على خلاف ما كان يتم تقديمه من هذه النوعية كل عام، من عمل أو اثنين، سيجد المشاهد نفسه وهو في انتظار الدراما الرمضانية هذا العام، أمام عدد كبير من الأعمال التي يمكن أن يطلق عليها مجازاً دراما السيرة الذاتية إن صح التعبير .
هناك أكثر من عشرة أعمال مما يطلق عليها سيرة ذاتية تتنافس على مائدة رمضان المقبل، يناقش بعضها أحداثا تاريخية قديمة والبعض الآخر يتناول حياة شخصيات بارزة كان لها أثر كبير في حقب زمنية مختلفة، من بين هذه الأعمال مسلسل الملكة نازلي والدة الملك فاروق مع زوجها الملك أحمد فؤاد، حيث سيتم تقديم عملين عن هذه الشخصية، الأول تأليف الإعلامية راوية راشد عن نفس الكتاب الذي قامت بتأليفه بعنوان ملكة في المنفى وإخراج محمد زهير رجب، وتقوم ببطولته نادية الجندي، والثاني مأخوذ عن كتاب للصحافي صلاح عيسى بعنوان البرنسيسة والأفندي، ورشح له الفنانة نيكول سابا، وإخراج جمال عبدالحميد، كما يقدم الكاتب محفوظ عبدالرحمن مسلسل أهل الهوى الذي يتناول حياة شاعر العامية بيرم التونسي .
أيضا هناك مسلسل مصطفى مشرفة الذي كتبه محمد السيد عيد، وتخرجه إنعام محمد علي، ويتناول السيرة الذاتية للعالم المصري مصطفى مشرفة أول عالم نووي عربي في مجال الذرة، ومسلسل عن عملاق الكوميديا نجيب الريحاني بعنوان الضاحك الباكي كتبه محمد الغيطي ويخرجه محمد أبوسيف .
في الوقت نفسه هناك أعمال كان مقدراً لها أن تخرج للنور في رمضان، غير أنها واجهت مشكلات إنتاجية وصعوبات رقابية، من بينها مسلسل الجماعة الذي يتناول قصة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، تأليف وحيد حامد وإخراج عادل أديب وبطولة إياد نصار، كذلك مسلسل مداح القمر الذي تم تعطيله لأكثر من 4 سنوات ويتناول السيرة الذاتية للموسيقار الراحل بليغ حمدي وبطولة وإخراج مجدي أحمد علي، وأخيراً مسلسل روزاليوسف والذي يحكي قصة حياة الفنانة والصحافية روزاليوسف، ومعاركها الأدبية والثقافية والصحافية حتى وفاتها عام 1958 وعلاقتها بحزب الوفد، وزواجها من الفنان محمد عبدالقدوس، العمل تأليف ريهام فؤاد حداد وإخراج باسل الخطيب .
أما المفاجأة الحقيقية فهي المسلسل التاريخي كليوباترا وهو سيرة درامية حول حياة ملكة مصر الفرعونية كليوباترا، تأليف قمر الزمان علوش، وإخراج وائل رمضان، بطولة الفنان محمد صبحي في دور أنطونيو، والفنانة سولاف فواخرجي في دور كليوباترا، وقد بدأ التحضير الفعلي له، ليبدأ التصوير خلال هذا الأسبوع .
من المتعارف عليه أن السيرة الذاتية هي التي يكتبها صاحبها، أو يمليها على غيره في حياته، وإذا ما قدر وخرجت للنور، سواء بين دفتي كتاب، أو في عمل درامي، لا بد أن يسبق توقيع صاحبها توقيع من كتبها، أو من حولها إلى سيناريو وحوار، لتأتي مرحلة أخرى لاحقة مثيرة أكثر للجدل وتطرح العديد من الأسئلة حول هذه النوعية من الأعمال الدرامية، ربما من بينها: لماذا نقدم هذه الشخصية أو تلك؟ وكيف يتم تقديمها للمشاهد؟ وما الذي يستفيده المشاهد من عرض أعمال السيرة الذاتية، أو السيرة الدرامية؟ وكيف يقدمها صناع هذه الأعمال؟ هل هي تكريم أم تشويه للمشاهير أم بإمكانها أن تكون محايدة؟
هذه الأسئلة وغيرها حاولنا البحث لها عن إجابة مع بعض من شاركوا فيها أو من قدموا أعمال سيرة درامية، في هذا التحقيق:
الكاتب محفوظ عبدالرحمن، كاتب مسلسل بوابة الحلواني الذي أعاد من خلاله اكتشاف شخصية الخديوي إسماعيل وأنصف فترة حكمه بما يستحق، كما قدم فيلم ناصر 56 ومسلسل أم كلثوم وأخيراً يقدم هذا العام مسلسل أهل الهوى عن شاعر العامية بيرم التونسي، وعنه يقول: أهل الهوى لا يناقش السيرة الذاتية للشاعر الكبير الراحل بيرم التونسي فحسب، وإنما يتناول الفترة التاريخية المهمة التي عاشها، والأحداث التاريخية التي حدثت خلال هذه الفترة مثل ثورة 1919 وحركة التنوير، وغيرها من الأحداث، فضلاً عن أعماله العظيمة التي قدمها، وحبه وانتمائه لمصر، حتى أصبح مصرياً أكثر من المصريين .
وحول تدخل الورثة أو أهل الشخصية في أي عمل سيرة يقول محفوظ: ليس من حق أحد أن يحجر على شخص لمجرد دخوله في مجال السياسة أو الفن أو الأدب أو غيره، فهو بذلك أصبح ملكاً عاماً للشعب، والعلاقة بين الجميع وبينه كما هي بين ابنه وبينه أي لنا فيه ما لأهله، أما الميراث المادي الملموس من سيارة أو منزل أو أموال وغيرها من المنقولات فهي لأهله وورثته، فالشخصيات العامة ليست ملكا لأحد .
هل من حق الورثة حجب السيرة ومنعها من الظهور على شاشة السينما أو التلفزيون، وإلى أي مدى يمكن أن يتحكم الورثة في ذلك؟ يجيب المؤلف والكاتب أسامة أنور عكاشة قائلاً: حقوق الورثة هي حقوق مالية وليست فعلية، فما يمكن أن يورث عن صاحب السيرة ماديا فإن الورثة أصحاب حق فيه، أما الشخصية العامة نفسها كما عرفها الناس فلا تورث .
ويقول عكاشة: نحن ليس لدينا دراما سير ذاتية، وإنما مجرد استغلال أسماء للمتاجرة بها فقط، باستثناء مسلسل أم كلثوم الذي نجح وكل ما بعده فشل، لأنهم لم يقدموا سيرة ذاتية وإنما قدموا شخصيات ما بهدف المتاجرة والمكسب من ورائها .
ويضيف: تناول تفاصيل حياة شخصية عامة درامياً أمر يبعد عن الخلاف في الرأي، مؤكداً أن الكاتب حر في أن يخلق موضوعاً درامياً لكنه ليس حراً في تناول سير الناس وفق هواه، فالدراما التي تتناول السير الذاتية لشخصيات عامة يقدمونها في الخارج بشكل أفضل، حيث يعرض العمل الدرامي صاحب السيرة بما له وما عليه، في حين أننا نقدم احتفاليات رخيصة وتمجيداً وتهليلاً، واعتبر مسلسل أسمهان أقرب عمل قدم لفن السيرة الذاتية بالمعنى الدرامي للسيرة، حيث أظهر ما للإنسان من وجهي الخير والشر .
ويرى الكاتب يسري الجندي أن أعمال السير الذاتية تحتاج إلى حساسية في التناول، خاصة عندما تكون هذه الشخصيات ممن عاشوا بين الناس بشخصياتهم الحقيقية وليس بأعمالهم وتاريخهم فقط . ويشير إلى أن المهم في تقديم هذه الشخصيات هو إبراز الجوانب الحقيقية وغير المتداولة إلى حد كبير في حياتهم، بحيث تكون جديدة بالنسبة للمشاهد، وفي الوقت نفسه صادقة وحيادية .
ويضيف: عندما تعرضت لشخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في مسلسل باسمه، لم أعتمد فقط على الذاكرة باعتباري عايشت الشخصية ولا الكتب والمراجع التاريخية، سواء مع أو ضد، ولا الشهادات الحية من المقربين منه ومن بعض أفراد أسرته، بل كان كل ذلك مجتمعا، فضلاً عن المواقف التاريخية الثابتة بعيدا عن التقييم الشخصي، ما أخذ جهداً غير عادي لتقديم الشخصية، من مولدها حتى مماتها، وهي شخصية ثرية جداً، بل فوجئت أثناء الكتابة أن اليوم الواحد مليء بالأحداث، فما بالك بالشهر أو العام من عمر هذا الزعيم . وأعتقد أن ذلك كله قدم والحمد لله بحيادية كبيرة لا حدود لها، لأننا نقدم شهادة للتاريخ وللأجيال ولا بد أن تكون بمنتهى الدقة والأمانة .
أما الفنان مجدي كامل، الذي جسد شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في مسلسل يحمل اسمه فيقول: طبعا أنا لست ضد تقديم مسلسلات السيرة، وإلا ما كنت قدمت شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في مسلسل ناصر، خاصة أنني أعشق هذا الرجل، ولكن لا بد لكل من يتصدى لعمل مثل هذا، سواء كان كاتباً أو فناناً أو مخرجاً، أن يسأل نفسه أولاً: لماذا نقدم هذه الأعمال؟ وما الذي يستفيده المشاهد من مسلسلات السيرة؟ وهل العمل المقدم عنها معها أم ضدها؟
ويضيف: أعتقد أن هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها قبلنا جميعا الكاتب الكبير يسري الجندي عندما تصدى لكتابة مسلسل ناصر الذي كتبه بشكل رائع ومحايد جدا، قدم فيه الحقائق التاريخية الثابتة، وفي الوقت نفسه أظهر براعته ككاتب سيناريو وحوار، لذلك كانت النتيجة مذهلة والحمد لله، لدرجة أن العمل أعجب أولا أسرة الزعيم الراحل، وأشادوا به بأنفسهم .
ويقول الفنان محمد صبحي الذي يستعد لتجسيد دور أنطونيو في مسلسل كليوباترا: أعتقد أن هذه الأعمال تحتاج إلى حرص شديد جدا عند تقديمها، مع تحري الصدق والدقة في كل كلمة وموقف، وهذا لا يكون حجرا على إبداع الكاتب، الذي تكون له منطقته التي يبدع فيها، ولكن ما يخص الحقائق التاريخية الثابتة، ممنوع اللعب فيها، خاصة إذا كانت الشخصية معاصرة وقريبة العهد بنا، بعكس الشخصيات التاريخية التي مر عليها آلاف السنين، هنا يكون العبء كبيراً جداً، على الكاتب وعلى الممثل أيضا، لأن كلا منهما يبحث عن شيء غير معلوم أو ملموس لتجسيده حقيقة واقعة أمام الجمهور . . وللأسف أغلب مسلسلات السيرة التي قدمت لم تكن بالمستوى اللائق بشخصياتها .
الفنانة السورية صفاء سلطان التي قدمت شخصية الفنانة ليلى مراد في مسلسل قلبي دليلي ترى أن تقديم هذه الأعمال بمثابة تكريم للفنانين الكبار، وأنه من حق الجيل الجديد معرفة كل شيء عن جيل العمالقة .
وعن رأيها في تقديم الحقائق كاملة عن الفنانين حتى لو تضمن ذلك بعض الإساءة، قالت: إن هذه حقائق لا يستطيع أحد إنكارها، وهو ما حدث وقدمه الكاتب مجدي صابر من حقائق عدة تخص ليلى مراد . . ولكن دون تجن أو تعمد الإساءة .
وتقول الإعلامية راوية راشد كاتبة مسلسل الملكة نازلي: ليس هناك أدنى مشكلة في تقديم مسلسلات سيرة المشاهير، بالعكس هذا مهم جدا، خاصة إذا كانت الشخصية لها تاريخ ثري بالأحداث مثل الملكة نازلي، سواء اتفقنا أو اختلفنا حول هذا التاريخ، ولكن الأمر يتوقف على طريقة التناول وثقافة الكاتب، ولا يصح أن نطلق حكما عاما على كل الأعمال التي تناولت حياة المشاهير .
وتضيف: هذه الأعمال إذا تمت معالجتها بصدق ستكون بالطبع تكريما للشخصية صاحبة العمل، أما إذا تمت معالجة حياة الشخصية بطريقة رديئة وعدم فهم من الكاتب فستكون تشويها للشخصية وتاريخها، وبشكل عام أغلب أعمال السير الذاتية غير جيدة، لأن هذه النوعية من الأعمال تحتاج إلى حرص شديد في تناولها، وتحتاج إلى توثيق ومصداقية .