يعد مرض الصرع أحد أكثر الأمراض ظهوراً لدى الأطفال في الآونة الأخيرة، لما يحتويه هذا العصر الذي نعيشه من تكنولوجيا حديثة متطورة، وكثرة استخدام الأجهزة الإلكترونية، مع كثرة التعرض لها. والصرع عبارة عن خلل في حركة الجسم نتيجة لزيادة في إفراغ الشحنات الكهربائية لمجموعة من خلايا المخ.

والملاحظ أن هناك خلطاً بين الصرع كمرض والتشنجات كعرض، فالتشنجات عبارة عن خلل حركي ناتج عن حركات أو هزات لا إرادية متكررة للعضلات، وقد تصيب كل العضلات، أو تصيب مجموعة خاصة فقط من العضلات.

هي تنتج عن خلل لا إرادي لوظائف المخ، والتي تعبر عن نفسها بهذا الخلل، وقد يصاحبها فقدان للوعي، ونشاط حركي غير طبيعي، وخلل في السلوك، مع خلل وقصور حسي، أو خلل للجهاز العصبي اللاإرادي أو التلقائي.

أما الصرع والاختلاجات فهي عبارة عن حدوث نوبتين أو أكثر من التشنجات، وينتج عن استثارة جزء من القشرة المخية بطاقة كهربائية زائدة، وتعبر عن نفسها بهذه النوبات الصرعية.

في الوضع الطبيعي تقوم خلايا المخ بإنتاج بعض الطاقة الكهربائية، وترسل عبر الجهاز العصبي وتحرك العضلات، لكن في بعض الأحيان يفشل دماغ المريض بالصرع في التحرك في إنتاج الطاقة.

وتحدث صدمة الصرع والتي تعرف بالنوبة الصرعية عندما تخرج هذه الخلايا دفعة عنيفة ومفاجئة من الطاقة الكهربائية.

إذا انتقلنا للحديث عن نسبة حدوث تلك النوبات الصراعية فنجد أن حوالي ثلثي عدد الحالات التي تعاني من ظهور النوبات الصرعية من النوع الجزئي الصرع الجزئي في حين أن الثلث الآخر في الحالات يكون من نوع الصرع الكلي.

ويعاني من مرض الصرع حوالي 1% من سكان العالم، ويتم سنويا اكتشاف إصابة من 20 إلى 55 حالة صرع من بين 100 ألف شخص، ومعظمها من الأطفال.

مسببات هذا المرض عديدة ومختلفة، فهناك أنواع من الصرع يكون العامل الوراثي والجيني لاعباً رئيسياً في حدوث النوبات، ومنها حدوث مشكلات صحية للطفل عند ولادته سواء كانت متعلقة بالولادة نفسها، أو بمشكلات صحية أصابت المولود خلال الفترة المباشرة بعد الولادة.

أيضاً قد نجد بعض حالات الصرع ناتجة عن إصابات بالرأس في سن مبكرة، كما أن بعض أنواع العدوى خاصة في المراحل العمرية الأولى للطفل قد تكون هي المسبب الرئيسي للنوبات الصرعية.

كذلك من بين الأسباب بعض الأمراض التي يولد بها الطفل كعيوب التمثيل الغذائي، وبعض الأمراض الخاصة بالغذاء والتغذية خاصة في المراحل الأولى من عمر الطفل، فضلا عن إصابات الطفل بضمور في المخ، وقد يكون الصرع من النوع ذي القابلية لنقل المرض عند بعض عائلات بعض مرضى الصرع.

كما أن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى وجود علاقة بين بعض الأغذية ونوبات الصرع، ومن هنا ظهر ما يعرف بالعلاج الغذائي لحالات الصرع ويلزمه وجود الطفل في المستشفى للمتابعة المستمرة لحالته طوال اليوم.

يذكر أن الطفل المريض بالصرع يعاني من فقدان الوعي بصورة مؤقتة، وحدوث بعض الحركات التشنجية غير الإرادية، وفي بعض النوبات الطفيفة التي تسمى الصرعات الصغيرة يستغرق فقد الوعي برهة وجيزة لا تتجاوز ثواني، ومع أنه في هذه الحالة تحدث ارتعاشات حول العين أو الفم، فإن المصاب بالنوبة يظل جالسا أو واقفا ويبدو وكأنه في غفوة أو لحظة من الشرود الذهني.

أما في النوبات الكبيرة فإن المصاب يسقط على الأرض فاقداً للوعي، وقد يخرج من فمه رغوة يعض على لسانه ويجز على أسنانه ويهز أطرافه في عنف، وقد يؤذي المريض نفسه أثناء النوبة.

من حسن الحظ أن مرضى الصرع كثيراً ما يحسون بنوع من الإنذار أو التحذير حيث يشعر المريض قبل النوبة بإحساس في شكل صوت رنين في الأذنين أو ظهور بقع أمام العينين أو تنميل في الأصابع، وهذا الإنذار من شأنه أن يعطي للمصاب بالصرع الفرصة للاستلقاء والابتعاد عن المواد الصلبة تجنباً للسقوط عليها.

وأود أن ألفت النظر إلى أنه ليس كل التشنجات تعتبر صرعا، وأن كل الحركات اللاإرادية المتكررة ليست بالضرورة تعتبر تشنجات كما أنه يجب التفريق الجيد والدقيق بين النوبات الصرعية والعديد من الأمراض، والتي تتشابه في ظاهرها بالنوبات الصرعية.

ولتقسيم وتصنيف أنواع الصرع يجب أخذ التاريخ المرضي للمريض بعناية ودقة متناهية، خاصة شكل ونوع ومدة النوبة، وطبيعة التشنجات التي تراها الأم عند طفلها، بالإضافة إلى عمل تخطيط المخ لتحديد نوع ودرجات النوبات الصرعية عند المصاب، وتحديد المسببات لحدوثها لتصنيف النوبة، وهل هي من النوع الأول أو الثانوي والذي يحدث نتيجة لوجود سبب آخر.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو هل هناك ضرورة ملحة لتصنيف نوع النوبات الصرعية التي يصاب بها الطفل؟ والإجابة هي نعم لتحديد العلاج المناسب والملائم للمريض طبقا لنوع النوبات الصرعية التي يتعرض لها.

يمكننا تصنيف النوبات الصرعية إلى نوبات جزئية، وهذا النوع قد يكون بسيطا أو معقدا، وقد تكون جزئية تتخللها نوبات كلية إضافية، وقد تكون منذ البداية نوبات كلية، وهذا النوع يقسم إلى عدة أنواع أخرى إكلينيكيا ومن خلال جهاز تخطيط المخ وقد تصل إلى ستة أنواع.

وتأتي في النهاية أنواع من النوبات الصرعية التي لا تندرج تحت هذين النوعين في التقسيم وعلى رأسها المتلازمات الصرعية، والمتلازمة عبارة عن وجود بعض الأعراض والعلامات التي لا يربطها جهاز معين في الجسم، ولكن وجودها معا يعطي ما يسمى متلازمة، ومن أشهر تلك المتلازمات متلازمة ويستس سيندروم.

وتبعا لشدة النوبة الصرعية يمكن أن نقسمها إلى 3 أنواع، منها نوبة الصرع الكبير، وهي أكثر النوبات خطورة، وفيها يفقد المريض الوعي فجأة ويسقط ما لم يسنده أحد، وتتراخى العضلات، وتدوم لدقائق معدودة يغط المريض بعدها في نوم عميق، أما النوبة الخفيفة فيحدث فيها شحوب في لون المريض ويفقد الوعي لثوانٍ، وقد يبدو مرتبكا ولكنه لا يسقط، والكثير من هذه النوبات لا يلاحظ ومعظمها يوجد عند الأطفال.

كما أن هناك نوعاً آخر نجد فيه الطفل يبدو انطوائياً وغريباً لعدة دقائق، وقد يتصرف بصورة غير طبيعية وقد يبكي دون سبب أو ينفعل، وتسمى بالنوبة الحركية النفسية، وقد تحدث في أي وقت في اليوم ومن دون سبب واضح، إلا أن الإرهاق الشديد والسهر يمكن أن يكون أحد مسبباتها.

ومن أشهر النوبات الصرعية التي قد نراها في الأطفال هي الغمرة الصرعية، وتعتبر من الحالات الطارئة التي تتطلب التدخل الفوري والسريع وحجز الطفل داخل العناية المركزة بالمستشفى، حيث إنها قد تكون مؤذية لحياته، ويتم إعطاء المصاب الجرعات المناسبة من مضادات الصرع حتى تستقر حالته.

من المهم جدا في العلاج خاصة عند الأطفال أن نحدد الدواء المناسب، فهناك مجموعات من المضادات الصرعية، منها بعض مجموعات حديثة وأعراضها الجانبية أقل، لكن يمكننا القول إن اختيار العقار المناسب والجرعات المناسبة طبقا للتشخيص الدقيق يعطينا نتائج ممتازة يستطيع من خلالها الطفل أن يمارس حياته اليومية بصورة طبيعية خاصة في الدراسة، بل إن العديد من المرضى من الأطفال الذين انتظموا على العلاج الموصى به وبجرعات محددة كانوا ناجحين متميزين في دراستهم.

يتبقى أن ننبه الأمهات إلى أهمية المتابعة الدورية لمعدلات نسبة مضادات الصرع في دم أطفالهن خلال فترة العلاج، لتحديد الجرعات والعقار المناسب لكل حالة على حدة.