تعد الشفة الأرنبية أشهر التشوهات التي تصيب وجه الأطفال حديثي الولادة، كما تعوق قدرتهم على التفاعل مع المجتمع والمدرسة، والتي تعرف أيضاً بالشفة المشقوقة والحنك المشقوق.
ويصيب هذا التشوه الوراثي الشفة العليا أو سقف الحنك أو كليهما معاً، وترجع أسباب الإصابة به إلى عوامل وراثية وبيئية، أو مزيح منهما أحياناً.
و يمكن أن يكون هذا التشوه حالة منفصلة، أو يكون مرتبطاً بإحدى الحالات المرضية، أو المتلازمات الجينية الموروثة. ويخضع الطفل لعدد من العمليات الجراحية، والتي تساعده على أن يستعيد وظيفة الفم الطبيعية، وأن يحصل على مظهر طبيعي بأقل قدر من الندبات.
تحدث الشفة الأرنبية أو الشفة المشقوقة في الغالب في الشفة العليا، في حين أن شق الحنك يصيب سقف الفم من الداخل، أي في الفك العلوي.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة الشفة الأرنبية بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك المضاعفات التي تظهر، ونقدم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.
الترتيب الرابع
يعد تشوه الشفة المشقوقة الرابع في ترتيب أكثر التشوهات الوراثية شيوعاً بحسب الإحصائيات الحديثة، والتي تشير إلى أن هناك إصابة جديدة به من بين كل 700 مولود في السنة، وذلك حسبما نشر في موقع «المراكز الأمريكية للتحكم في الأمراض.
وأضاف الموقع: يوجد لهذا التشوه نوعان أساسيان، الأول الشفة الأرنبية أحادية الجانب، وفيها يكون شق واحد في الشفة، وينقسم بدوره إلى ممتد إلى الأنف أو غير ممتد.
ويعرف النوع الثاني بالشفة الأرنبية ثنائية الجانب، حيث يكون الشق على جانبي الشفة، ويكون كذلك ممتداً للأنف، أو غير ممتد.
ويشمل فريق الأطباء الذي يقوم على علاج تشوه الشفة الأرنبية طبيب أطفال، وجراح تجميل، وآخر للفم، وطبيب أسنان أطفال، وآخر لتقويم الأسنان، وأخصائي أنف وأذن وحنجرة.
ويمكن أن يشمل الفريق أيضاً أخصائي سمع، وأخصائي تخاطب، بالإضافة إلى استشاري علم وراثة وأخصائياً في الطب النفسي.
شكل جزئي
ونشر موقع «ويب مد» أن عدم تشكل أنسجة وجه الطفل وفمه بصورة سليمة يؤدي إلى حدوث الشفة المشقوقة والحنك المشقوق، وغالباً فإن الأنسجة التي تشكل هذا الجزء تلتحم ببعضها خلال الشهرين الثاني والثالث من الحمل.
ويحدث هذا الالتحام لدى الأجنة المصابة بالشفة الأرنبية بشكل جزئي، مسبباً الشق، أو لا يحدث، ويرجع الباحثون معظم الحالات المصابة بالشفة الأرنبية والحنك المشقوق إلى تأثير الجينات الوراثية والبيئة المحيطة، ولا يمكن معرفة السبب الرئيسي لهذا الخلل عند عدد كبير من الرضع.
وأضاف الموقع: تلعب الجينات التي تورث من الأب والأم دوراً في هذا الخلل، فربما ورث الطفل هذا بسبب الجينات المسببة للانشقاق، وذلك كجزء من متلازمة إحدى علاماتها هذا الانشقاق، أو أنه عيب منفصل، ويرث الجنين الجين المسبب للإصابة بالشق بشكل أكبر، ومع وجود المثيرات البيئية فإنه يصاب بهذا الخلل.
التدخين والأدوية
يمكن أن يكون سبب الشفة الأرنبية تعرض الحامل لبعض المواد، فالمرأة المدخنة يكون أطفالها عرضة بشكل أكبر للإصابة بالشفة المشقوقة والحنك المشقوق.
ويؤدي تناول بعض الأدوية دون معرفة أثرها في الحمل إلى الإصابة بهذا الخلل، كأدوية الصداع النصفي والأدوية المضادة لحب الشباب، والأدوية المضادة للأمراض المناعية وبعض أدوية السرطان.
ويتسبب في بعض الأحيان نقص حمض الفوليك خلال الحمل، وربما يكون بسبب الإصابة بعدوى فيروسية، أو التعرض لمواد كيميائية أثناء الحمل.
وتلعب بعض العوامل دوراً في زيادة خطر الإصابة بالشفة المشقوقة والحنك المشقوق، ومن ذلك التاريخ المرضي للعائلة، فإن وجود شخص مصاب بهذه الحالة معناه أن هناك خطر إنجاب طفل لديه نفس الحالة.
صور التشوه
يظهر الشق الموجود في الشفة أو الحنك عند الولادة بشكل فوري، ومن الممكن أن يظهر هذا الخلل بأكثر من صورة، وتشمل هذه الصور انشقاقاً في الشفة وسقف الفم، وهو ما يمكن أن يصيب أحد جانبي الفم، أو كلا الجانبين.
وتكون الصورة التالية حدوث انشقاق في الشفة، ولا يظهر إلا كشق صغير فيها، أو ربما امتد منها عبر اللثة العليا والحنك للجزء السفلي من الأنف.
ويحدث في إحدى صور هذا الخلل انشقاق في سقف الحنك، وهو لا يؤثر في مظهر الوجه، وهناك صورة أخيرة، وتعتبر الأقل شيوعاً، وفيها يحدث الشق في عضلات الحنك الرخو، وهو الجزء الخلفي من الفم، ويكون مغطى ببطانة الفم.
وتعرف هذه الصورة بالحنك المشقوق تحت المخاطية، وفي الغالب فإنه لا يلاحظ عند الولادة، وإنما يمكن أن يشخص في وقت لاحق، إذا ظهرت على الطفل بعض العلامات الأخرى.
مضاعفات الإصابة
يعاني الطفل المصاب بالشفة الأرنبية بعض المضاعفات، كأن يجد صعوبة في أن يتناول الطعام، لأن هناك صعوبة في مرور الطعام والسوائل إلى المعدة مباشرة، وربما تسربت للأنف.
وتتوافر أدوات مساعدة للأطفال المصابين بهذا العيب الخلقي، حتى يمكنهم تناول الغذاء أو الرضاعة، وذلك حتى يتم التدخل الجراحي لعلاج هذا الخلل.
ويكون الطفل المصاب بالشفة الأرنبية عرضة بشكل أكبر لالتهابات الأذن، وذلك لأنه عرضة لأن تمر السوائل للأذن الوسطى بصورة أكبر، وهو الأمر الذي يتسبب في العدوى، يجب الانتباه إلى أن عدم علاجها من الممكن أن يؤدي إلى فقد السمع.
الأسنان والتخاطب
يمكن وقاية الطفل من هذا الأمر بوضع أنبوب يسحب السوائل من الأذن، والذي يتم بعملية جراحية يضع الطبيب خلالها أنبوب تهوية صناعية في طبلة الأذن، وفي العادة تسقط تلقائياً خلال 6 أشهر، ولذلك لابد من فحص الطفل بصورة دورية.
ويتعرض الأطفال المصابون بهذا العيب الخلقي إلى مشاكل في الأسنان، فهم عرضة بشكل أكبر للتسوس، والإصابة بتشوهات الفكين، وربما عانوا مشكلات التخاطب، فلا يمكن فهم ما يريدون.
وتساعد العملية الجراحية في التخلص من مشكلة التخاطب، وربما احتاج بعض الأطفال إلى مختص تخاطب في مرحلة لاحقة، كما أن تشوهات الفكين يمكن أن تحتاج تدخلاً جراحياً أحياناً.
التدخل الجراحي
يكون الهدف من علاج الشفة الأرنبية التغلب على أي مضاعفات يمكن أن يعانيها الطفل، كأن يستطيع تناول طعامه، أو يتكلم ويسمع ويتنفس، ويهدف كذلك إلى الحصول على مظهر طبيعي لوجهه.
ويعتبر التدخل الجراحي العلاج الرئيسي لهذا التشوه، والذي يعتمد على حالة الطفل، وفي الغالب تجرى الجراحة خلال الشهور الأولى من الولادة.
ويلاحظ أن الطفل يحتاج إلى عدة مراحل للوصول إلى الشفاء الكامل، والتي تبدأ بإصلاح الشفة المشقوقة خلال السنة الأولى من عمر الطفل، ثم إصلاح الحنك المشقوق خلال عام ونصف أو قبل ذلك، وأخيراً جراحات مكملة بين عمر السنتين إلى أواخر مرحلة المراهقة.
7 خطوات
تشمل هذه المراحل 7 خطوات، الأولى يتم فيها إصلاح شق الشفة واللثة والأنف، ويبدأ هذا من عمر شهر ونصف إلى 3 أشهر.
وتجرى في الخطوة الثانية جراحة لإصلاح شق الحلق، وذلك بعد مرور 6 شهور من الجراحة الأولى، ويجب إجراء هاتين الجراحتين قبل أن يتم الطفل العام الأول له. وتشمل الخطوة الثالثة متابعة الطفل مع جراح أنف وأذن وحنجرة، وتعتبر هذه المتابعة مهمة للتأكد من حالة الأذن الوسطى، وتركيب أنبوب للتهوية لو كان هناك ماء خلف طبلة الأذن، وتبدأ هذه المتابعة من 9 شهور إلى 3 سنوات. وتكون الخطوة الرابعة جلسات تخاطب، بهدف تمكين الطفل من نطق الحروف بشكل سليم، وعلاج مشكلة الخنف لمن يعانيها.
اللمسات الأخيرة
يتم إجراء جراحة للفك في الخطوة الخامسة، والتي تتم بالتعاون بين جراح تجميل وجراح الوجه والفكين، وذلك لإجراء جراحة في الفك نفسه، والتي يتم تحريك الفك بالتقديم أو التأخير بحسب حالة الطفل.
ويقوم الطفل في الخطوة السادسة بتقويم للفك وزراعة أسنان في المناطق التي لا توجد فيها أسنان، وتكون هذه الخطوة بين 6 و12 سنة.
وتشمل الخطوة السابعة والأخيرة اللمسات الأخيرة لتجميل الأنف والشفة، وذلك في سن البلوغ، وممكن الاستعانة بالليزر والفيلر لتجميل الشفاة، وبخاصة لو كان أحد الجانبين منتفخاً أكثر من الآخر.
دعم الطفل
تشير دراسة حديثة إلى أن معدل إصابة الذكور بالشفة المشقوقة يزيد مع أو بدون الحنك المشقوق بالنسبة للإناث للضعف، في حين أن الحنك المشقوق بدون الشفة المشقوق منتشر في الإناث أكثر.
وتشير بعض الدراسات والأبحاث إلى أن أطفال الأمهات المصابات بالسمنة عرضة بشكل أكبر لخطر الإصابة بالشفة المشقوقة والحنك المشقوق.
وأول عملية تجميل للشفة الأرنبية سجلها التاريخ في عام 500 قبل الميلاد، وحديثاً كان د. هولييه أول من أجرى خياطة لشقوق السقف عام 1552.
وشهدت هذه العملية العديد من التحسينات، كرفع الطبقة المخاطية لسقف الحلق، بهدف السماح بغلق شقوق سقف الحلق الصلب، وقام بها الطبيب الألماني ديفنبيش في 1828.
ويمكن أن يواجه الأطفال المصابون بهذا التشوه مشاكل اجتماعية وسلوكية، وذلك نتيجة اختلافات المظهر والضغط النفسي من العناية المركزة.
ويحتاج الطفل بسبب هذه المشاكل إلى تقديم الدعم له بعدة طرق، والتي تبدأ بالتركيز على الطفل كشخص، وليس على التشوه الذي يعانيه، وكذلك التركيز على السمات الإيجابية والتي لا تشمل المظهر الخارجي.
وتجب مساعدة الطفل على اكتساب الثقة، والتواصل بصورة دائمة معه للتعامل مع أي مشكلة تظهر وتتعلق بالتنمر به، سواء في دائرة المدرسة أو المحيط الاجتماعي للأسرة.