«الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته، ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه»
هذه الكلمات للمتصوف أبي القاسم الجنيد من كتاب «الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية» تأليف زين الدين محمد عبدالرؤوف المناوي.
كلمات الجنيد تنتمي إلى الأدب الصوفي الراقي، الذي يأخذنا إلى طريق الوصول للمحبة وسكينة القلوب والصفاء والطهر، والجنيد يوضح في كلماته البليغة، أن الزهد والتقشف ليسا كافيين ليصل المرء إلى محبة الله ما لم يقتد المسلم بالرسول الكريم ويسير في طريقه، باتباع السنة، وهو الطريق الذي يضم كل الخيرات والنفع، فاقتفاء أثر الرسول الكريم يعني التخلق بخلقه الذي هو القرآن.
يقول الجنيد مؤكداً فكرته: «من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة» فمهما وصل العلم بسالك إلى مكانة كبيرة فإن ذلك لا يسقط عنه واجب تدبر القرآن والتزام سنة النبي، فكلمات الجنيد تحمل أيضا إلى جانب التنوير والإرشاد والوعظ، تحذيراً شديداً للذين ظنوا أنهم بلغوا من العلم درجات تجعلهم يتركون كلام الله وسنة نبيه، ومن ذلك ما رواه أبو محمد الجريري: «سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله، فقال الجنيد: إن هذا قول قومٍ تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة».
اتجاه سديد
ولعل تحذير الجنيد يأتي ليعيد من ذهب بهم الشطط والشطح في التصوف كل مذهب، ليقول لهم: «إن الطريق القويم يبدأ بالقرآن واتباع السنة، ليس في ذلك زيغ ولا تبديل، وبهذه الكلمات التي تعبر عن اتجاه سديد في تمثل سنة النبي الكريم، فإن الصوفي الجنيد يطرح فلسفته الخاصة بالتصوف، فهو ليس بشيء خارج الشريعة الإسلامية، ولا خارج التعاليم التي جاء بها رسول العالمين، فلا شك أن التصوف عنده طريق يبدأ من حيث تنتهي الشريعة، ولا يقطع بأي حال من الأحوال معها، وإلا فإن ذلك الأمر يمثل بشكل واضح وصريح، خروجاً عن التعاليم الدينية الإسلامية التي تدعو للتسليم الكامل لله تعالى والأخذ بفرائضه وتجنب معاصيه، وقد سأل أحدهم الجنيد عن تبيان من هم أهل الحقائق من أهل العلم، فقال: «وأنا واصف لك - إن شاء الله تعالى- ما سألتَ عنه، من نعت أهل الحقائق من أهل العلم، والعاملين به، الصادقين في القصد إليه، المجتهدين في إقامة حقه، المريدين للعلم لما وجب عليهم منه، الذين لم تفتنهم فيما قصدوه أطماع الدنيا، فأهل العلم والحقائق عنده هم الذين صدقوا في الدين، وتركوا كل زائل من أجل مرضاة الله تعالى فذلك هو الطريق الحق».
ويعرفنا الجنيد في كلماته بمكانة السنة النبوية وسيرة الرسول الكريم في حياة الزاهد المتبتل المتطلع إلى الفيوض والأنوار الإلهية، فسيرة النبي محمد هي التي يقتدي بها السالك، فطريقه هو الرحمة والنور، وفيها تكمن الإشارات التي يلتقطها السالك، فيتدبر حياته بزاد عظيم من أقوال وأفعال النبي الكريم، وتشبهه بخلقه العظيم، فقد كان القدوة الحسنة والرسالة المهداة للعالمين، ومن أول سبل السالك في مجاهدة النفس ونهيها عن المعاصي، وتدريبها وتوطينها على الطاعات هو أن يقتفي ذلك الأثر العظيم، فيحسن خلقه، ويظهر أدبه، ويتجنب الأهواء ويزهد في مغانم الدنيا وما عند الناس، مكتفيا بما عند الله.
ويضع الجنيد مكانة مهمة للسنة النبوية وللاقتداء بالنبي في كل شيء، فهو ينتمي لمدرسة في التصوف تعلي من شأن الاقتداء بسيرة الرسول الكريم، وما جاء به من شرع من عند الله تعالى ليخرج الناس كافة من الظلمات إلى النور، ويشدد على أن الخاصة من الذين سلكوا طريق التصوف والمحبة ملزمون هم كذلك بهذا النهج، وهو يقول في ذلك: «دعا سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه إلى الشريعة الإسلامية الغراء، التي قوامها العدل والرحمة، وأساسها اتخاذ القدوة والاقتداء بالرسل والأنبياء، وبالصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم الجزاء والدين، اعتباراً بقصصهم واقتداء بها، في الثبات على الحق، والصبر على الأذى، ومواجهة الصعاب والأزمات، فالقدوة إذاً منهج تربوي متكامل وعظيم ربى عليه رسولنا الكريم أصحابه رضوان الله عليهم، مقدما بذلك أروع المثل وأصدقها في الصبر والتوكل على الله، واليقين في عطاء الله وقضائه وقدره»، ولعل كلمات الجنيد تؤسس بشكل كبير للسبيل الواجب اتباعه من قبل المريد والسالك، حتى يحفظ طريقه جيدا، ولا يزيغ عنه مهما أوتي من العلم والمعرفة، فما اكتسبه من المعارف وحقائق الأشياء هو بفضل من الله سبحانه وتعالى، وبسيره في طريق تمثل سنة نبيه عبر الاقتداء به، واستخراج العبر من سيرته وأخلاقه التي مدحها المولى عز وجل في قرآنه الكريم بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
حلاوة الإيمان
وفي السيرة النبوية دوحة دانية القطوف، عذبة الأنهار والمناهل، لمن أراد السير في طريق الله تعالى متقربا، مهيئا نفسه لحلول الأنوار والرضا والسكينة، فإذا ما بلغت النفس ذلك عبر اقتدائها وتدبرها لما كان عليه حال الرسول الكريم في حياته وطاعاته وعباداته، ذاقت حلاوة الإيمان والقرب فتنزلت عليها المعارف والحقائق من عند الله سبحانه وتعالى، وذلك يتطلب مزيداً من التقرب الذي لا ينقطع، بالعمل والطاعات، ولا سبيل للمسلم لترك ذلك مهما بلغ من العلم، ففي حياة الرسول وأقواله المثال الحي الذي يجب أن يتبعه السالك من أجل الوصول إلى مراتب رفيعة، وأنوار إلهية مجيدة.
والجنيد هو العالم الزاهد والقطب الصوفي، أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، البغدادي، ولد في بغداد سنة 221 هجرية، تلقى العلم وسمع الحديث من كبار أئمة وشيوخ عصره، وكان شديد الذكاء متفوقا في علومه، حتى أنه كان يفتي في حلقة أبي ثور الكلبي وهو في العشرين، كما عرف بالتقوى والتواضع وعفة اللسان والعزوف عن الدنيا، له العديد من المؤلفات والرسائل من أهمها: كتاب «رسائل الجنيد»، و«القصد إلى الله»، و«السر في أنفاس الصوفية»، و«دواء الأرواح»، و«دواء التفريط»، و«أدب المفتقر إلى الله» و«الفرق بين الإخلاص والصدق»، و«الفناء»، و«الميثاق» و«رسالة أبي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه»، و«رسالة في الايمان» و«صفة العاقل». وغيرها من المؤلفات التي وصلت إلى واحد وثلاثين عملاً، وقد لقب الجنيد بـ«شيخ العارفين»، نسبة لمكانته الكبيرة في التصوف، فهو من أبرز شيوخ وعلماء الصوفية، قال عنه الإمام الذهبي: «هُوَ شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ، وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ وَمئَتَيْنِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ، وَسَمِعَ مِنَ: السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، وَصَحِبَهُ، وَمِنَ الحَسَنِ بنِ عَرَفَةَ، وَصَحِبَ أَيْضاً: الحَارِثَ المُحَاسِبِيَّ، وَأَبَا حَمْزَةَ البَغْدَادِيَّ، وَأَتْقَنَ العِلْمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ، وَتَعَبَّدَ،. حَدَّثَ عَنْهُ: جَعْفَرٌ الخُلْدِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الجَرِيْرِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُبَيْشٍ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عِلْوَانَ »، وتوفي في عام 297 هجرية.