لعل الطريق الأقصر إلى قلب الطفل ووجدانه هو شخصية كرتونية يتسم سلوكها بالمرح، بحيث تستطيع أن تمده بالقيم والقواعد التي يحتاجها بأسلوب ملون يشبه عالم الكرتون الممتع، ويبدو أن تلك الميزات تجعل هذه الشخصيات هي الخيار الأول للوصول إلى الأطفال، فمن خلال التجارب الكثيرة للمؤسسات المختلفة بتحميل أفكارها ورسائلها لشخصية كرتونية تبتكرها نتبين أنها قد أثبتت وجودها في المجتمع الإماراتي، لتكون الخيار الأول لرسائل التوعية والتوجيه التي تمنحها نكهة خاصة بأسلوبها المرح .
ظهر مدهش لأول مرة ضمن إعلان تلفزيوني يروج لدورة العام 2000 من حدث مفاجآت صيف دبي، الحدث الترفيهي العائلي الأبرز خلال الصيف والذي تنظمه مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، حيث قدم أب لطفليه هدية عبارة عن صندوق مغلق، ما أن فتحاه حتى ظهر لهما وجه مدهش بابتسامة متميزة جعلت منه منذ ذلك الوقت علامة فارقة ترمز إلى المرح والفائدة خلال مفاجآت صيف دبي .
وسرعان ما تحوّل مدهش إلى أيقونة لحدث المفاجآت، وأصبح الصديق الأول للأطفال من مختلف الجنسيات، بحيث أضحوا ينتظرونه بفارغ الصبر كل صيف ليقضوا معه أحلى الأوقات وأمتعها من خلال العديد من الأنشطة .
ولا يشكل مدهش الصديق الحميم لأطفال دبي وحسب، وإنما لأطفال المنطقة بأكملها من مختلف الأعمار والجنسيات، ويشير سعيد محمد معصم الفلاسي، مدير إدارة الشراكات الاستراتيجية في مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، إلى أن شخصية مدهش تسهم في ترسيخ القيم النبيلة والتعاون والاحترام المتبادل لدى الأطفال وتحضهم على المعرفة والتعلّم بأسلوب لا يخلو من المرح والتسلية . ويضيف: نظراً للشعبية الكبيرة التي حظي بها مدهش لدى الصغار والكبار طورت هذه الشخصية لتخرج من صندوقها الصغير وتلتقي أصدقاءها الأطفال من مختلف الجنسيات في مراكز التسوق وعالم مدهش إضافة إلى الزيارات الميدانية للمستشفيات والمدارس وغيرها لنشر البهجة ورسم الابتسامة على وجوه الأطفال، محققاً بذلك شعار مفاجآت صيف دبي "إجازة سعيدة ومفيدة للأطفال" .
وأعلنت مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة خلال دورة مفاجآت صيف دبي 2007 عن تحويل مدهش إلى علامة تجارية قائمة بحد ذاتها يتم استخدامها وفقاً لشروط معينة ولها حقوقها القانونية والتجارية المتعارف عليها . وتتجاوز هدايا مدهش التذكارية حالياً 180 منتجاً وهدية تذكارية .
تشير ميسون الشاعر رئيسة قسم التغذية والتعليم الطبي المستمر بإدارة طبية الشارقة، إلى أهمية تجسيد التوعية الغذائية والتثقيف الصحي بأدوات مرئية وشخصيات كرتونية لاستخدامها في ترسيخ المعلومات المعززة للصحة في أذهان الجيل الجديد، لأنها تعد وسيلة ترفيهية يتقبلها الطفل، وسهلة في توصيل المعلومة من جهة أخرى، لذا قامت بابتكار شخصيتي مريم وحسون إلكترونياً واختارت اسميهما لانتشارهما على مستوى الوطن العربي والإسلامي لتقريب الشخصية لقلب الأطفال، وجاءت هاتان الشخصيتان في إطار كتيب للغذاء الصحي والحقيبة المدرسية المتّسق مع فكرة إشارة المرور (قف، قلل، انطلق)، وبدأنا بتوزيع الكتيب كمرحلة أولى في الشارقة على القطاع الحكومي من المدارس (60 مدرسة)، وكانت الفئة المستهدفة من 6 إلى 10 سنوات منذ عام .
والمرحلة الثانية بدأت في 2013 على مستوى القطاع الخاص من المدارس وتم تغطية 40 مدرسة حتى الآن، علماً بأن التوعية بهاتين الشخصيتين جاءت مصاحبة لتوزيع هدايا على التلاميذ من حقائب طعام تحوي الجبنة والعصير وكتيب تحضير الإفطار حاملة صور الشخصيتين، وبالفعل قامت هذه الفكرة المبتكرة بدورها في جذب الأطفال وتطبيق طريقة الملصقات بوضعها في الأماكن الصحيحة، ونحن مستمرون في تغطية ما تبقى من الفئة العمرية في الإمارة وسننطلق إلى سواها في حالة توافر الميزانية والدعم المادي .
أما معهد دبي القضائي، فقام بابتكار شخصية القاضي عادل لتكون سفير القضاء إلى المجتمع بمختلف فئاته، خاصة الأطفال، من خلال القصص والعبر التي تحملها هذه الشخصية، وتعرّف شمسة المري، ضابطة علاقات عامة- مكتب الفعالية المؤسسية في معهد دبي القضائي، بشخصية عادل، قائلة: القاضي عادل أقرب إلى شخصية مثالية محببة تقدم النصح والإرشاد والنصح للكبار والصغار لنشر الوعي في المجتمع، وتم تصميم مجسم إلكتروني ثلاثي الأبعاد لها، حيث أطلقت في معرض جايتكس 2013، وهو يقوم بمهمة التعريف في المعهد أيضاً، كما تتصدر قصص القاضي عادل غلاف مجلة المعهد الشهرية بأسلوبه البسيط، وتلفت المري إلى أن الناس يتقبلون الشخصيات الكرتونية أكثر من وسائل المخاطبة والتوعية الأخرى، ولهذا تلجأ أكثر المؤسسات إلى اعتمادها في نشر رسائلها التوجيهية .
أما شخصية "سعيد" فتستخدمها "صحة" لإيصال رسائل توعوية وتثقيفية لأفراد المجتمع، وتم استخدامها في ترسيخ الصورة الذهنية للشركة لدى الجمهور وتحسين مكانتها، وحققت نتائج إيجابية مهمة، تعرّفنا سلامة راشد المزروعي، مديرة التسويق والتواصل في صحة شركة أبوظبي للخدمة الصحية، بشخصية سعيد، تقول: "تم إطلاق الشخصية للمرة الأولى في رمضان 2011، وكانت الحملة تحت عنوان "رمضانكم صحي"، ويمثل "سعيد" الشباب والصحّة والحياة الخالية من الأمراض، وتفاعل سعيد مع الجمهور عبر العديد من الحملات الإعلانيّة المطبوعة والمتلفزة، حيث يقدّم النصائح الصحيّة التي يجب اتباعها خلال الشهر الفضيل" .
لاقت فكرة شخصية "سعيد" استحساناً كبيراً من قبل مختلف الفئات العمرية في المجتمع، والمسؤولين، سواء في "صحة" أو جهات أخرى، إضافة إلى ذلك، ومن منطلق المسؤولية المجتمعية، قمنا بالتعاون مع دوائر وجهات حكومية عدة بإعداد حلقات خاصة بتلك الجهات تخدم شريحتها للنصح والإرشاد، وعلى سبيل المثال: التعاون مع مجلس أبوظبي للتعليم عبر أدوات التواصل الاجتماعي على "تويتر"، وحظيت بالمشاهدة من قبل الجمهور، كما تم التعاون مع التنمية الأسرية في بث حلقة خاصة بموضوع "التنمر والأطفال" تجاوباً مع حملتهم "معاً لحماية أطفالنا" في مختلف مراكز التنمية وعلى شاشات التلفزيون .
قمنا مؤخراً بالتعاون مع وزارة الداخلية في عمل حلقة خاصة باليوم العالمي للمخدرات تجاوباً مع حملتهم التي تم بثها في مختلف قنوات أبوظبي للإعلام وقنوات التواصل الاجتماعي .
"سلامة" هي الشخصية الرئيسية لمجلة الأطفال التي تحمل الاسم نفسه وتصدر شهرياً من هيئة الطرق والمواصلات للفئة العمرية من 7 إلى 14 سنة بصفة خاصة وأولياء الأمور عامة، حيث تتناول في أبوابها المتنوعة والرسومات والصور معلومات وقصصاً كرتونية وإرشادات مرورية .
عن الرسالة التي تحملها الشخصية يقول المهندس حسين البنا، مدير إدارة المرور في دبي: "تعد هذه الشخصية التي تحمل وجهاً طفولياً محلياً بمثابة دعم وترويج للأفكار والمبادرات المتعلقة بالسلامة المرورية، لتقديم صورة جيدة وقدوة حسنة للشخصية الملتزمة بقواعد السلوك المروري الصحيح" .
ويؤكد أن الشخصية تمكنت منذ ظهورها في مارس/آذار 2007 من كسب صداقات واسعة وتحقيق شهرة كبيرة عن الفئة المستهدفة وضعتها بين أشهر مجلات الأطفال المتخصصة، حيث تشارك في العديد من الأنشطة والفعاليات التي ينفذها قسم التوعية المرورية، الذي يحرص في يوم ميلادها كل عام على تطويرها وتقديم الجديد لقرائها .
ويضيف أن أحد أهم الأهداف الرئيسية لقسم التوعية المرورية التي يعمل على تحقيقها في خطته السنوية، إعداد جيل القدوة الملتزم بقوانين السير والمرور والقادر على التأثير في محيطه للحد من السلوكيات المرورية الخاطئة، لذا يركز القسم على ابتكار وسائل وأدوات للوصول إلى الهدف المنشود .
وتعد "سلامة" واحدة من أبرز الوسائل التي تخاطب الفئة المستهدفة باللغة المحببة والقريبة إلى عقول أفرادها، لتوصيل الرسائل التوعوية لها، كذلك ارتسمت شخصية "سلامة" في أذهان الأطفال الذين تحرص على مشاركتهم في العديد من الفعاليات والأنشطة التي تنظمها هيئة الطرق والمواصلات .
وعن الدور الذي قامت به الشخصية، يوضح أنها استطاعت الترويج بشكل مباشر وواضح للمجلة، وللأفكار والرسائل التوعوية التي تعمل إدارة المرور على نشرها في أوساط المجتمع، ونعتقد أن دور الشخصية وما لعبته في مجال السلامة أدى إلى رفع مستوى التوعية لدى الأطفال الأمر الذي أسهم في انخفاض وفيات الحوادث المرورية بين الفئة العمرية من سنة إلى 18 سنة خلال السنوات الثلاث الماضية من 12 حالة وفاة في العام 2010 إلى 9 حالات في 2011، ثم 7 حالات في ،2012 كما ارتفع عدد مراكز التوزيع إلى أكثر من 160 نقطة في دبي، ونسبة رضا القراء بحسب الاستبيانات التي أظهرت في الربع الثالث من 2013 نسبة رضا تجاوزت 87% .
وتتمتع الشخصيات الكرتونية بخاصية المرح التي تجعلها أقدر على كسر الكثير من الحواجز وإيصال الرسائل الصعبة، خاصة عندما نتعامل مع حالات خاصة كالإعاقة ونواجه تحدياً بشرح هذه الحالات للطفل بطريقة محببة وتقريبه منها .
يقول روحي عبدات، اختصاصي نفسي تربوي في إدارة رعاية وتأهيل المعاقين- وزارة الشؤون الاجتماعية: تمثل كل شخصية كرتونية نوعاً من أنواع الإعاقة، وتهدف إلى تقريب هذا الواقع إلى الأطفال العاديين لتهيئتهم لمشروع الدمج وتوضيح الصورة لهم من خلال تفاعلهم مع هذه الشخصيات، حيث تم تصميم مجسمات ثلاثية الأبعاد لشخصية ناصر الذي يعاني الإعاقة السمعية، ومحبوب الذي يعاني متلازمة داون ونور التي تعاني الإعاقة البصرية، وتشارك هذه الشخصيات في الكثير من المناسبات والمعارض والأنشطة الاجتماعية لتعزز ألفة الطفل معها وتدعم دور الدمج، ويضيف أن الأثر الإيجابي الذي تتركه هذه الشخصيات يتمثل في الأسئلة التي يوجهها الأطفال لمعلميهم ليتعرفوا إلى نوع كل إعاقة على حدة، وكيفية التعامل مع المعاقين كما أتاحت لهم الفرص لمساعدة هذه الشخصيات، كما تعلموا بعضاً من الإشارات التي يتحدث بها الصم .
تعد الرسالة التي تحملها شخصية منصور إلى الأطفال من أهم الرسائل الإرشادية، حيث تفتح ذهن الطفل على أفق جديدة من مجالات العمل التي يمكن له أن يفكر فيها في المستقبل، وعن أبعاد هذه الشخصية يحدثنا حيدر محمد، رسام كاريكاتير- مصمم الشخصية، يقول: "تعتمد شخصية منصور الإرشاد غير المباشر لتوحي للأطفال بأن هناك مجالات عمل أخرى في الحياة غير تلك الوظائف النمطية التي اعتادوا عليها، ويوضح أن شركة مبادلة في أبوظبي هي التي أطلقت شخصية منصور لتوجه الأطفال نحو مجالات العمل التي تتعلق بالفضاء والطاقة المتجددة والاختراعات وغيرها من المجالات البعيدة عن الخيارات التقليدية التي يفكر فيها الأطفال، وتهيئ الشركة كوادر المستقبل من أبناء البلد ليواكبوا عجلة التطور في الإمارات، وليسدوا حاجة سوق العمل التي أصبحت تسير في اتجاهات جديدة وغير مطروقة في السابق" .
"نهيان" ينتظر "إكسبو 2020"
يفضل أن تحمل الشخصيات رسائل غير مباشرة عندما نريد منها أن توصل لطفل فكرة ما حتى يحبها، حسب خالد بن حمد، رسام كاريكاتير، وعن شخصيات إكسبو التي قام بتصميمها، يقول: "فكرنا بالتعريف بأهمية ودور إكسبو من خلال هذه الشخصيات الكرتونية التي يعتبر الطفل نهيان أهمها، وهو طموح ومتحمس يحلم باختراع شيء ما حتى عام 2020 لعرضه في إكسبو، وعن بقية الشخصيات، يوضح أن كل شخصية منها تمثل فئة من المجتمع وتعكس الحالة الإيجابية لكل من موقعه، وانتشرت هذه الشخصيات على شكل كتيبات وزعت على المدارس، كما نشرت كقصص مصورة في الصحف المحلية أصدرتها حكومة دبي بهدف التوعية" . وعن سبب اختيار الشخصيات الكرتونية لإيصال الرسائل التوعوية يرى أن السبب يتلخص في ابتعاد الناس عن القراءة، كما يشير إلى أن الإمارات تعد من أكثر البلدان العربية اهتماماً بالشخصيات الكرتونية، مرجعاً هذا إلى نجاح مسلسل "فريج" الذي يعتبر أنه غير صورة الإعلام الخليجي بإبرازه الجانب الإيجابي لهذا الفن .
تكمن أهمية الشخصيات الكرتونية في تعزيزها لرسالة معينة كحملات توعية أو مادة تعليمية أو حتى تجارية، باعتبارها وسيلة للتفاعل مع الأشخاص نفسياً وجسدياً، ويشير وسام عز الدين، مدير مشاريع إندكس لتنظيم المعرض ولمؤتمرات، إلى أن هذه الشخصيات من شأنها أيضاً المساعدة على توفير المتعة في الرسالة الموجهة لكافة الفئات العمرية وبالأخص الأطفال، حيث إنها تساعد على تنمية عملية التعلم ونشر التوعية، تساعد على نقل رسالة هادفة في إطار ممتع ومشوق، ويورد الشروط الأساسية التي يجب توافرها بالشخصية الكرتونية، وهي: أن تكون الشخصية مميزة في التصميم والأسلوب الإبداعي، وتلقى قبول المجتمع، ولا تتعارض مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع بمختلف فئاته .