تفشت ظاهرة الدجل والشعوذة في مجتمعاتنا الإسلامية بشكل مرعب، حتى أصبحت قوافل الدجالين وأعمال السحر والشعوذة تسيطر على عقول كثير من المسلمين، لم تفرق بين جاهل أو متعلم، بين غني أو فقير، بين رجل وامرأة.
كارثة بكل المقاييس، تكشفها الدراسات والأبحاث، فبحسب آخر الإحصاءات يتجاوز ما ينفقه العرب على الدجل والشعوذة وأعمال السحر خلال السنة الواحدة 10 مليارات دولار، والأخطر أن 20% من الذين يلجأون إلى الدجالين بين المتعلمين والمثقفين وبعضهم أصحاب المهن الراقية والمراكز العليا، كما أن 55% من النساء العربيات يلجأن إلى أعمال السحر، ويعتقدن بالخرافة، وأن نسبة 17% من الرجال العرب يلجأون أيضا إلى الخرافة.
الغريب أن أعمال الدجل والشعوذة أصبحت علناً وتعددت أشكالها، وحاول البعض إيجاد مشروعية لها، لدرجة أن هناك قنوات ومجلات أصبحت متخصصة في ذلك تحت مسمى الأبراج أو ما شابهها، واستغل الدجالون الفضاء الإعلامي لترويج بضاعتهم الفاسدة، وأنشأوا قنوات خاصة حققوا من ورائها مكاسب طائلة.
وفي التحقيق التالي نناقش الظاهرة لإيجاد الحلول في إطار الشريعة الإسلامية.
في البداية نعود للدراسات والأبحاث التي نوقشت حول الظاهرة، ففي دراسة في المركز القومي للبحوث الاجتماعية في القاهرة كشفت عن أن 300 ألف مشعوذ ودجال في مصر وحدها يزعمون أن لديهم القدرة على علاج الأمراض المستعصية عن طريق تحضير الأرواح، و300 ألف غيرهم يزعمون قدرتهم على علاج الأمراض والمس من الجن والشياطين، فضلاً عن أن هناك أكثر من مليون مصري يعتقدون بأن بهم مسا من الجن بالإضافة إلى أن هناك 50% من السيدات يعتقدن بتأثير السحر في حياتهن كما أن هناك 274 خرافة تسيطر على أفكار المصريين سواء في الريف أم في الحضر وانتهت الدراسة إلى أن هناك دجالاً لكل 240 مصرياً.
ومصر ليست وحدها التي تسيطر الخرافة وقوافل الدجالين فيها، فهناك عديد من الدول العربية والإسلامية تنتشر فيها هذه الظاهرة.
الدكتورة إقبال الأمير عميد كلية الخدمة الاجتماعية في مدينة نصر تؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد قاصرة على الفئات الدنيا من الناس، بل امتدت إلى الفئات ذات القدر الكبير من الثقافة، كما أنها طالت كبار الشخصيات والمشاهير.. مشيرة إلى تطور أنواع وحيل الدجالين، حتى إنها لم تعد قاصرة على أعمال السحر أو تزويج العوانس أو علاج المرضى، بل تطور إلى عمليات استخدام الجن في البحث عن الكنوز أو استخدام الزئبق الأحمر في زيادة الأموال، وقالت إن النوعية الجديدة من الدجالين، أو النصابين إذا أردنا وصفهم بدقة، استغلت سذاجة الناس وطمع البعض ورغبتهم في تحقيق الثراء السريع للحصول على أموالهم تحت هذه الدعوى.
وأعربت عن أسفها لمشاركة بعض وسائل الإعلام في الترويج للدجالين والمشعوذين.. مشددة على دور رجال الدين في التصدي لهذه الظاهرة عن طريق البحث في جوانب التحريم، وإصدار الفتاوى التي تحرمها بالدليل والبرهان القاطع، وتؤكد أن هذه الظاهر منتشرة في مختلف فئات المجتمع، وقد كانت الدراسات في البدايات الأولى ترى أنها موجودة في الطبقات الدنيا في المجتمع، حيث المحرومون من التعليم، ويزداد الإحساس بالإحباط والأزمات، مشيرة إلى أن اللجوء إلى السحر والشعوذة نوع من التعويض أو الهروب، لأنه لا تتوافر للفرد مقومات وشروط المواجهة ومقاومة التحديات في كثير من القضايا الاجتماعية.
ومن جانبه يرى الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الصحة النفسية أن أغلب المترددين على المشعوذين من الشخصيات الهشة داخليا والمهزوزة، ومن السهل التأثير عليها من قبل الآخرين، على الرغم من أن العديد منهم في الحقيقة ليسوا مقتنعين تمام الاقتناع بهذه الطرق لحل المشاكل التي يواجهونها، ولكنها تظل الطريقة الأسهل والأكثر سرية وقدرة على سبر الأغوار بلا أدنى معرفة من أحد، حيث إن معظم الذين يترددون على الدجالين يخفون ذلك عن ذويهم واقرب الناس إليهم، وهذا يدل على عدم اقتناعهم الشخصي بهذا الأسلوب، ولكن تظل الخرافات تحكم الكثير من اعتقاداتنا بغض النظر عن المكانة العلمية أو الاجتماعية التي وصل إليها الفرد.
وهناك حقائق غاية في الخطورة للظاهرة بجميع أشكالها، لأن شخصيات كبيرة وشهيرة من رجال أعمال وفنانين يترددون على الدجالين.. مؤكدا أهمية الإعلام الواعي الصادق في التصدي لهذه الظاهرة من خلال رصدها وتحليلها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
الشرع والعقل
ويؤكد الشيخ فرحات المنجي من علماء الأزهر الشريف أن أهم أسباب انتشار الدجل والشعوذة بين المسلمين الجهل بأحكام الشرع، حيث يلجأ بعض المسلمين إلى المشعوذين والسحرة ظنا منهم انه جزء من الدين، أو أن الدين لا يتعارض مع السحر والشعوذة مع أن الله تعالى حرم الدجل لأنه افتراء بالكذب على الله.
ويضيف أن الإسلام يبني مفاهيمه على العقل بعد الشرع، فلا تعارض بين حقيقة شرعية وحقيقة عقلية أبداً، والدجل والشعوذة لا يبنيان أفعالهما إلا على ما يخالف العقل باستخدام القوى الخفية وادعاء الاطلاع على الغيب المجهول، مشدداً على عدم إنكاره أن هناك خوارق للعادات تسمى بالمعجزات وهي للرسل والكرامات وهي للصالحين، ولكن هذه الخوارق لا تكون أصلا إلا لمن وفقه الله لطاعته، وبأمر من الله، لا باستعانة بأحد من الخلق جنا أو إنسا.
ويؤكد الشيخ المنجي أن المرجع في هذه الحال يجب أن يكون إلى العلم الشرعي المؤيد بالدليل لا إلى الخرافة والخوارق، مبيناً أن القضاء على هذا الجهل واجب على أهل العلم أن يبينوا للناس حكم الدجل والشعوذة بالوسائل المختلفة كتابة وإلقاء وعرضاً.
ويشاركه الرأي الدكتور شعبان محمد إسماعيل الأستاذ في جامعة أم القرى في مكة المكرمة في التأكيد على دور علماء الدين والدعاة في تبصير الناس بخطورة الدجالين والمشعوذين على المجتمع لما يرتكبونه من مخالفات شرعية.. مشددا على دور ولاة الأمور كل حسب موقعه في تطبيق كل ما يوصي به ما أهل الحل والعقد من العلماء، بما يفيد مخالفة الدجالين لشرع الله والعقوبة الواجبة عليهم.
ويقول: على المسلم أن يعلم ما علمه ربه له في باب التوكل واليقين عليه سبحانه وحده ومنه قوله: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وما لقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ومن ذلك ما جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.
دور المؤسسات الدينية
ويرى الدكتور عبدالله سمك الأستاذ في كلية الدعوة جامعة الأزهر أن انتشار الدجالين يكون مصاحبا للأمية الدينية، لأن الخرافة قرينة الجهل والتخلف.. مؤكدا دور المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف جامعا وجامعة في مواجهة الدجالين وتوعية الناس بخطورتهم وكشف حيلهم وأكاذيبهم، وكذلك دور ولي الأمر في تعظيم التربية في المدارس ووسائل الإعلام. ويشير إلى قدرة الدجال على إقناع الناس بما يقوم به من خلال التظاهر بمظهر الصلاح، حيث يرى بعض الناس الدجال بمظهر يوحي بالالتزام أو أنهم يرون شبها بين رجل الدين ورجل الشعوذة فيصنفونهما في خانة واحدة، أو أنهم يرون الدجال يقوم بخدمات إنسانية وإصلاحية فيغترون به أو أنه يضع في غرفته الآيات القرآنية ويكتب الآيات القرآنية والأسماء الحسنى في أوراقه فيظنه الناس تقيا، كما أن الأسلوب الأمثل للتصدي لهذه الظاهرة التي تسيء إلى الإسلام من خلال قيام العلماء بتوعية الطرفين، الضعيف البائس المحبط صاحب المشكلة والتأكيد عليه أن حلها عند الله سبحانه وتعالى، وأن عليه الأخذ بالأسباب والذهاب إلى المتخصصين والبعد عن الدجالين لعدم جدواهم، وفي الاتجاه ذاته يجب أيضا أن نرهب بعظم العقوبة في الشرع لمن يأتي عرافا أو كاهنا.
ويواصل: أما الدجال فعلينا أن نبدأ معه بالنصح وتخويفه من عذاب الله وتعريفه بحرمة الذي يكتسبه من عمله المشين، والتأكيد أن من يمارس هذا العمل كافر وعقوبته في الإسلام القتل إذا لم يتب، وإن لم يرتدع فهنا يكون دور القانون.