تحقيق: راندا جرجس
يقول الدكتور شاجو جورج - اختصاصي الطب النفسي، إن الصرع ينشأ؛ نتيجة إصابة مريض بحادث أثر في دماغه، أو نتيجة سقوطه على رأسه، أو إصابته بضرب مبرح على رأسه أدى إلى خلل في دماغه أو إصابته بورم، أو كسر في جمجمته، وأيضاً تناول الكحول، والإدمان على المخدرات، أو نتيجة التعب الشديد والإرهاق المتواصل، وعدم أخذ قسط كاف من النوم والراحة، كما يتعرض مريض الصرع لنوبات تأتي على شكل حركات لا إرادية، تجعل المصاب يتحرك بشكل جنوني، أو يضرب نفسه، مع اهتزاز جسده سريعاً، ويمكن أن يسقط أي عضو من جسمه على الأرض دون أن يشعر بأي شيء حين يعود إلى وعيه، وتأتي النوبات الصرعية على فترات يمكن أن تصل إلى سنوات.
تشخيص
يفيد د. شاجو، أن التشخيص بشكل أولي يتم بمساعدة الأسرة، أي بمنح معلومات عن حالة المريض، وعدد نوباته ووصفها وأوقاتها، ومن المهم أيضاً، الخضوع للفحص السريري، من قبل اختصاصي دماغ مع أخذ شهادات الموجودين، وخاصة بما يحدث مع المريض أثناء تعرضه للنوبات الصرعية؛ حيث إنه يكون غائباً عن الوعي، وتتم الاستعانة بجهاز رسم المخ الكهربائي؛ ليسجل نشاط الدماغ بواسطة أسلاك تثبت على الرأس؛ لتدون الإشارات الكهربائية للخلايا العصبية، في الفترة بين النوبات التي تصيب المريض؛ ليثبت الطبيب إن كان يعاني صرعاً أم لا، وربما يستخدم الرنين المغنطيسي أيضاً؛ للبحث عن إصابات في الرأس تكون قد أدت إلى مرض الصرع.
يستكمل: يحاول الطبيب في البداية تحديد نوع التشنجات وسببها، ويعتمد التشخيص على التاريخ الطبي للمريض، الفحص الجسدي والعصبي الكامل، وبعض الفحوص الإضافية مثل: مخطط كهربية الدماغ، وهو الفحص الوحيد الذي يُمكنه اكتشاف وتحديد النشاط الكهربي في المخ؛ (حيث إن التشنجات تنتج من نشاط كهربي غير طبيعي في المخ)، ويتم وضع مستقبلات معدنية صغيرة في أماكن معينة على رأس المريض أثناء إجراء هذا الفحص، وتكون هذه المستقبلات متصلة بشاشة تقوم بتسجيل النشاط الكهربي للدماغ، إذا كان المريض يُعاني فقدان الوعي أثناء حدوث التشنجات، فيجب أخذ معلومات كافية عن التشنجات من الأسرة أو الأصدقاء الموجودين أثناء حدوثها.
نوبات التشنج
يبين د. شاجو، أن التشنجات تحدث؛ عندما يصبح النشاط الكهربي على سطح المخ بأكمله متزامناً بصورة غير طبيعية، وتتواصل الخلايا العصبية للمخ فيما بينها بشكل طبيعي، بإرسال إشارات كيميائية وكهربائية من خلال نقاط الاشتباك العصبية، التي تصل الخلايا ببعضها، وفي الأشخاص، الذين يصابون بنوبات الصرع، يتغير النشاط الكهربائي المعتاد للمخ، ولا تزال الأسباب الدقيقة لحدوث هذه التغيرات مجهولة في حوالي نصف الحالات، ومع ذلك ربما تحدث نوبات الصرع الكبرى أحياناً؛ بسبب وجود مشاكل صحية أخرى كامنة.
أعراض
ويشير د.شاجو إلى أن علامات الإصابة بمرض الصرع بشكل عام تتمثل في فقدان الوعي، انقباض العضلات فجأة، ما يؤدى إلى سقوط المريض على الأرض، وتميل هذه المرحلة للاستمرار نحو 10 إلى 20 ثانية، ثم تدخل العضلات في انقباضات تتسم بالتتابع المنتظم؛ حيث يتتابع انقباضها وارتخاؤها، وفي العادة تستمر التشنجات أقل من دقيقتين، وهناك بعض الأعراض، التي يختلف ظهورها بحسب حالة المريض وهي كالآتي:
* الأوره (النسمة)؛ حيث يمر بعض المصابين بإحساس تنبيهي يسمى (أوره) قبل نوبة الصرع الكبرى، ويختلف هذا التنبيه من شخص لآخر، كالإحساس بالفزع غير المفسر أو شم رائحة غريبة أو الشعور بالتنميل.
* الصراخ؛ حيث إن بعض المصابين يطلقون صرخة في بداية نوبة الصرع؛ لأن العضلات المحيطة بالحبال الصوتية تتشنج مطلقة الهواء للخارج.
* فقدان التحكم في الأمعاء والمثانة، الذي يحدث أثناء النوبة أو بعدها.
* فقدان الاستجابة بعد التشنجات، وربما يستمر فقدان الوعي لعدة دقائق بعد انتهاء نوبة التشنجات.
* التشوش، ففي الغالب تعقب نوبة الصرع الكبرى فترة من التوهان، ويشار إلى هذه الحالة باسم تشوش ما بعد الصرع.
* الإرهاق؛ حيث يشعر المصاب بنوبة الصرع الكبرى بالحاجة إلى النوم بعدها.
* الصداع الشديد الذي يرافق النوبة في معظم الحالات.
* خروج مادّة بيضاء من فم المصاب.
تدخل مبكر
يذكر الدكتور إبراهيم الثبيتى استشاري جراحة المخ والأعصاب، أن علاج داء الصرع بالجراحة، هي طريقة علاج مستحدثة، خاصة للصغار الذين يعانون الصرع المستعصي الذي لا يستجيب للشفاء بالأدوية، وخاصة أن معظمها يسبب عدم التركيز وتشتت الانتباه، وضعف القدرات الحركية والذهنية؛ حيث إن 70% أو ثلثي المصابين يستجيبون للعلاج بالأدوية، أما الثلث الآخر 30% فإنهم غير مستجيبين للعلاج، ونسميهم الحالات المستعصية أو من المصابين بخلل طبقي في المخ، وهم الفئة التي تمتلك أملاً في حلول أخرى للعلاج بالجراحة باستئصال البؤرة الصرعية الموجودة في المخ، ما يؤدى لوقف نوبات التشنج.
يضيف: كلما كان التدخل الجراحي أسرع زادت نسبة شفاء الحالة، خاصة مع حالات الأطفال التي يتم تشخيصها مبكراً في سن صغير جداً؛ وذلك لسهولة إعادة التأهيل وتكوين القدرات والمهارات العقلية والفكرية؛ حيث إن كل نوبة تشنج تؤدي إلى حرق الكثير من خلايا المخ، وهناك بعض الأسباب التي تؤدى إلى الإصابة بداء الصرع تختلف بين الأشخاص والفئات العمرية كالآتي:
* بالنسبة للأطفال تتمثل في: الخلل الطبقي الوراثي، حالات جينية، وجود أورام حميدية أو نزيف حدث وقت الحمل والولادة، خلل في عروق وشرايين المخ.
* أما عند الكبار فالإصابة تكون نتيجة التعرض للكدمات أو الحوادث، كسور الجمجمة، وهناك حالات غير معروفة السبب.
وسائل علاجية
يفيد د.الثبيتي، أن أحدث طرق تشخيص الإصابة بمرض الصرع تتمثل في برنامج تقييم وحدة مراقبة الصرع، وعمل الأشعة والتخطيط والتقييم السريري، ثم يتم النظر في هذه النتائج من قِبل الفريق الطبي المعالج المكون من مختصي الأطفال، الصرع، الأمراض النفسية، وجراحة الصرع؛ لتحديد طريقة العلاج المناسبة، التي تناسب حالة المريض سواء بالأدوية أو الجراحة، وتتراوح نسب الشفاء بعد جراحة استئصال البؤرة الصرعية الموجودة في المخ، من 70 إلى 90%، ومع التطور المتقدم في كافة مجالات الطب والأجهزة الحديثة، التي نفحص بها كافة وظائف المخ الحركية والكلامية، وأيضاً بوجود منظار يراقب جميع الحواس أثناء إجراء العملية، ما يجعل هذه الجراحات آمنة ونسبة المضاعفات التي يتوقع حدوثها ضئيلة، أو نادرة، كما يستطيع المريض ممارسة حياته الطبيعية خلال أسبوع.
الشلل الدماغي
يوضح الدكتور كوزيافكين فولوديمير استشارى إعادة التأهيل، أن الشلل الدماغي هو اضطراب غير متطور يحدث في المخ؛ بسبب تلف مسبق أثناء الولادة أو بعدها، بالرغم من عدم تطور الإصابة، إلا أن مستوى الإعاقة في بعض الحالات يزيد مع نموه، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الشلل الدماغي يعمل على تغيير العديد من الأشياء في جسم الإنسان، بداية من البنية العضلية وصولاً إلى وظائف الحركة والأعضاء الداخلية، كما يمكن لذلك أن يؤثر في وضعية الجسم وحركته ووظائف التنسيق لديه، ما يعني أنه بنمو الطفل تكون العضلات قصيرة ومشدودة، ويزداد التوتر العضلي لديه، وهو الأمر الذي يشير إلى مدى سوء الحالة؛ حيث يعاني الأطفال الذين أصيبوا بالشلل الدماغي بوجه عام، تأخراً في تطور وظائفهم، ولا يتمكنون من تحقيق أهدافهم مقارنة بنظرائهم في نفس الوقت، كما أظهرت بعض الدراسات الأخيرة أن التوقف الوظيفي للعمود الفقري يتسبب في ضعف الاستقبال وتفسير الرسائل الحسية التي يصدرها الجهاز العصبي المركزي، ما يُصَعِّب الأمر بشأن تطور الحركة لدى المريض المُصاب بالشلل الدماغي.
إعادة تأهيل
يشير د. كوزيافكين إلى أن البرنامج العلاجي المكثف لإعادة تأهيل الوظائف العصبية، يهدف إلى تحسين نمط حياة المريض، وعلاج المصابين بالشلل الدماغي وغيرها من حالات الوظائف العصبية؛ حيث تؤثر زيادة التوتر العضلي والتشنجات في مستوى الحركة، يساعد البرنامج في إدارة التوتر العضلي والتشنجات الزائدة واستعادة حركة المفاصل وتحسين التغذية العلاجية للأنسجة؛ من خلال زيادة تدفق الدم، ما يوفر للطفل القدرة على تحقيق النمو الحركي وتطوير وظائفه، ويتكون برنامج إعادة التأهيل من مرحلتين أساسيتين هما:-
* مرحلة إعادة التأهيل المكثفة ومرحلة التوطيد؛ حيث تُجرى هذه العملية في مركز إعادة التأهيل وعادة ما تستغرق من 15 إلى 21 يوماً، وبعدها يعود الطفل إلى حياته اليومية.
* مرحلة اتباع برنامج علاجي يعتمد على ممارسة التمارين في المنزل صُمم لتطوير مهاراته الجديدة التي اكتسبها.
يفيد د. كوزيافكين، أن البرنامج المكثف لإعادة تأهيل الوظائف العصبية يعد برنامجاً متعدد الأنظمة، يشتمل على تقنيات تهدف إلى استعادة العمود الفقري والمفاصل الطرفية لمجموعة من الحركات وتعزيز قوة العضلات والتنسيق والتحكم، والحد من التشنجات والتوتر العضلي الزائد؛ من خلال الحركة والتدليك وحمل الوزن وأداء التمارين الإيقاعية والوظيفية، وجلسات التدريب على الحركة الموجهة نحو الهدف، والعلاج بالضوء، والاهتزاز، وتعتمد على ألعاب الكمبيوتر والعلاج المائي، وتتم الجلسات العلاجية على يد أطباء وأخصائي علاج طبيعي وتدليك، وتضم إعادة التأهيل الآتي:-
* وظيفة العمود الفقري وطرق تقويمه؛ حيث إن تعزيز الآليات الحيوية للعمود الفقري المتعدد المقاطع، الذي يهدف إلى حل مشكلة التوقف الوظيفي لمقاطع العمود الفقري واستعادة حركته الطبيعية، يُستخدم فيه العلاج اليدوي ثم تطبيق التقنيات بترتيب محدد ويتبعها حركة وظيفية وتقويم لأنسجة العضلات وتدريبها.
* التدليك العلاجي، يُستخدم هذا النظام لإعداد وتأهيل المريض لتعزيز الآليات الحيوية للعمود الفقري والاسترخاء العضلي والعلاج بالمنعكسات، الذي يتضمن طرق تدليك تقليدية ومجتمعة مع مرحلة ما بعد الاسترخاء العضلي.
* علاج نقاط التوتر العضلي؛ حيث تتأثر النقاط النشطة حيوياً بالأجهزة المنخفضة الطاقة الكهربائية لتحفيز الجهاز العصبي والعضلي، ويُعد ذلك علاجاً جيداً ولا يسبب أي إزعاج.
* تدريبات القوة، لتقوية العضلات وتحسين التنظيم وتصحيح أنماط الحركة؛ حيث يتم تدريب الأطراف السفلية باستخدام أجهزة من شأنها تعزيز نشاط العضلات المساعدة والمستخدمة، وفي بعض الحالات، يُستخدم العلاج بالاهتزاز؛ لتحسين المدخلات الحسية إلى العضلات قبل القيام بتدريبات القوة.
* تحريك المفاصل، التي تُعد من أهم طرق التمارين السلبية، وتُستخدم لتحسين حركة المفاصل، وتحفيز الدورة الدموية، وزيادة مرونة العضلات ومنع تيبُّس المفاصل، وتبدأ هذه العملية بعلاج المفاصل الكبرى كـ(الفخذين والركبة والكتفين) وبعد ذلك المفاصل الصغرى.
* التمارين الإيقاعية الجماعية التي تُستخدم للمساهمة في التنمية العاطفية والاندماج الاجتماعي للأطفال، وتعتمد على إيقاع الموسيقى والرقص؛ حيث يُقَسَّم المرضى إلى مجموعات وفقاً للمرحلة العمرية ومستوى القدرات الحركية، كما يشارك أولياء الأمور في هذه الجلسات؛ حيث يحفز السلوك العاطفي الإيجابي عملية تعافي المريض ويعزز شعوره بالثقة في قدراتهم.
* ألعاب الكمبيوتر المتخصصة في إعادة التأهيل؛ حيث يتم تشجيع المرضى على القيام بحركات محددة ودقيقة، مع ضرورة توفير أجواء إيجابية خلال فترة العلاج التأهيلي، بالجمع بين التمارين العلاجية وألعاب الكمبيوتر المتخصصة.
50 مليون مريض حول العالم
الصرع اضطراب مزمن يصيب الدماغ ويتأثر به الأشخاص من جميع الأعمار، حيث يعانيه نحو 50 مليون شخص حول العالم، ما يجعله المرض العصبي الأوسع انتشاراً على الصعيد العالمي، وتتراوح نسبة عموم السكان المصابين بالصرع النشيط (أي استمرار النوبات أو الحاجة إلى العلاج) في وقت ما بين 4 و10 أشخاص لكل 1000 نسمة، كما تم تشخيص إصابة ما يقدر بنحو 2.4 مليون شخص بالصرع سنوياً، وتبلغ حالات الإصابة في البلدان المرتفعة الدخل، السنوية الجديدة بين 30 و50 حالة لكل مئة ألف نسمة بين عموم السكان، أما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فربما يبلغ عدد الحالات الضعف.