يُعدّ الإنسان بطبيعته كائناً اجتماعياً وتتوقف حياته في جانب كبير منها على الوجدان والعاطفة، فمن منّا يستطيع أن يحيا بلا أسرة وأصدقاء؟ ومن منّا لا يشعر بأنه بحاجة إلى إشباع عاطفته بأن يحب وبأن يكون محبوباً؟ ومن منّا يستطيع أن يعزل نفسه عن الناس طوال عمره؟ ولذا فإن نجاح الإنسان في تكوين أصدقاء واستمرار علاقاته معهم يعد شرطا أساسيا من شروط تمتعه بصحة نفسية وجسمية واستمتاعه بحياة لها معنى .

جاء في تعريف الصداقة أنها علاقة اجتماعية وثيقة ودائمة بين شخصين أو أكثر، تتسم بالإيجابية المتبادلة المصحوبة بمشاعر الحب وبالصدق والأمانة والوفاء والالتزام بالوعود وحفظ الأسرار، وتقوم أساساً على التوافق النفسي والاجتماعي وعلى تماثل الاتجاهات بين الأصدقاء .

لماذا نعتبر الصداقة شيئاً مهماً في حياتنا؟ وأيهما أفضل العزلة والانفراد بالنفس أم تكوين علاقات اجتماعية ولماذا؟ وما الصفات التي لا بد من توافرها لقيام الصداقة؟ وما الصفات التي يجب ألا توجد وإذا وجدت فلا يمكن أن تقوم الصداقة؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات كان لنا التحقيق التالي . .

بشار ديب: كان للمادة الأثر الكبير في إنهاء صداقته التي استمرت لأكثر من عشر سنوات، يقول: أنا وخالد أصدقاء منذ المرحلة الإعدادية وتوطدت صداقتنا بحكم تجاورنا في المسكن وفي المدرسة ومن ثم في الجامعة، كنا لا نفترق عن بعضنا بعضاً أعرف كل مشاكله وآماله وأسراره وطموحاته وهو كذلك يعرف عني كل شيء، وبعد أن أنهينا الجامعة قررنا أن نبدأ بمشروع صغير، ومنذ ذلك الوقت بدأت المشكلات والقيل والقال وتدخل الواشون بيننا، وانتهى المشروع في بدايته لنحافظ على ما بقي لدينا من أثر الصداقة . يضيف: خسرنا بعض الأموال لكن الخسارة الكبرى كانت في خسارتنا بعضنا بعضاً وأصبحت علاقتنا علاقة سطحية مثل الغرباء، أنا لا ألومه وحده يبدو أن كلينا أخطأ في تعامله مع الآخر وكانت صداقتنا ضعيفة وهشة أمام المال .

بلال يوسف (متزوج) يقول: لديّ قلة قليلة من الأصدقاء هم من خيرة الناس يتحلون بالصدق والأمانة وحُسن الخلق وهم مستعدون لتقديم الدعم المعنوي والمادي في أي وقت وفي أي ظرف، قبل الزواج كنا نلتقي تقريباً يومياً ونقوم بأنشطة عديدة معاً، لكن بعد الزواج وبعد أن أصبح لديّ أطفال لم يعد يتوافر الوقت والطاقة النفسية والجسدية التي تسمح بالانخراط في تفاعلات اجتماعية متكررة معهم، واليوم نلتقي في فترات متباعدة لكننا دائمو الاتصال ببعضنا بعضاً .

علي السيد (22 عاماً)، طالب جامعي، بدأ حديثه بترديد بيت الشعر ما أكثر الأصدقاء حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل، ويضيف: بصراحة ليس لديّ أصدقاء مقربون وإنما لدي أصدقاء اجتماعيون، ففي كل مرحلة دراسية هناك أصدقاء يتغيرون بتغير المرحلة الدراسية، لكني أتمنى أن أجد الصديق الحقيقي، الصديق الوفي المخلص الذي يمتلك تفتُحاً ومرونة عقلية ويكون قادراً على حفظ الأسرار وعلى توسيع أفكاري ومعارفي في شتى المواضيع، وأستطيع استشارته في الأزمات ولا يخلف لي وعداً ولا يكذب ولا يخذلني أبداً، بمعنى آخر أن نتلاحم معاً في شخصية واحدة .

تتميز صداقات الذكور مقارنة بصداقات الإناث بأنها أكثر استقراراً لأن صداقات الذكور أقل عمقاً وبالتالي فهي أقل عرضة للخلاف والصراع، وصداقات الإناث غالباً ما تقوم على الشكل الخارجي لا على المضمون ولا تأخذ في الاعتبار الجانب الداخلي للشخصية .

وهذا ما أيدته ليلى هشام (طالبة جامعية) تقول: للأسف الصداقة الحقيقة نادرة الوجود في أيامنا هذه فقد تعرضت للخيانة والخداع من إحدى صديقاتي التي كنت أعتبرها بمثابة أخت لي، فقد أفشت أسراري وافتعلت لي المشاكل الكثيرة خاصة مع أهلي، وتضيف: لكننا لا نستطيع العيش من دون أصدقاء وليس كل الناس سواسية واختياري لهذه الفتاة لتكون صديقتي كان خاطئاً لأني لم أدرس سلوكها وأخلاقها جيداً وجذبني لها مظهرها الخارجي فقط، واليوم لدي صديقة أحبها كثيراً وأأتمنها على أسراري وأخبرها بكل همومي ومشاكلي وهي كذلك، ففي هذه الأيام صديقة واحدة مخلصة تكفي .

علا (طالبة جامعية) تبدأ حديثها بقولها: لا شيء أروع في هذه الدنيا من الصداقة، وتقول: أنا ومي صديقتان منذ المرحلة الابتدائية ودخلنا الكلية نفسها لكن في تخصصين مختلفين، لأن معدل كل منا لم يسمح لها بدخول الاختصاص نفسه، ومع ذلك لا نبتعد عن بعضنا بعضاً فكثيراً ما أحضر معها محاضراتها وننتظر بعضنا بعد الانتهاء من المحاضرات للعودة معا إلى البيت، لا يمكن أن يمضي يوم من غير أن أراها . أحبها كأخت لي وربما أكثر فأسراري وهمومي وآمالي وأحلامي لا أحد يعرفها سواها، نلهو ونفرح معاً ونبكي معاً نذهب إلى السوق وفي الرحلات معاً .

تضيف علا: هناك قدر كبير من التماثل في أفكارنا وميولنا واهتماماتنا ونفهم بعضنا بعضاً من نظرات عيوننا من دون أن نتكلم . أحياناً قليلة يحصل خلاف في وجهات النظر لكن ذلك لا يفسد للود قضية، وكثيراً ما نبادر إلى الاعتراف بالخطأ وبالصلح والتسامح ونلتمس الأعذار لبعضنا بعضاً، وإذا حصل خلاف وطال لعدة أيام سرعان ما تتدخل الأسرتان لحل هذا الخلاف .

سمي الإنسان إنساناً لأنه يأنس بوجود الآخرين أي إنه لا يستطيع العيش وحيدا وبمعزل عن الآخرين، ومن هنا تنبع أهمية وجود شخص في حياة كل فرد له الانفعالات نفسها ويحدثه عن كل ما يجول في خاطره ويكون الملاذ الوحيد لهذا الشخص عند وقوعه في المصائب والمنايا والأحزان وكذلك يشاركه بأفراحه ويسهم في التفكير بحل مشكلاته .

التقينا إحسان مصطفى اشبيرقي، المرشد النفسي، الذي يرى أن كلمة صديق لغوياً جاءت من الصدق وهذا يدل على أن أهم الخصال والسمات التي يجب أن تتوافر في الصديق هي الصدق وكما يقول الشاعر:

صادق صديقاً صادقاً في صدقه إن الصداقة في صديق صادق

ويضيف: كذلك من الخصال المرغوبة في الصديق الحقيقي الثقة وعدم إفشاء الأسرار وأن يكون ناصحا له كالمرآة بحيث يدله على عيوبه ونقاط الضعف الموجودة فيه، وهذا ما نسميه في علم النفس النقد البناء وهو عكس النقد الفاضح الذي يكون أمام الجموع، إضافة إلى أن يكون الصديق من المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعمري نفسه .

ويؤكد المرشد النفسي أن أهم خصائص الصداقة الحقيقية ألا تكون قائمة على مصلحة مشتركة بحيث إذا انتهت هذه المصلحة انتهت الصداقة معها، وإنما المصلحة القائمة يجب أن تكون مصلحة إنسانية بحتة . إن نجاح الإنسان في تكوين صداقات جادة وحقيقية يعد شرطا أساسيا من شروط تمتعه بصحة نفسية .

يؤيد ذلك إحسان مصطفى ويقول: بالتأكيد إن تكوين علاقات اجتماعية ناجحة تتسم بالثقة هي من أهم مزايا الصحة النفسية التي ترغب بها النفس البشرية، والشخص المنعزل يعتبر مضطرباً نفسياً ولا بد له من تلقي علاج مناسب أو الخضوع للإرشاد النفسي، ولكن من وجهة نظر علم النفس لابد من التقليل من الأصدقاء لأن الشخص يتأثر برأي صديقه وأفكاره أكثر من تأثره برأي أسرته ولذلك لا بد من غربلة الأصدقاء وتقليلهم والإبقاء على من يشاركونه بالأفكار والآراء والمعتقدات نفسها وترك ما دون ذلك .

وحول دور الأسرة في تكوين صداقات ناجحة أو فاشلة يقول: للأسرة الدور الأكبر والأول في ذلك لأن غياب رقابة الأهل يجعل الشخص يخرج إلى المجتمع وتصبح المعايير التي يختار بها أصدقاءه قائمة على إشباع رغباته وخاصة في فترة المراهقة، كما أن جو البيت المعكر المشحون بالخلافات الأسرية يدفع الأبناء إلى صداقات فاشلة وغير سوية وربما تدفع بهم إلى الاضطراب والشذوذ في نهاية المطاف .