يقر كثير من النقاد بتركيز الشعر النبطي الذي يسمى الشعبي أحيانا في الإمارات إلى حد كبير بالعادات والتقاليد، وهو بالتالي ترجمة لمضمون هذه العادات والسلوكات التي تمتح في كثير منها من جذور الأصالة، حيث الفخر والكرم والانتماء للعشيرة الكبيرة التي هي مصدر ومنبع الفضائل والمكارم بوصفها تلخيصاً لهوية جامعة يقر الجميع بضرورة الحفاظ على وحدتها وتماسكها .
الشعر النبطي هو كلام موزون له قواعده وموسيقاه، وفي الإمارات ثمة أنواع عديدة من الفلكلور الشعبي الذي يلعب فيه الشعر دوراً أساسياً، ومنه ما يعرف برقصة العيالة التي يعتبر الشعر نقطة الارتكاز الأساسية فيها وما يعرف بشعر الشلة التي بحسب النقاد تذكي جذوة الحماس وتحافظ على روح الاستمرارية .
يقول أحمد خليفة السويدي: إن شعر النبط أو الشعر الشعبي الذي شاع قرضه بين شعراء دولة الإمارات العربية المتحدة وشعراء الجزيرة العربية عامة في الماضي والحاضر، هو تعبير عن إحساسات الشعراء وأفكارهم، كما أنه في الوقت نفسه تعبير فني وأدبي ويعتبر مصدراً مهماً لتاريخ هذه المنطقة وما مر بها من أحداث جسام، وهو صورة صادقة لعادات أهل البلاد وأخلاقهم العربية الأصيلة وتقاليدهم الإسلامية الرفيعة .
ويضيف السويدي أنه ليس أصدق من هذا الشعر في وصف التغييرات الكبيرة التي يمر بها اليوم مجتمع الإمارات في جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس هنالك ما هو أوفى من هذا الشعر في تقديم صورة حية لصلابة الآباء وكفاحهم في الماضي من أجل الحياة والحرية، إلى الأبناء الذين نحرص كل الحرص على ربط حياتهم الحاضرة، بجذور الماضي، حتى يكتسبوا الأصالة، ويبنوا حاضرهم على أسس قوية ثابتة من تراثهم القومي والديني .
الشعر النبطي مكتوب باللغات واللهجات المحلية الدارجة، وهو يقال بهذه اللهجات، ويلقى كل تجاوب وتفاعل من فئات المجتمع، وله جمهور كبير، ويقوله أو يكتبه عدد كبير من الشعراء العرب .
ينظر إلى الشعر النبطي بوصفه قائما على قواعد ونظم عروضية ووزنية يعرفها أهل الاختصاص، ويذكر السويدي أن ابن ظاهر هو من ألمع شعرائه في المنطقة على نحو مبكر من تاريخها، وكلا الشعر الشعبي والشعر النبطي جزء من الهوية الثقافية للمنطقة، وفي الإمارات يشكل هذان النوعان من الشعر قاعدة إبداعية وثقافية لعدد كبير من الشعراء والشاعرات الذين يتبارون ويتنافسون في هذه الإبداعية الشعرية العربية التي تقترب كثيراً في بعض النصوص من اللغة العربية الفصحى .
أولت الإمارات الشعر الشعبي أهمية كبرى جعلت من هذا الشعر فضاء رحبا وجميلا للإبداع بكل تلويناته، وتبدى ذلك في مهرجان الشعر الشعبي في الشارقة، وملتقى الشعر الشعبي في دبي، ومسابقة شاعر المليون في أبوظبي .
وللشعر النبطي أنواع كثيرة في منطقة الخليج والجزيرة العربية، فهي بحسب الدكتور أحمد أمين المدني تختلف حسب المبنى والمعنى والوزن وحصرها في ستة أنواع وجاء بأمثلة عليها ومنها: المربوع من الرباعيات غير أنه يختلف عنها في ان البيت الرابع يختم بلازمة وتكون بقية اللوازم على قافية واحدة .
العزى وينشد في نهاية مسيرات الأفراح أو الغضب ويبدأ على شكل تجمعات بعد أن تتوقف الطبول ويتوقف الرزاحة عن الغناء فيجتمعون على شكل دائرة يتوسطهم رجل يمتاز بحسن الصوت حاملا بيده سيفا وبالأخرى ترسا ويدور حول الدائرة يتبعه بعض من المجتمعين يحملون بنادق يطلقون منها طلقات نارية في الهواء وهم يرددون: (عز الله يدوم، عز الله يواب) .
ومن أنواعه الميدان وهو على صورة زجل يعالج قضايا مطروحة أثناء إلقائه، والونة وهي أقرب أنواع الشعر الشعبي إلى القلوب وهي من التراث القديم، وتختلف تماماً عن الشعر، وهذا النمط لا يتغير أبدا وكان يغنى من على ظهور الجمال، أو عند الراحة بقرب بئر مياه، ويقال بصوت عال جدا، ويستشهد د . المدني بما يقوله الشاعر مصبح الكندي من أن الونة أو الطارج هي من شعر الغزل والكلمة الحلوة التي تهدهد القلوب وتوقظ المشاعر، وتريح النفس، وتمتع الوجدان .
ويذكر أن قصيدة الطارج ليست غزلا محضاً، ففيها وصف للطبيعة والحياة والأحداث والوقائع التي جرت في زمن الشاعر، ومن أشكال الونة : الطارج، الجري، الردية، الجدولي، السامر، التغاريد، أما من اشتهر من شعراء هذا الصنف فهم: سعيد عتيق الهاملي، مسلم راشد المزروعي، محمد بن حمد المغيري، أحمد علي، مرشد بليد المر، الشاعر بن المطوع، الفندي بن غانم المرزوقي، جاسم بن خلفان بوحميد المزروعي، بطي بن خميس القبيسي، الشاعر بوعميم، عيسى بن ذياب، الشاعر الفلاحي، الشاعر الظاهري، محمد بن كاسب المهيري، خليفة بن القوبع، هلال عيسى الفلاحي، سالم علي بن فارس المزروعي، خويلد بن عيسى الفلاحي وعيد بن العبادي وغيرهم .
لغة الشعر النبطي هي العربية، لكنها عربية أهل البوادي، وهي بحسب أمين عبد الحميد مرسي ذات نظام خاص في التراكيب العربية، إذ تجري ألفاظ الشعر النبطي على نسق خاص في حروفها وأصولها ومادتها وتركيبها، بل في هيئتها وبنائها، وللشعر النبطي الشفاهي المنطوق لا المكتوب وظائف فنية وموسيقية تفسح المجال لتنوع النغمة الموسيقية للكلمة، كما له وظائف معنوية والحرف له إيقاع خاص في النطق وإيحاء في الدلالة على المعنى مما يثير في النفس كوامن خاصة لدى المتلقين، حيث تعمل الخصائص الصوتية لهذا الشعر على إحداث نوع من التوافق بين الصورة اللفظية والصورة المعنوية المطلوبة .
والشعر النبطي بحسب الدارسين نتاج واقع وخيال يلبي حاجة ثقافية اجتماعية لجمهور واسع في الوطن العربي، ولأن مفرداته مستلة في غالبيتها من اللغة العربية الفصحى، فإن هناك شبه اجماع على سهولة فهمه بالاستناد إلى المخزون المعجمي لهذه اللغة .
ورد في كتاب تراث البادية الذي شارك فيه الدكتور بدر الخصوصي ود . محمد الحداد ود . فاطمة الخليفة ود . حصة الرفاعي ود . عبد الرسول الموسى ما يفيد عن أصل الشعر النبطي، حيث ذكرت د . فاطمة الخليفة في بحثها التفكير اللغوي في الشعر البدوي أن اللغة البدوية أصلها آرامية وهي قريبة من العربية الأم المسماة بالفصحى لأنهما من اللغات السامية، وهذا الشعر النبطي كان موجوداً في الشام وفي حوران وفي المغرب، وربما جاء مع بني هلال من الشام إلى المغرب ولثقلهم السياسي والاجتماعي أشاعوا قالب هذا الشعر الذي يغنى، وهذه اللغة خالفت نوعين من اللغات لغة القرآن الكريم ولغة الشعر العربي النقي الفصيح .
الشعر النبطي بحسب الموسوعة الحرة، هو المنظوم بلهجات أهل الجزيرة العربية وما جاورها، وبين أهل البادية في فلسطين والأردن وسوريا وليبيا وتونس .
والرواية التقليدية بين رواة الشعر النبطي تقول إن أول من قاله هو الشخصية شبه الأسطورية أبو زيد الهلالي بين القرنين الثاني والرابع الهجريين الثامن والعاشر الميلاديين، على أنه ليس من سند علمي لهذه الرواية .
أما أول ذكر للشعر باللهجة الدارجة فيأتي من الشاعر العراقي الفصيح صفي الدين الحلي في القرن الرابع عشر والمؤرخ ابن خلدون في القرن الخامس عشر، إلا أنهما لا يذكرانه باسم الشعر النبطي . أما أقدم النماذج الشعرية فمقطوعة من بضعة أبيات لشاعرة من بادية حوران أوردها ابن خلدون في المقدّمة، ثم بضع قصائد لأبي الحمزة العامري من أهل القرنين السابع والثامن الهجريين . وهي في معظمها على اللحن الهلالي (ويقابل بحر الطويل) وبحر الرجز .
والشعر النبطي حتى أوائل القرن العشرين يكاد يكون امتداداً لشعر العرب في الجاهلية وشعر أهل البادية في صدر الإسلام، فيكثر فيه استخدام المقدمات الغزلية التي تؤدي بعد ذلك إلى موضوع القصيدة الرئيسي من فخر أو مدح أو حكمة أو نصح، أو وصف، وبدرجة أقل، الهجاء . ويكون أكثر ما يشابه الشعر القديم حينما يحكي عن مفاخر القبيلة وبطولات فرسانها ووقائعهم .
أما في الوقت الحالي فقد تخلى عن الكثير من المفردات الأكثر صعوبة، محاكياً بذلك التبسيط والتشذيب اللذين لحقا باللهجات البدوية والنجدية عموماً، وأصبح أكثر مشابهة للشعر العامي في البلدان العربية الأخرى . ولأنه هو اللون السائد في الأغاني في منطقة الخليج العربي، فقد أصبح الغزل يشغل القسم الأكبر من الشعر النبطي في الوقت الحالي .
وفي الإمارات على وجه الخصوص لقي الشعر الشعبي اهتماماً كبيراً من المسؤولين منذ انشاء الدولة، وينبع الاهتمام الرسمي والشعبي بالشعر النبطي من أمرين بشكل رئيسي ومباشر، الأول اهتمام زعماء المنطقة بهذا الشعر بل أن كثيرا منهم شعراء وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الاتحاد
وكل الدراسات تؤكد إقبال عدد كبير من سكان الإمارات على نظم الشعر النبطي حتى الذين ليس لديهم معرفة بالقراءة والكتابة وينظمونه بالسليقة وعفو الخاطر يحركهم الوجدان الصادق وحتى دون اللجوء إلى كتابته أو تدوينه .
وخوفا من تلاشي هذ الشعر الذي كان يتم تداوله شفاهة وعلى ألسنة الرواة بدأت الدولة بالعمل على حفظ الشعر وتدوينه في كتب وكان أبرز من قام بهذا الجهد الشاعر النبطي الإماراتي حمد أبو شهاب، كما يذكر الباحث الدكتور فالح حنظل، فهو ممن آمنوا بأهمية حفظ التراث الأدبي، وقد جمع بدوره قصائد شعرية قديمة وحديثة حققها ووثقها في إصدارات شعرية عديدة .