هو رابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي، ومماليك هذه الدولة هم مماليك السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذين كثر عددهم، وزادت تعدياتهم فضج منهم السكان فبنى لهم قلعة في جزيرة «الروضة» عام 638ه، فعُرِفُوا بالمماليك البحرية، وقد حكموا مصر مدة 144 سنة (648- 792ه)، بدأت بحكم عز الدين أيبك، وتمثل هذا الحكم بعد أيبك في أسرتين فقط، وهما أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، التي دام حكمها مدة عشرين سنة (658- 678ه) أما الأسرة الثانية فهي أسرة المنصور قلاوون، واستمر حكمها 114 سنة (678- 792ه) تخللتها خمس سنوات خرج فيها أمر مصر من أيدي هذه الأسرة إذ حكمها العادل كتبغا والمنصور لاجين والمظفر بيبرس الجاشنكير وقد قُتِل ثلاثتهم، وحكم الأوليان منهم مدة أربع سنوات (694- 698ه) وحكم الثالث ما يقرب من سنة (708- 709ه).
ولد السلطان المملوكي ركن الدين بيبرس البندقداري على أرجح الأقوال سنة 625ه 1221م في منطقة «قيرغيزستان» بوسط آسيا، وبيبرس كلمة تركية تعني «أمير فهد»،وبدأ مملوكاً يُباع في أسواق بغداد والشام،وانتهى به الأمر واحداً من أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط، لقبه الملك الصالح نجم الدين أيوب في دمشق بركن الدين، وبعد وصوله إلى الحكم لقب نفسه بالملك الظاهر.حقق بيبرس العديد من الانتصارات على الصليبيين والمغول ابتداء من معركة المنصورة وعين جالوت،وقد قضى على إمارة أنطاكية الصليبية أثناء حُكْمه.
إحياء الخلافة
حكم بيبرس مصر بعد رجوعه من معركة عين جالوت واغتيال السلطان سيف الدين قطز،حيث خُطب له بالمساجد يوم الجمعة 6 ذي الحجة 658ه 11 نوفمبر 1260م،وأحيا خلال حُكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعدما قضى عليها المغول في بغداد،وأنشأ نظماً إداريةً جديدة في الدولة،واشتُهر بذكائه العسكري وأسلوبه الدبلوماسي،وكان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في منطقة البحر المتوسط.اتصف بيبرس الذي بلغت مدة حكمه 17 سنة وشهرين بالحزم وبعد النظر واجتمعت فيه صفات العدل والفروسية،فلم يكد يستقر في الحكم حتى اتخذ إجراءات تهدف إلى تثبيت حكمه فتقرب من الخاصة والعامة،وخفف الضرائب عن السكان،كما عفا عن السجناء السياسيين،وعمل على الانفتاح على العالم الإسلامي لكسب ود زعمائه،قضى على الحركات المناهضة لحكمه،وأعاد الأمن والسكينة إلى البلاد.
عندما توطدت دعائم سلطة المماليك، رأى السلطان ضرورة متابعة سياسة صلاح الدين الأيوبي وخلفائه في طرد الصليبيين من البلاد الإسلامية،ودخل في مواجهات عسكرية مع ما تبقى من الإمارات الصليبية،وحتى يحقق هدفه اتبع استراتيجية قائمة على ضرب هذه الإمارات الواحدة تلو الأخرى.
تصفية الوجود الصليبي
عمل بيبرس على تصفية الوجود الصليبي في الشام،واتجه نحو العدو الآخر مملكة أرمينيا الصغرى(جنوب الأناضول)فقد وجه إليها في العام 665 ه 1266م القائد قلاوون بقصد تأديب ملكها على تحالفه مع المغول زمن هولاكو وأبقاخان وتشجيعه لهما على مهاجمة الشام ومصر، وقتل قلاوون أحد أبناء ملك أرمينيا وأسر الابن الثاني،في حين كان الملك نفسه هيثوم الأول في زيارة للمغول في بلاد فارس،ولم يوافق بيبرس على إطلاق أسيره إلا مقابل تنازل والده عن مواقع استراتيجية ودفع جزية سنوية.
سقوط أنطاكية
وكانت الخطوة الأخيرة والأهم في مواجهة «أنطاكية» أقوى الإمارات الصليبية المتبقية والمتحالفة مع المغول، فبدأ بيبرس بمهاجمة البلاد المحيطة بها، حيث استولى على عدة قلاع تقع إلى الشمال منها،وبعد استيلاء بيبرس على إنطاكية تصدى لدعوات التخريب الداخلية التي أشاعت الذعر بين الناس وعملت على نشر مذهبها المنحرف، ناهيك عن إعمالها السيف في الكثير من القادة والعلماء، الأمر الذي جعل مجرد ذكرهم مصدراً للذعر بين الناس، واستعمل بيبرس الحيلة للقضاء عليهم وعهد إلى العلماء باستقطاب أكبر عدد منهم للعودة إلى صفوف الأمة، فتاب منهم من تاب ولم يبق إلا عتاتهم الذين رفضوا العدول عما هم عليه، فقام بيبرس باقتحام قلاعهم وأماكن تمركزهم فقضى عليهم وشتتهم وخلص الأمة من شرورهم.
نهضة كبرى
حرص بيبرس على تطوير الجهازين الإداري والعسكري، واستحدث بعض الوظائف الإدارية استجابة لحاجة الدولة الآخذة في التطور والتوسع فأنشأ وظائف جديدة لم تكن معروفة في مصر من قبل يشغلها أمراء يعينهم السلطان من بين الأشخاص الذين يثق بهم، وقام بتعديل نظام القضاء فعين أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة وسمح لهم بأن يعينوا نواباً عنهم في الديار المصرية، وسن بيبرس عدة تشريعات منع بموجبها بيع الخمور، وأقفل الحانات في مصر وبلاد الشام، ونفى كثيراً من المفسدين.
شهد عهد بيبرس نهضة معمارية وتعليمية كبيرة، حيث اهتم بتجديد الجامع الأزهر، وعمل على إنشاء العديد من المؤسسات التعليمية فأنشأ المدارس بمصر ودمشق، وفي خارج مصر قام بعدد من الإصلاحات في الحرم النبوي بالمدينة المنورة، وقام بتجديد مسجد إبراهيم عليه السلام في الخليل، كما قام بتجديد قبة الصخرة وبيت المقدس، وعمل على إقامة دار للعدل مهمتها الفصل في القضايا والنظر في المظالم.
وبعد حياة مليئة بالأحداث وبعد حكم دام لسبعة عشر عاماً توفي الظاهر بيبرس يوم الخميس (27 من المحرم 676ه 2 من مايو 1277م) عن 54 عاماً، وذلك بعد رجوعه من معركة أبُلُسْتيْن ضد المغول، ودُفِن في المكتبة الظاهرية في دمشق، وقد استطاع خلال حكمه أن يشيد لنفسه مكاناً رفيعاً بين خيرة الحكام المسلمين، الذين ذادوا عن حياض الدولة الإسلامية ورفعوا عليها راية الدين خفاقة عالية، وبقي ذكرهم على مر الأيام.