ومن مؤلفات ابن الأثير كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة ويقع في ستة أجزاء . ومما يؤخذ على ابن الأثير ركاكة عباراته وغموضها في كثير من الأحيان، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية مؤلفاته، التي تتميز بغزارة المادة التأريخية وعمق الفكرة ودقة البحث .
وهذا الكتاب مهد لظهور كتاب آخر في هذا الموضوع وهو كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لشهاب الدين بن جعفر العسقلاني (ت853 - 1449)، والذي عول على ابن الأثير في كثير من مادته .
ومن أشهر العلماء والمؤرخين الذين نعول عليهم في دراسة تأريخ وآثار ذلك العصر أيضاً: الجاحظ أبو سعد (ويقال أبو سعيد) عبد الكريم التميمي السمعاني المتوفى سنة 562ه . وقد ولد السمعاني بمدينة مرو حاضرة خراسان سنة 506هـ، وتبحر في الفقه والحديث والأنساب، وزار في سبيل طلب العلم كثيراً من البلدان، إذ رحل إلى بلاد ما وراء النهر وخراسان وإلى قومس والري وأصبهان وهمذان وبلاد الجبل والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد . ولقي في رحلاته كثيراً من العلماء، الذين أخذ عنهم وروى عنهم حتى قيل: إن عدد شيوخه قد نيف على الأربعة آلاف، ولو أن هذا الكلام يتسم بكثير من المبالغة .
وخلف لنا السمعاني كثيراً من الكتب نخص بالذكر منها: كتاب تذييل تأريخ بغداد للخطيب البغدادي ويقع في نحو خمسة عشر مجلداً كما خلف تأريخ مرو الذي يزيد على عشرين مجلداً، ولعل أشهر كتب السمعاني كتاب الأنساب ويقع في ثمانية مجلدات . ولخص ابن الأثير كتاب الأنساب للسمعاني في كتاب يعرف باسم اللباب في معرفة الأسباب .
وكان أبو سعد السمعاني من بيت علم ودين، فقد ظهر من هذا البيت كثير من العلماء والرؤساء . وكان أبوه محدثاً وفقيهاً وواحداً من العلماء الذين يعتد بهم .
ومن أشهر مؤرخي ذلك العصر نجم الدين عمارة اليمني، الذي نبغ في الشعر والفقه والتاريخ وقد أقصاه إخلاصه للفاطميين عن عطف الأيوبيين، وانتهت حياته الحافلة بشنقه في شهر رمضان سنة (569هـ - 1174م) لاتهامة بالاشتراك في التآمر لإعادة سلطان الفاطميين . ومن مؤلفات عمارة اليمني، كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية (باريس 1897) .
وكتاب تاريخ اليمن، وعليه المختصر المنقول من كتاب العبر لعبد الرحمن بن خلدون، ثم أخبار القرامطة باليمن تأليف القاضي البهاء الجندي (لندن 1309 هـ) .
فاتح العالم
أما عطا ملك الجويني (بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء) فقد وضع كتاب تأريخ جهان كشا أو تاريخ فاتح العالم (أي جنكيزخان) الذي يعتبر من أهم المصادر التي يعتمد عليها في تأريخ المغول . ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة أجزاء، يتناول الجزء الأول منها أصل المغول وغزوات جنكيزخان، والثاني يبحث في تأريخ ملوك خوارزم المعروفين باسم خوارزمشاه، والثالث يتحدث عن الحشاشين أو إسماعيلية قلعة ألموت وقهستان وحروب هولاكو معهم .
أما كتاب تاريخ دولة آل سلجوق، فهو من أهم المصادر التي يعتمد عليها في دراسة تأريخ السلاجقة . وقد ألف هذا الكتاب أنو شروان خالد بن محمد القاشاني وزير الخليفة المسترشد العباسي (512 - 529 هـ)، ثم ترجمه إلى العربية عماد الدين الأصفهاني (ت597ه)، الكاتب المشهور وصاحب كتاب خريدة القصر وجريدة العصر، ثم اختصر هذه الترجمة الفتح بن علي بن محمد البنداري (بضم الباء وسكون النون وكسر الراء) الأصفهاني في سنة (623هـ - 1226م) .
ويتناول مختصر البنداري في تأريخ آل سلجوق تراجم سلاطين السلاجقة وعلاقتهم بالخلفاء العباسيين في عهدهم، كما يبحث نشأة دول الأتابكة، ويتناول الوزراء وما قام به الإسماعيلية من الأعمال العدوانية ضد السنيين . ولخص البنداري كتاب الشاهنامة للفردوسي بأسلوب نثري . على أنه يؤخذ على كتاب تأريخ دولة آل سلجوق للبنداري ركاكة الأسلوب وغموضه وتعقيد المعاني في كثير من الأحيان .
ومن المصادر التاريخية باللغة الفارسية كتاب منهاج السراج للجوزجاني، وله أيضا كتاب طبقاتي ناصري . وولد سنة 590هـ (1193م) والتحق كأبيه وجده، بخدمة ملوك الغور .
وفي سنة 624هـ (1226م)، خرج الجوزجاني إلى الهند والتحق بخدمة السلطان ناصر الدين قباجة (بضم القاف)، وظل الجوزجاني في خدمته حتى انهزم بعد سنة، فالتحق بخدمة شمس الدين إيلتتمس الذي تغلب على قباجة، وأهدى كتابه منهاج السراج إلى ابنه ناصر الدين محمود .
ويشتمل كتاب طبقاتي ناصري على عشرين فصلاً تبدأ بالأنبياء والأولياء وتنتهي بغارة المغول، التي تناولها المؤلف بشيء من التفصيل الذي لا نجده في المراجع الأخرى . وطبع الكاتب تساولبز جزءاً من هذا الكتاب ترجمه رافيرتي في سلسلة مكتبة الهند . ويتناول هذا الجزء المطبوع الدول المتصلة بالهند، ويغفل كل ما له صلة بأمراء الطاهريين والصفاريين والسامانيين والديلم والسلاجقة والخوارزميين وغيرهم من الحكام، الذين كانت لدولهم أهمية خاصة لدى المعنيين بدراسة تأريخ إيران .