقة بوضع البلد التي سوف أقصدها، ولكنني كنت أسمع عن التطور والانفتاح وفرص العمل في الإمارات، ومع أنني من عائلة ميسورة الحال لكن رغم ذلك سافرت، وأقمت في سكن مشترك مع فتيات من جنسيات مختلفة ودخلت في معترك جديد ومتعب إلى حد ما، وجدت اختلافاً في التربية والتفكير والمستوى الثقافي والاهتمامات، ولكن في المقابل مع الاحتكاك المباشر مع الفتيات اكتسبت عادات وثقافات جديدة، وحياتي مملوءة بالتحدي والإصرار لإثبات الذات والتغلب على العقبات أياً كان نوعها .
تقول فاطمة، بائعة في مركز الفردان في الشارقة: أقمت في مسكن يضم مغتربات من جنسيات عربية، وهنا تكمن الصعوبة خاصة أنني أميل بطبعي إلى الهدوء وصعوبة الاندماج المباشر مع الغير . وجدت نفسي أمام امتحان صعب وفرق واضح ما بين إقامتي في ظل أهلي والوضع المعيشي الجديد، الذي يفرض حدوداً وقيوداً على تصرفاتي، فمثلاً في بيتي أستطيع التحكم في صوت التلفاز، لكن مع وجود أخريات يختلف الأمر، لذا لم أتأقلم بسهولة وفضلت العزلة، ومع الوقت وجدت من بينهن فتاة من جنسية عربية أشاورها في أموري الحياتية في جو مملوء بالثقة والمحبة والتفاهم، ومع هذا تحصل خلافات ومشكلات مهما حافظت على حسن التصرف، وهذا ما حدث معي، إحداهن تجاوزت حدود اللباقة والخصوصية باستعمالها أغراضي الشخصية، وأخريات غير مباليات لايلتزمن بالنظافة والترتيب .
وتضيف: أطمح لإثبات ذاتي واكتساب الخبرة العملية في مجتمع مملوء بالضغوط والتحديات، وأيضاً تكوين أسرة مستقرة، وبحكم غربتي أتقبل شريكاً ليس من جنسيتي الأهم أن يكون عربياً مسلماً يتفهم الحياة الزوجية .
تتحدث رشيدة، موظفة في أنصار مول، عن أجواء السكن المشترك قائلة: إقامة مشتركة تعني حرية مقيدة في الأمور الشخصية حتى على مستوى استقبال أو إجراء مكالمة هاتفية، وأيضاً الإزعاجات المتعمدة في وقت الراحة خاصة وقت النوم، باختصار التفاهم معدوم، لذلك أضطر إلى تحمل مضايقات الأخريات وهذه ضريبة الغربة . ومع كل المنغصات، أجد نفسي تعودت على حياة الاغتراب، ففي بلدي أشعر وكأنني غريبة، إضافة إلى حديث القال والقيل من قبل الأقارب والمتطفلين على تفاصيل دقيقة تجعلني أفضل خيار الغربة والابتعاد رغم كل الصعوبات .
هبة يوسف، صيدلانية، تعمل في شركة طبية في أبوظبي تقول: قدمت منذ 3 سنوات إلى الإمارات بحثاً عن فرصة عمل مناسبة وكانت بدايتي موفقة، تعرفت إلى فتاة من جنسية عربية جمعنا سكن مشترك، ولم أقابل أية صعوبات، بل على العكس التفاهم والاحترام والمودة كانت بيننا، لكن وجدت صعوبة في إيجاد عمل وذلك لأن أغلب الشركات الطبية في مجال اختصاصي تنظر إلى الخبرة أولاً ورخصة السواقة ثانياً، ولم يكن لدي الاثنتان إلى أن وجدت شركة توظفت فيها .
مفيدة موظفة في دبي مول فتاة عربية تتحدث عن كيفية قدومها إلى دبي قائلة: أجريت مقابلة عمل في بلدي لشركة تجارية عريقة مقرها في دبي ونجحت في المقابلة، لكنني كنت مترددة في السفر وحدي إلى مجتمع لا أعرف فيه أحداً لكن التشجيع كان من أفراد عائلتي بأن أذهب وأكتسب خبرة في الحياة . وبما أن السكن مضمون تتحمل نفقاته الشركة وضعوني مع فتاة أوروبية وكوني لم أجرب السكن المشترك، لذا في بداية الأمر لم أتمكن من التأقلم فانتقلت إلى سكن آخر، لكن مع هذا أحاول أن أتغلب على العقبات والسيطرة على الموقف، وأعمل جاهدة للوصول إلى مراتب عالية في عملي لأنني أتيت للعمل فقط وبناء مستقبل ناجح وبالطبع لا أحب الخسارة خاصة أمام نظرة المجتمع غير المحببة للفتاة المغتربة .
اسيات يونادام بائعة في مركز الميغامول فتاة عربية مغتربة تقول: لم يخطر ببالي الاغتراب لسنوات بعيداً عن بلدي وأهلي، أتيت إلى خالتي المقيمة في الإمارات وبعد فترة قصيرة أحسست برغبة في العمل، وخوض تجارب جديدة تزيد من خبرتي، ورغم أنني من عائلة لا تمانع بقراراتي لكن كما هي العادة في مجتمعاتنا العربية يحكمنا العيب، وماذا سيقول الناس عن فتاة اختارت الغربة إلخ . . ومع هذا عملت في وظيفة لم تكن مناسبة من حيث الراتب وانتقلت من سكن خالتي بحثاً عن خصوصية أكثر إلى سكن جمعني مع فتاة عربية، في البداية خلق هذا الوجود تفاهماً ومحبة وأصبحنا صديقتين لكن مع مرور الأيام، ولأنني أتصف بالصراحة الشديدة كانت تقابلني بتحفظ وكتمان على أمورها الشخصية، كأنني أنا الشيطان وهي الملاك أمام الآخرين، واكتشفت أنها تعاملني بحذر عكس معاملتي لها، ومن هنا قررت العيش بمفردي .
وتضيف: أطمح إلى تحقيق أمور عديدة، لكن في المقابل الواقع ليس وردياً والحياة ليست كما كنت أتخيلها بل أشعر بأن الصعوبات تزداد يوماً بعد آخر، وأنا الآن لا أعرف إلى أين أتجه، أنتظر الراتب فقط في نهاية الشهر لأسدد الديون التي تراكمت علي في الأشهر السابقة .
منى أحمد سيد موظفة في باريس غاليري عربية مغتربة تقول: وجود ابن أختي سهل علي موضوع السفر والإقامة في الإمارات حيث أعمل منذ 5 سنوات وبحكم قلة الرواتب وغلاء السكن أقمت في سكن مشترك مع فتيات من جنسيات مختلفة واكتسبت أموراً كثيرة من تعدد الثقافات والتعرف إلى اللهجات والعادات والأخلاق بكل بلد، ولكنني خرجت بنتيجة ألا وهي أن الخيانة عند الفتيات منتشرة خاصة إذا عرفت إحداهن معلومة شخصية عني تقوم باستغلالها ومضايقتي، وأحياناً تخنقني لحظات الغربة وأشعر بمرارتها وأفكر في العودة إلى بلدي .
وتضيف: لا أجد ما يجعلني أفكر بالمستقبل، فأنا منذ شهر فقط استطعت تحمل تكاليف مسكن خاص بعد 5 سنوات من العمل، فكيف لي أن أشتري سيارة مثلاً أو أفكر في مشروع تجاري، الموضوع معقد جداً، وفي النهاية مهما ابتعدت عن بلدي وتغربت، فإن الرجوع لا مفر منه .
أسماء مزهر موظفة في دبي مول تقول: استقدمتني شركة للعمل في دبي وأتيت من بلدي منذ حوالي 4 شهور لأعمل بائعة . لم يعترض أهلي كثيراً بسبب قلة توافر فرص العمل في بلدي . أقمت في سكن وخصصته الشركة واجتمعت مع فتيات عربيات وبالطبع بينهن فتيات مزعجات لا يحترمن الأخريات . لكن لي صديقة من جنسيتي متفاهمة معها ولم أستطع الانسجام مع الأخريات لذا قررت الانعزال .
وتقول بألم عن نظرة المجتمع: توجه أصابع الاتهام للمغتربة على أنها صيد سهل وهذا الأمر يشعرني بالحزن، وأيضاً محاولات التحرش والإساءة، وما أستطيع قوله إنني في امتحان صعب ومرهق للغاية .
تشير الباحثة والاستشارية النفسية إيمان عثمان إلى أن المرأة تملك قدرات الرجل على تحمل المسؤولية والعمل، بل هي أكثر صبراً ولكن تحت تجربة الاغتراب هناك من يفشل والعكس خاصة ممن يجتمعن في مسكن واحد .
وتقول: هذه الظاهرة في تزايد من محاولة لتوفير النفقات وظروف الدخل المحدود، وانعكاسات هذا النمط الحياتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى نشوب خلافات وصراعات بين الفتيات على استخدام الملاحق المستقلة كالمطبخ والحمامات وما يتبعه من شعور بفقدان الراحة والخصوصية، لذا تبقى الحاجات النفسية جوهر التكامل الروحي للفرد وبالتالي انعكاس نتائجه على الحياة اليومية فكما تقول نظرية ماسلو للحاجات النفسية إن كل إنسان يحتاج إلى تحقيق خمسة متطلبات وحاجات رئيسية، وهي الحاجة الفسيولوجية، والحاجة إلى الأمن والأمان، والحاجة إلى التقدير وتحقيق الذات، والحاجة إلى الحب والانتماء، والحاجة الاجتماعية . كما أنه بين أن النقص في الحاجات يؤثر في الإنسان في كل نواحي حياته ويؤدي إلى عدم نمو الفرد بشكل سليم نفسياً وبدنياً، ويصبح عرضة للقلق والمشكلات النفسية والاضطرابات الجسدية الناشئة عن اضطرابات عقلية أو عاطفية، مثل الضغط والسكر ومشكلات الجهاز الهضمي . . وتضيف: بالنسبة للمرأة فإن نقص بعض الحاجات النفسية خاصة الحاجة للأمن والتقدير والحب يصبح معول هدم، فالمرأة عندما تشعر أنها لم تعد قادرة على تحمل أي مسؤولية أو عندما تشعر أنها تعطي ولا تجد أي مقابل أو تقدير أو تفقد الحب والاستقرار، فإن هذه المرحلة تمثل منحى خطراً في حياة المرأة لأنها تفقد السيطرة على حياتها وتصبح عرضة للإحباط والاكتئاب ويصل الأمر عند البعض إلى العزلة والانطواء وتناول أدوية الاكتئاب في حين يتعرض البعض الآخر للفتن والانحلال الخلقي .