الحمد والشكر واجبان على كل واحدة من النعم الإلهية التي لا تعدّ ولا تحصى، مادية كانت أم معنوية، ولا يمكن لأي فرد كان أن يشكر آلاء الله حق شكرها، إذ إنه وإن كنّا نفترض لكل نفس شكراً فإن وجود الشكر لا يتحقق إلا بتوفيق من الله تعالى، ولا يتحقق شكر إلا ويترتب عليه شكر آخر إلى ما لا نهاية ولا غاية للشكر إلا إذا أبدينا عجزنا عن شكر النعم فهذه درجة شكر الشاكرين .
ومراتب الشكر كثيرة ومنها:
- الشكر بالقلب: وهو ما يحصل بعد معرفة الإنسان لنعمة وإقرارها بكونها نعمة إلهية والشعور الداخلي بالحاجة لشكر المنعم وهنا الشكر هو أن يصدق الشخص قلبياً بأن كل النعم التي تصل إليه لا تكون إلا من جانب الله تعالى وإنه لا منعم حقيقي إلا الله تعالى .
- الشكر باللسان: عندما يشعر الإنسان بفيض النعم الإلهية عليه يمضي من مرحلة الشكر بالقلب إلى مرحلة الشكر باللسان لقوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدّث والشكر باللسان لا يعتبر شكراً فيما إذا لم يتصل بالقلب فحقيقة الشكر تنبع من القلب حيث تصل إلى اللسان وحق الشكر أن يعتقد الإنسان بالنعمة التي تبلغه قلباً ويظهره لساناً فيزداد إيمانه القلبي نتيجة إظهاره الشكر باللسان .
- الشكر العملي : كالشكر على نعمة الصحة بالانصياع لأوامر الله تعالى، وألا نستخدم النعم الإلهية في غير ما يرضاه الله عز وجل فالشكر باللسان لا يعني تمام الشكر الا أن يكون تعبيراً عن معرفة الإنسان القلبية بالنعمة فيكون عمل الإنسان تأكيداً لهذا الشكر فأداء الشكر العملي هو الانصياع لأوامر لله تعالى واجتناب المعاصي .
من آثار الشكر التوفيق الذي يعطيه الله لمن يشاء من عباده فضلاً منه وتكرّماً فالشاكر العالم بالنعمة يكثر من محبة الله في قلبه ويبقى ذكره تعالى في قلبه حيّاً خالداً لقوله تعالى في (سورة إبراهيم): لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد .
كما أن من آثاره استمرار النعمة إذ تستمر النعمة في حال أداء شكرها، ولأن كل نعمة عندنا هي من الله فإن دوام النعمة هو مصداق لقوله تعالى لأزيدنكم فلا تزول أي نعمة إذا شكرت فشكر نعمة الثراء يكون بالاهتمام بالفقراء وشكر صاحب الجاه هو باستخدام هذ الجاه لخدمة الناس وكلما شكرنا الله على نعمه بالعمل تستمر النعمة وتدوم وإذا قصّر المسلم في حق النعمة زالت وبشكر ولي النعم تزداد النعم .
ومن آثاره أيضاً الصون من العذاب الإلهي لقوله تعالى: لئن كفرتم إن عذابي لشديد، وقوله عز وجل في (سورة النساء): ماذا يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً .
وقد جاءت كلمة الشكر في القرآن مقرونة بكلمة الذكر أحياناً كقوله في (سورة البقرة): فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون، وفي (سورة آل عمران): ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم، وفي (سورة آل عمران) أيضاً: وسنجزي الشاكرين .
والشكر يكون دائماً على النعم بينما يكون الحمد علاوة على النعم على حسن الأفعال وجميل الصفات ويوضح ذلك قول سليمان عليه السلام في (سورة النمل): رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وكذلك في (سورة لقمان): ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد، فالشكر هنا مقابل إعطاء النعم بينما الحمد قد يكون أحياناً مقابل الحسنات من الأعمال كقوله تعالى: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، كما مقابل النعم مثلما ورد في (سورة إبراهيم): الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء .
* مفتي راشيا - لبنان