ارتحل عن فارس إلى بلاد العرب بعد أن التقى بنفر من المسلمين في ضيعة لأبيه، فَراقَهُ دينهم وسعد بصحبتهم، واتصل خبره بأبيه فتغيظ وسخط حتى سجنه، ولكنه لاذ بالفرار، وانتهى به الأمر في تنقله إلى قافلة حملته إلى الحجاز .
إنه الباحث عن الحقيقة، سلمان الفارسي، الذي سرد قصته الأديب الرومانسي محمد عبد الحليم عبد الله في رواية بديعة كتبها في ستينات القرن العشرين ونشرتها مكتبة مصر حينها، وأثرت في جيلنا، لعمق موضوعها وفكرتها وأسلوبها الأدبي المتميز من عنوانها الباحث عن الحقيقة .
ولكننا في هذا الكتاب العلمي الذي عكف على جمع مادته التاريخية والفكرية الدكتور حسين مجيب المصري، نجد مصادر ومراجع هي الأهم في بابها، من لغات شرقية وأوروبية، وخوضاً في التيارات الروحية والأدبية والاجتماعية في إطار تاريخي وبمنهج الأدب الإسلامي المقارن الذي يُعتبر هو من رواده الأوائل، في كتاباته ومؤلفاته العلمية والأدبية .
يحتوي كتاب د . المصري الصحابي الجليل سلمان الفارسي عند العرب والفرس والترك على أربعة أبواب توزعت على 176 صفحة من القطع الكبير، في طباعة بسيطة متقشفة التصميم والإخراج الفني للصفحات .
كان الباب الأول بعنوان سلمان في شخصيته الدينية وتضمن فصلين أحدهما تناول مولده ووفاته والآخر شمائله ومناقبه، ويرى المؤلف أن من ترجموا لسلمان من العرب والفرس لم يعرفوا لمولده تاريخاً، فالفرس لم يعطوا جانباً من اهتمامهم لتعيين تواريخ الأحداث، وبالتالي لم يهتموا بوضع تاريخ ميلاد لأحد من سواد الناس، وكانت نقوشهم عبارة عن نصوص تُمَجِّد أعمال ملوكهم .
ولد سلمان لأسرة كريمة في النسب عريقة في الحسب، فكان يُسَمَّى (مابه) واسم أبيه بوذ خشان . وكان واسع الثراء له ضيعة تدر عليه رزقاً حسناً، فهو دهقان أرضه .
أما ولده سلمان فكان حبيباً إليه أثيراً لديه . وبلغ من محبته له أن أجلسه في البيت كالجواري، ما هيأ للفتى أن يتفكر ويتدبر ويتأمل ويتخيل، وقيل إنه اجتهد في المجوسية، حتى أصبح سادن النار التي يوقدونها ولا يتركونها تخبو . حتى ظهر عنده اتجاه وجداني أدى إلى التماس قوة مطلقة الصفات لتحقيق الأمان النفسي .
ابن الإسلام
أسلم سلمان في العام الأول للهجرة . وتوفي على الإسلام، وأجمعت المصادر على أن ذلك كان عام 35 أو 36 من الهجرة في خلافة عثمان بن عفان بالمدائن، وكان سلمان براً وفياً كريم العهد، طالما حدَّث بنعمة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وأشاد بما أسدى إليه من جميل، ومثال ذلك قوله: أنا سلمان ابن الإسلام، كنت عبداً فأعتقني الله بمحمد، وفقيراً فأغناني بمحمد، فهذا حسبي ونسبي . فقال عليه الصلاة والسلام: صدق سلمان . . من أراد أن ينظر إلى رجل نَوَّر الله قلبه بالإيمان فلينظر إلى سلمان .
كان سلمان في عداد العباد الزهاد من الرعيل الأول، فهو إذا خرج عطاؤه بادر إلى التصدق به غير مُبْقٍ على شيء منه، وما أكل إلا من عمل يده، وما كان يملك من ثياب لا يعدو عباءة يلبس بعضها ويفرش بعضها . وكره أن يكون له بيت ليسكنه، فكان يستظل بالجدران والشجر .ويسرد المؤلف هنا قصصاً ومواقف تدل على أن سلمان بلغ في تقشفه الغاية، كما كان ذلك المفكر الذي يطلق أحكامه عن اقتناع بالرأي لا لمجرد الرغبة في المكابرة والتصلب في العناد . ويؤكد تمسكه بعمود الدين، فالإسلام أساسه إصلاح الدنيا بالدين .
شجاعة وعلم غزير
كان سلمان شجاعاً باسلاً لا يرهب الردى وهو بين صفوف العرب حين دارت معركة المدائن، وقد رشقه الفرس بسهامهم، فما تزلزلت نفسه حتى نصر الله المسلمين، ولقد أتى بما لا يستطيعه إلا الشجعان، وقد أشار بحفر الخندق، وما كان للعرب عهد به من قبل، وكانت له أهميته في ترجيح كفة المسلمين في معركة الخندق المعروفة . كان سلمان ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، ويحب الفقراء ويدنو منهم، ويقول الحق وإن كان مراً، ويصل رحمه، ولا يسأل الناس . وكانت مناقبه لا تكاد تنحصر في نطاق .
ويتتابع حديث المصري عن شخصية سلمان الدينية ومنزلته الإيمانية، ثم يتطرق إلى علم سلمان ومظاهر علمه، وإحاطته بكل ما يمكن الإحاطة به علماً في زمانه، وفي هذا مرويات كثيرة، ينتهي منها الدكتور مجيب المصري ليدخل إلى جانب آخر هو الحياة الاجتماعية للصحابي المتفرد سلمان الفارسي، فيراه صاحب مبدأ يدعو إليه ورأي يجهر به ليصلح عيباً يريد لمحيطه أن يتنزه عنه ويبرأ منه، وهو يخرج بتعاليم الدين من نطاق القول إلى التطبيق والعمل . ويحض على العمل بها في مجتمع إن أخذ بها ضمن أفراده فلاحهم وصلاح أمرهم وسعيهم قُدماً إلى ما فيه خيرهم . لقد كان سلمان مصلحاً للمجتمع الإسلامي . وكان ملازماً للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فاختير شاهداً على ما يصدره الرسول من عهود، ومن أواصر المودة بين النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وسلمان أن سلمان أمسك بزمام مطية فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) من قدام النبي وسار خلفها، ليلة زُفت إلى علي حتى وصلا بالعروس إلى دارها، كما كان سلمان لفاطمة صاحب مشورتها وموضع سرها .
مسلك واقعي
كان لسلمان مسلك اجتماعي يلتزم الواقعية، ويظهر بمظهر المعلم المرشد الهادي الذي يشرح المجرد بالمعين ويمارس التجربة على المحسوس الملموس حتى يقطع المتعلم الشك باليقين . وآية ذلك أن رجلاً من بني عبس صحبه ليتعلم منه، فلازمه وخرج معه وجعل لا يفضله في عمل، إن عجن جاء سلمان فخبز، وإن هيأ الرجل علفاً للدواب ذهب سلمان فسقاها، إلى أن بلغا ذات يوم شط دجلة وهي تطفح بمائها . قال سلمان للعبسي: انزل فاشرب فنزل وشرب . ثم قال له سلمان: ازدد، فازداد، فسأله سلمان قائلاً: كم تراك نقصت منها؟ فأجاب الرجل بقوله: وما عسى أن أنقص منها؟ فقال سلمان: كذلك العلم تأخذ ولا ينقص، فعليك بالعلم بما ينفعك .
أما سلمان والي المدائن، فكان يمثل المثل الأعلى لولاة المسلمين حيث كان يقف مع أصحاب الحاجات والمظالم، ويهتم بأمر المسلمين غاية الاهتمام، وقد أنجز ما أنجز من جلائل الأعمال حسبة ورغبة منه في نفع المسلمين . لقد كان صاحب مشورة أهل البيت ومن يرجع إليه في المشكلات التي تواجه المجتمع الإسلامي في زمنه .
هذا الكتاب جديد ومبتكر في تحليله وبحثه وترجمته لحياة صحابي أثَّر بروحه وبفكره فيمن عاصره من عامة المسلمين ومن جاء بعدهم .