أعاد المسلسل السوري باب الحارة كما غيره من المسلسلات التي تناولت البيئة الشامية في أزمان سابقة الألق لشوارب الرجال أيام كان لها عزها ودلالها وأيام كانت أوصاف ك (القبضاي والعقيد والزكرتي) لا تكاد تذكر إلا وتذكر معها الشوارب والتي من دونها تبدو الرجولة وكأنها ناقصة .

ونالت الشوارب في ذلك الوقت قيمة رمزية لم تدانيها أية قيمة أخرى فهي أول علامة على نضج الفتى وبها ينتقل من طور الطفولة إلى الشباب ثم الرجولة وعلى هذا تغدو الشوارب خطاً أحمر لا ينبغي الاقتراب منه، بها يحلف الرجل وبها يتباهى برجولته، لم لا وهي جزء من شرف شخصي كما يعتقد أصحابها .

مشهد كالذي سلف كان جزءاً من حياة كانت سائدة في فترة من الفترات فتربية الشوارب كانت القاعدة وما سواها كان الاستثناء، على عكس ما يحصل اليوم حيث أصبحت الشوارب جزءاً غير مهم من نيولوك أي رجل ولم تعد من علامات الأناقة كما كان قديماً، وأصبح خبراء الموضة يتحكمون في كون معظم الشباب العرب بشوارب أو من دون . . ولم يعد غريباً أن نرى فناناً بشارب تارة وبغيره أحياناً كثيرة ولا عزاء للصقور التي ترغب في الوقوف على الشوارب .

بداية يصف الحاج أبو أسعد الذي عاصر بعضاً من تلك المرحلة، الشوارب بزينة الرجال وكناية عن أهميتها في إضفاء الهيبة على الرجل ويقول إن الشوارب لها دلالات اجتماعية عظيمة عند الرجال وتأخذ نصيباً وافراً من الرعاية والاهتمام والتفتيل كما كان قسم الشوارب أي اليمين معظماً ومقدساً عند الرجل فكلمة وحياة شواربي ميثاق لا يخل به .

كما كانت الشوارب حسب الحاج أبو اسعد تدخل طرفاً مهماً في معاملات الدين والتجارة وغيرها، فرهن خصلات من شوارب الرجل عند المدين يغدو وكأنه رهن لحياة الرجل يستميت لأجل الوفاء بدينه وارتجاع خصلات الشوارب التي رهنها لأنها عنده بمثابة الشرف .

وعن رأيه بما هو سائد هذه الأيام يقول أبو اسعد إن قلة من الرجال ما زالت تولي الشوارب ما تستحق ولا تزال تقوم عندها مقام العزة والشرف إلا أن أغلبية شباب اليوم ساروا على درب الموضة وتقليد الغرب وباتت الشوارب بالنسبة لهم تراثاً بل ونشازاً لا بد من التخلص منه .

وعن رأي شباب اليوم في أهمية الشارب يرى إياد غزالة 25 عاماً أن الشوارب لم تعد مقياساً للرجولة فكثيراً ما نجد من شباب اليوم حليقي الشوارب لكنهم بالمقابل مثال للرجولة والشهامة والنجاح بالعمل وهي صفات كانت سابقاً لصيقة بذوي الشوارب، وبالمقابل يوضح إياد أن هناك من أصحاب الشوارب المفتولة في هذه الأيام من لا علاقة له بالرجولة من قريب أو بعيد كثر ممن لا يزالون يعتنون بشواربهم لكنهم ليسوا من أصحاب الصفات الحميدة فإما إنهم من المجرمين أو أصحاب سوابق أو يتسترون خلف شواربهم لإيهام الآخرين بأنهم أهل للرجولة .

ويعتبر خالد الخطيب 35 عاماً أنه بغض النظر عن أهمية الشوارب من عدمها كثيراً ما تفرض متطلبات الحياة العصرية على الرجل ما قد لا يتماشى مع ميوله ورغباته فظروف العمل مثلاً هذه الأيام ليست كالتي كانت سائدة من قبل ومعها يبدو من غير المسموح به بل وغير المرغوب تربية الشوارب خاصة من النمط الذي كان سائداً والتي كما يقال يقف عليها الطير .

ويضيف أن كثيراً من شباب اليوم من لم تعد تستهويه تربية الشوارب نزولاً عند رغبة الفتيات اللاتي لم تعد الشوارب من ضمن أولوياتهن، مشيراً إلى أنهن بتن ينظرن لأصحاب الشوارب على أنهم رجال غير عصريين ولا تتفق طريقة حياتهم مع شكليات الحياة المعاصرة .

ولكن ورغم تغير نظرة شباب اليوم للشوارب ورغم تبدل المعادلات يظل للشوارب أنصارها ومؤيدوها وهؤلاء رغم قلتهم يشكلون الاستثناء الذي يؤكد القاعدة .

يقول معمر 40 عاماً إن الشوارب لا تزال بالنسبة له من أهم أساسيات حياته التي يعتز بها ولا يستطيع الاستغناء عنها ويرى أنه من المستحيل أن يتخلى عنها مهما صاحت الموضة في وجهه فالشوارب بالنسبة له علامة فارقة تميزه عن الإناث اللاتي حسب رأيه ما زلن يحبذن الرجل الذي تكمل الشوارب رجولته وذلك على عكس ما يعتقد كثير من شباب اليوم .

ويضيف: صحيح أن الشوارب علامة على الرجولة، وتضفي على صاحبها هيبة ووقاراً خاصاً ولكن ليس معنى ذلك أن يعمد الرجل إلى إطلاق شاربه ويعمل على تفتيله كما قبل، بل القصد أن يعتني به ويحفه كل فترة بشكل يتماشى ومتغيرات الحياة المعاصرة .

تلعب الدراما اليوم دوراً كبيراً في تعزيز أو نفي كثير من السلوكيات الحياتية عبر شخوص المسلسلات الدرامية هذا ما أكدته دلال عمران التي تشير إلى أن شخصيات كمعتز وأبو شهاب في مسلسل باب الحارة أو شخصية يحيى في المسلسل التركي سنوات الضياع أعادت الألق لأصحاب الشوارب وغيرت كثيراً من معتقدات فتيات اليوم حيث ظهر رجال هذه المسلسلات أصحاب رجولة وشهامة تضاف إلى وسامتهم .

وعن رأيها ترى أن الشوارب يجب أن تظل مظهراً لصيقاً من مظاهر رجل اليوم وتدل على الرجولة والشهامة على أن يحافظ الرجل على قيمة هذه الشوارب لا أن يتستر خلفها .

وعلى عكس دلال تعتبر ديما رافي أن وسامة الرجل لم تعد تتماشى مع وجود الشارب ولا علاقة للرجولة بهذا الأمر وتشير إلى أن غالبية فتيات اليوم يفضلن الشاب الذي لا شارب له وتنقل عنهن القول إن الرجل ذي الشارب أصبح رمزاً للماضي ولا يدخل في قائمة مفضلة فتيات اليوم .

يقول الباحث عزت أبو هلال إن الشارب ارتبط منذ القدم بالرجولة والعقلانية، وعنيت به الشعوب أيما عناية على أساس أنه رمز للرجولة، فالشوارب تعطي الرجال مظهراً أكثر جاذبية وتزيد من ثقتهم بأنفسهم لدرجة أن حليقي الشوارب كانوا من المنبوذين اجتماعياً وكانت توجه إليهم نظرات الازدراء والرفض معتبرين أن في الأمر تشبهاً بالنساء . وحظيت الشوارب بمكانة خاصة في الموروث الشعبي القديم لدى بعض الأمم سواء من خلال المعتقدات الشعبية أو المرويات أو الأمثال الدارجة .

ويضيف أبو هلال أن الشارب له قيمة اجتماعية كبيرة فإذا أردت أن تحرج أو تهين شخصاً ما، ما عليك إلا أن تسب شاربه، وفي المقابل، إذا أردت أن تتعهد أو تقسم بعمل ما، عليك بالقول خذها من هذا الشارب .

ويرى الباحث أن النظرة للشوارب تغيرت هذه الأيام لأسباب عديدة أهمها تغير ظروف الحياة المعاصرة التي تغيرت معها أولويات شباب اليوم وفتياته والتي لم تعد الشوارب ضمنها، إضافة إلى تقليد الغرب الذي أمعن رجاله في حلق شواربهم وأصبح هؤلاء قدوة لكثير من شبابنا .

ويشير أبو هلال إلى أن هناك نزعة للتحول إلى أيام الشوارب ليس في الدول العربية فحسب بل وفي الدول الأوربية التي تأسست فيها جمعيات ومعاهد لإعادة الألق لشوارب الرجال وإحياء شعبيتها علاوة على المسابقات الدورية التي يتم تنظيمها لهواة تربية الشوارب، وتحولت هذه الظاهرة إلى منافسة قوية ومسابقات، يتفنن أصحابها في تنسيق شواربهم بأشكال غريبة .