تعتبر ظاهرة الشفق القطبي أو الاورورا كما تسمى بلغة اجنبية من الظواهر الجميلة التي تضفي البهجة على ناظرها، وهي مزيج من الألوان الخلابة التي تتشكل في المنطقتين القطبيتين الشمالية والجنوبية على الأرض. ويعرف الشفق القطبي بأسماء أخرى مثل الفجر القطبي أو الأضواء
الشمالية. وتتكون هذه الظاهرة جراء انعكاسات الأشعة المنبثقة من الشمس والتفريغ المغناطيسي في أعالي السماء نتيجة تفاعلات طبقة الاكليل الشمسي الكرونا حيث تستقطب منطقة القطب بمركز ثقلها تلك الأشعة التي تظهر لمن يشاهدها على شكل شفق بألوان خلابة.
من الشعوب التي حاكت الأساطير حول هذه الظاهرة الطبيعية، شعب الاسكيمو الذي يعتقد ان الشفق ما هو إلا كائن حي فضولي إذا ما تحدث بصوت خافت فإنه يحاول اشباع فضوله، أما بالنسبة للرومان فالشفق القطبي هو الهة الفجر اخت القمر، وتقول الاسطورة الرومانية إن اورورا تقطع السماء في عربتها قبيل الفجر ويسبقها ابنها نسيم الصباح ليعلن قدوم عربة أبولو الهة الموسيقا والنور والفطنة حاملة معها شمس اليوم الجديد.
تشكل الظاهرة
وربما لا يجد المرء كلمات كافية لوصف تلك الألوان المتعددة الجميلة التي تتراقص فوق القطبين عند حدوث الظاهرة لكن العلماء ايضاً وقعوا منذ سنوات في المأزق ذاته، إذ كانوا غير قادرين على تفسير اسباب حدوث الظاهرة من أساسها، ولذا اطلقت وكالة ناسا الفضائية الأمريكية في فبراير/شباط 2007 البعثة الفضائية المتعددة الاغراض المكونة من 5 اقمار اصطناعية ثيميس والتي تدعمها 20 كاميرا عالية الدقة من الأرض بغية تصوير الظواهر التي تحدث في أعالي السماء.
والمعروف لدى العلماء بشكل عام أن أسباب حدوث الشفق القطبي تبدأ على سطح الشمس وتصدر باستمرار جسيمات مشحونة الكترونات وبروتونات وتقذفها في الفضاء لتكون غازاً مؤيناً بلازما ينتشر في الفضاء ويسبح في الوسط ما بين الكواكب وهو ما يطلق عليه العلماء الرياح الشمسية وعندما تتقابل هذه الرياح مع عائق ممغنط مثل الأرض تتفاعل معه، وتغير من اتجاه خطوط مجاله المغناطيسي وتشكل غلافه المغناطيسي. ويقول الباحث كريستيان جاكي من مركز الدراسات الفضائية للاشعاعات وعضو بعثة ثيميس تعمل الرياح الشمسية على ضغط المجال المغناطيسي للأرض من الناحية المنيرة وتجذبه من الناحية المظلمة الى مسافة تزيد على 6 ملايين كيلومتر ولذا نلاحظ ان الغلاف المغناطيسي للأرض يتخذ شكل المذنب.
وتعمل هذه البلازما المنتشرة على تشكيل الغلاف أو المجال المغناطيسي من الداخل لا سيما تلك الجسيمات المتدفقة التي تمتد من الجهة المظلمة منه. وتتضخم هذه الجسيمات بفعل الرياح الشمسية وتزداد شدتها الى درجة ان الطاقة المغناطيسية المتجمعة تنتهي بالتشتت بشكل فجائي على هيئة شبه عاصفة مغناطيسية.
ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا والذي ستحاول الاجابة عنه بعثة ثيميس هو: ما الشرارة الأولى التي تطلق هذه العاصفة المغناطيسية الأولية، أو بالأحرى ما الظاهرة التي تؤدي الى تشتت الطاقة ووصولها الى الأرض وتعريض الاتصالات للخطر واحداث اضطرابات في البوصلات وتهديد الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض بالتلف الدائم؟
انقطاع أم اتصال؟
منذ سنوات عدة تتواجه نظريتان حول أصل تلك العاصفة المغناطيسية التي تؤدي الى تشتت الطاقة على هيئة شفق قطبي زاهي الألوان، لكنهما لم تتوصلا الى نتيجة واضحة. وتؤكد النظرية الأولى ان الاضطرابات تحدث في الفضاء بشكل فجائي نظراً لحدوث انقطاع مجهول المصدر في التيار المغذي للغلاف المغناطيسي وتبدأ هذه الشرارة على مسافة تبلغ 51 ألف كيلومتر تقريباً من الأرض ثم تنتشر نحو الخارج.
وتقول النظرية الثانية إن العواصف البدائية أو الأولية تنطلق على مسافة تزيد بثلاثة أمثال المسافة المذكورة آنفاً أي على بعد 153 ألف كيلومتر حيث تنشد خطوط المجال المغناطيسي الداخلية التي تكون في العادة متوازية، الى مسافة تصل الى 130 ألف كيلومتر تقريباً وبالتالي فإن الطاقة المغناطيسية تتشتت جراء هذا الاتصال الجديد لها وهو ما يؤدي الى حدوث العواصف الأولية المغناطيسية ولكن حتى هنا نجد أن الآلية التي تسبب حدوث الظاهرة ليست واضحة تماماً.
بداية الحل
والواقع أنه على الرغم من منطقية النظريتين في تفسير الظاهرة، لم يحدث حتى الآن أن تمكن العلماء من معرفة أي الظاهرتين تحدث أولاً: الاتصال أم الانقطاع. ويشير الباحث كريستيان جاكي الى أن بداية الحل لهاتين الظاهرتين تجسدت خلال العاصفة المغناطيسية الأولية التي حدثت في 29 يناير/كانون الثاني و26 فبراير/شباط من العام ،2008 ففي هذين اليومين سجلت الأقمار الاصطناعية الخمسة لبعثة ثيميس والموجهة نحو ذنب الغلاف المغناطيسي الأرضي، التغيرات الحادثة في المجال المغناطيسي وقاست كمية الجسيمات المتدفقة، في حين كانت الكاميرات تسجل على الأرض كل تلك التغيرات، وبالفعل كانت هذه الأقمار في مكانها الدقيق لتخليد بصمات هذه الظاهرة التي طالما حيرت العلماء. وقد اظهرت قياسات هذه الأقمار في 29 يناير/كانون الثاني 2008 أن العاصفة المغناطيسية الأولية كانت مسبوقة بعملية انقطاع للتيار وذلك كما تنبأت به النظرية الأولى، ثم حدثت عملية إعادة اتصال للتيار المغناطيسي قبل أن تنطلق العاصفة بقليل، وبالتالي فإننا لا نستطيع ان نعطي الحق لإحدى النظريتين على الأخرى. وفي هذا الصدد يقول الباحث فاسيليس انجلو بولوس رئيس البعثة الفضائية ثيميس لم نتمكن من المشاهدة المباشرة سوى للقليل من حالات إعادة الاتصال في تيار المجال المغناطيسي للأرض هذه السنة، ولذا لا يمكننا القول أي النظريتين اصح، بل لا بد من أن نتوقع عدداً كبيراً من الاجابات وليس اجابة واحدة فقط لأن العواصف المغناطيسية الأولية يمكن ان تحدث جراء أسباب متعددة، لكن الاجابة التي يمكن القول إنها ستكون شافية للباحثين لن تصلنا الا مع العام 2009 حيث سيعكف هؤلاء على تحليل الصور التي التقطتها الكاميرات الحساسة إضافة الى التعرف الى معطيات جديدة ربما تكون بمثابة القول الفصل لأسباب حدوث الظاهرة.
بعثات جديدة
ومع انتظار النتائج المقبلة القريبة، تعكف ناسا على دراسة بعثات علمية جديدة ستنطلق خلال عشر سنوات وتهدف الى دراسة آليات الانقطاع والاتصال بشكل مفصل والتطبيقات المتمخضة عنها لأن الدرع المغناطيسية للأرض تعتبر المختبر المثالي لدراسة فيزياء البلازما الذي يعتبر مجالاً في قمة تطوره العلمي، لاسيما على الصعيد الاندماج النووي وتصنيع الأسلحة النووية، ولذا يقول الباحثون إن الألوان الجميلة التي تلوح لنا في السماء ربما تخفي في ثناياها الكثير من الأسرار التي ربما لا تسر الكثيرين ومن هنا فلا داعي للانخداع بالمظاهر.