د . عبدالمعطي سويد
مصطلح الثنائية لغة من القول باثنين أو اثنتين، وغالباً ما تدرك هذه الثنائية وعلى مستوى الحس والشعور على أنها ثنائية متضادة ومتنافرة الضدين، ثم تأخذ طابعاً (فكرياً) أو تصبح حالة ذهنية مصدرها دوماً الإدراك الحسي، والثنائية في الكون والوجود والطبيعة أقدم وجوداً من الوجود البشري، فالإنسان منذ أن يوجد على سطح الأرض يلحظ: السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والحرارة والبرودة، والماء والتراب، والشتاء والصيف، والنوم واليقظة، والحياة والموت، وفي الحياة: الخير والشر، والفجور والتقوى، والحب والكراهية، واللذة والألم، والفرح والحزن، والضحك والبكاء، وأخيرا الحرب والسلام .
يمكن صناعة دائرة معارف بكاملها أو معاجم كبيرة حول الثنائية: لغة، كما صنع الأنباري في تراثنا العربي في وضعه كتاب "الأضداد"، وكذلك في عصرنا الحديث يمكن الوقوف على المفردة في العربية والأجنبية للتوسع حول مصطلح الثنائية في اللغة والفكر والفلسفة .
ويهمنا هنا معالجة وبعجالة واقع الثنائية وتجلياتها في الثقافة العربية وتناولها، وباختصار شديد، ولنبدأ بالمحطة التاريخية الأولى، أي لنبدأ بما اصطلح على تسميته إسلامياً بالعصر الجاهلي، حيث كان الشعر والخطابة هما الفضاء الفكري للمرحلة، وقد كان الشعر الذي اصطلح على تسميته بالجاهلي، ماذا نقرأ على وجه الإجمال من أشعار تلك المرحلة:
أولا: يعكس الشعر الجاهلي واقع المرحلة من حيث هيمنة الحروب القبلية من أجل (الماء والكلأ والنار)، الموارد بلغة العصر وعندما نذكر الصراعات القبلية والحروب التي كانت شبه دائمة، وكانت هي القاعدة، وأن السلم هو الاستثناء يجنح إليه في الأشهر الحرم . في الحرب والسلام مثلاً:
يقول عمرو بن كلثوم:
بشبان يرون القتل مجداً
            وشيب في الحروب مجربينا
ويقول طرفة بن العبد:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني
                    عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
كانت ثنائية الحرب والسلم إضافة إلى ثنائيات أخرى للعصر (كالفخر والهجاء) ثنائيات مهيمنة على نمط االمشاعر والأفكار لذلك العصر .
ثانياً: كرّس القرآن الكريم الثنائية في حديثه عن: الدين والدنيا، والحياة الدنيا والحياة الآخرة، والجنة والنار، والإيمان والكفر، والنعيم والجحيم، والحياة والموت، والظلم والعدل، والفجور والتقوى، والخير والشر، والذكر والأنثى .
إننا أمام شبه تشكل لعقلية قائمة على الضدين، توفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتولى الشيخان: أبو بكر وعمر الخلافة، وبعد ذلك حصلت الفتنة الكبرى، وتم الانشقاق في بطن قبيلة (قريش)، أو بين فخذين، كما يقال باللغة القبلية، بين بني هاشم وبني أمية، وهنا تظهر وتعود الثنائية في أجلى صورها الصراعية، وقد انعكست هذه الثنائية طوال العصرين الأموي والعباسي سياسياً وفكرياً في الجدل بين: العقل والنقل (الدين)، وبين علوم الإسلام وعلوم الأوائل (الهند والفرس واليونان )، كذلك انعكست هذه الثنائية في الآداب والشعر، خصوصاً في (الهجاء والفخر القبليين)، ثم في جانب شعري آخر، وفي قصائد وأشعار تلك المرحلتين الزمنيتين (الأموي والعباسي)، في قصيدة أبي تمام المشهورة "عمورية" والتي توضح شعرياً الثنائية التي نتحدث عنها والتي تبدأ: السيف أصدق إنباء من الكتب/ في حده الحد بين الجد واللعب . لقد ورثنا هذه الثنائية الجذرية - الراديكالية بلغة اليوم، ولقد كرستها الثقافة حتى يومنا هذا، وأصبحت حالة شعورية- إدراكية- فكرية تعيش في مستوى التنافر والتضاد الحاد، ولقد أصبحت ثنائية حدية قاطعة كالسيف .
أصبح العالم العربي والإسلامي، ولأسباب معقدة وكثيرة، أسيراً أو مسكوناً (مرضياً) بالثنائيات المتضادة .
لقد أشار المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتاب مهم بعنوان "الفكر العربي وصراع الأضداد" إلى أن الفكر العربي ظل دوماً يراوح بين طرفي الثنائية، حيناً يلجا إلى التوفيقية، وحيناً إلى التضاد، ولم تحسم المسألة طوال التاريخ وحتى يومنا هذا ونحن نختلف معه في هذه الأطروحة، لأن الثنائية غير المحسومة كانت دائماً محسومة، بمعنى أن كل طرف من طرفي الثنائية كان حاسماً في طرفه واقفاً عنده لا يتزحزح .
لقد عالج الراحل محمد عابد الجابري المسألة في سلسلة كتبه ومشروعه "تكوين" و"بنية" العقل العربي في ثمانينات القرن الماضي، وانتهى إلى وضع بنية العقل العربي ضمن ثنائيات حادة، إلى درجة أن المفكر المصري السيد يسين قد وجه نقداً لأطروحة الجابري، بقوله إن الجابري وضع العقل العربي ضمن أنساق مغلقة، أي ثنائيات، كل طرف من أطرافها منغلق على ذاته وخاصة على المستوى الحياتي، ولقد استعاد ما سمي بعصر النهضة في منتصف القرن التاسع عشر الثنائية ذاتها .
ولأسباب سياسية، هزيمة حزيران ،67 واقتصادية وتربوية، ولأسباب التنشئة الاجتماعية التقليدية والرواسب الطائفية والمذهبية، كل ذلك شكل الخلفية للتيارات السلفية والتقليدية الفكرية والتيارات الجهادية التي تتبنى العمل العنفي لتغيير الواقع لحسابها الخاص .
لقد تفرخت عن هذه التيارات القاعدة والجهاديات، وأصبح، خاصة في العالمين العربي والإسلامي، يعيش اليوم في الثنائية التالية: الداعشية والداعشية المضادة، فمن ليس مع هذا فهو ضده يجب إلغاؤه بالعنف، وهذا هو منطق كل الاتجاهات المتطرفة شرقاً وغرباً، لقد قرأت على "فيس بوك" منذ أيام قول أحدهم: كلنا "داعش"، والثنائية تقوم في جوهرها على أنه وخاصة في المجتمعات التقليدية فكراً كمجتمعاتنا على أن كل طرف من طرفي الثنائية هو "داعشي" .
إن التفسير العلمي لعبارة "كلنا داعش" يتمثل في أن البيئات العربية أصبحت منذ منتصف القرن السابع عشر، كالسلفية، والإخوان المسلمين والتيارات الملحقة بهما وحتى يومنا هذا بيئات مولدة، وحاضنة للتشدد، والغلو، والتطرف والعنف .