يعدّ مسرح العرائس من أهم الأشكال المسرحية المقدّمة للطفل، حيث يعمل على تقديم فرجة مسرحية مختلفة تعتمد على «العرائس القفازية» و«الأراجوز» و«خيال الظل»، وهي الأشكال التي تجمع ما بين الاستفادة من الموروث الشعبي وتقديم رؤية غنية لما يحدث في الواقع.
يقول المخرج المسرحي عبد المقصود غنيم: يعدّ مسرح الأطفال واحداً من أهم الوسائل التربوية والتعليمية التي تسهم في تنمية الطفل تنمية عقلية وفكرية واجتماعية ونفسية وعلمية ولغوية وجسمية، وهو فن درامي تمثيلي موجه للأطفال يحمل منظومة من القيم التربوية والأخلاقية والتعليمية والنفسية على نحو نابض بالحياة، من خلال شخصيات متحركة على المسرح مما يجعله وسيلة مهمة من وسائل تربية الطفل وتنمية شخصيته، لاسيما أن الطفل يرتبط ارتباطاً جوهرياً في التمثيل منذ سنوات عمره الأولى، عندما كان يحوّل خياله إلى لعب هو مسرح إيهامي يؤلفه ويخرجه ويمثله الطفل ذاته، لذلك تكون علاقة الطفل بالمسرح علاقة اندماجية، وهنا تكمن أهمية المسرح وخطورته.
ومسرح العرائس يجب أن يتسم بعدد من السمات والخصائص التي تجعله مقبولاً لدى الأطفال، وقادراً على التأثير فيهم، ولعل أهم تلك السمات هي سهولة الحبكة ومناسبتها لعمر الطفل. كذلك وضوح الشخصية وأدوارها وسماتها الأخلاقية، ويجب أن تكون البداية مشوقة والانتقالات مناسبة والنهاية مفرحة ينتصر فيها الخير على الشر، والاهتمام بالحكايات المشوقة، وسهولة الحوار وبساطته ووضوحه، وأن يتسم العرض بروح الفكاهة، وأن يحمل منظومة القيم الأخلاقية والتربوية، وأن تكون شخصياته دالة على قيم أخلاقية واضحة.
ويضيف غنيم قائلاً: تكمن أهمية هذا النوع في أنه يحقق للطفل تسلية وإمتاعاً وإثراء كقاموس لغوي، وتنمية لقدرته على التعبير، ووسيلة لتخفيف الضغوط النفسية، وتعزيز الثقة بالنفس، لاسيما لو شارك الأطفال بالتمثيل في العرض المقدم، كذلك تنمية الذوق الفني والجمالي، كما أنه وسيلة مهمة في تنمية الأطفال عقلياً ونفسياً واجتماعياً وعلمياً ولغوياً، كما أنه ينمي التأمل والاستنتاج واستيعاب طاقته الحركية واستغلال نشاطه، كذلك تنمية الروح الاجتماعية عند الأطفال، وتنمية الحاسة النقدية، وتقليل التوتر النفسي، كما أنه يضع الطفل أمام عالم مشعّ بالنور والأضواء.
ويشير المخرج المسرحي إميل شوقي، إلى أن مسرح العرائس يقوم على تحريك الدمي، والأراجوز، فالنوع الأول يتم تحريكه أمام الجمهور مباشرة عن طريق خيوط يحركها أحد لاعبي العرائس، أما الأراجوز فيتم تقديمه في الهواء الطلق حيث يطلق قصصه في الهواء، لتوصيل معلومة أو حكاية فيها من العبرة والتجربة، وقد ظهر مسرح العرائس قديماً عند المصريين القدامى في عهد الفراعنة، وعند الحضارات الشرقية والآسيوية في الصين والهند واليابان.
ويرى شوقي أن مسرح العرائس ازدهر في مصر في فترة الستينات وما بعدها، ووصل قمته في عرض «الليلة الكبيرة»، تأليف صلاح جاهين وإخراج صلاح السقا، وألحان سيد مكاوي، ويعدّ العرض النموذج الأمثل والأشهر لمسرح العرائس في مصر والعالم العربي، وقد قام بتصميم العرائس الفنان ناجي شاكر، وما زالت الأجيال الجديدة تتواصل مع هذا العرض المتميز إذا أعيد تقديمه، كما أنه أصبح مادة تراثية لعدد من المخرجين الذين يحاولون إعادة تقديمه مرة أخرى على خشبة المسرح.
ويؤكد المخرج ناصر عبد التواب، أن العرائس القفازية تحتاج إلى مهارة في الأداء وإلى خبرة وتدريب حقيقي، وممارسة جادة ومتواصلة. وهناك مجموعة من الفرق المسرحية التي تعمل في هذا المجال، وبعضها يقيم ورشاً فنية لتدريب الأجيال الجديدة على «فن تحريك العرائس»، كما أن فن الأراجوز بدأ يعاد اكتشافه مرة أخرى وتقديمه بصورة عصرية، وإقامة ورش متخصصة لصناعته، من ناحية، وللوقوف على أسراره الفنية من ناحية أخرى.
ويضيف عبدالتواب قائلاً: تدور مسرحيات وعروض مسرح العرائس عبر إطارين، الأول تخييلي، بتقديم عروض فيها إدهاش ومفارقة ولغة ساخرة تجذب الأطفال وتجعلهم يتابعون العرض حتى نهايته، وهناك جانب تعليمي ومعرفي فلابد أن يخرج الأطفال من العرض والقصة المقدمة بنتيجة، وعادة ما تكون انتصار الخير على الشر، لكن العرض لابد أن يقدم في صورة جمالية، وأعتقد أن استخدام العرائس أحد الأقنعة المهمة التي يستخدمها فنانو هذا النوع الذي يحتاج إلى خبرة مسرحية طويلة، ويعتمد كثيرٌ من الفرق المسرحية على الاستفادة من الفلكلور، خاصة الأراجوز وخيال الظل.
تاريخ مسرح العرائس ليس حديثاً، فقد قدّمت فيه تجارب عديدة مثل أعمال صلاح السقا، والمسرحيات التي ألّفها الشاعر سمير عبد الباقي، وعروض الفنانة نيللي، التي تم فيها استخدام العروسة بشكل لافت.
ويرى الشاعر سمير عبد الباقي، أن مسرح العرائس له تاريخ حافل، وأنه مارس الكتابة لمسرح الطفل في الستينات، ومن أشهر الأعمال التي قدمها حكاية سقا، والتي عرضت على المسرح عام 1966 كنا نسعى لتقديم فرجة مسرحية لجمهور لا يعتبر المسرح جزءاً من تكوينه الثقافي، كما كتب عددٌ من مؤلفي المسرح في هذا الاتجاه ومنهم نادر أبو الفتوح، وكانت تلك التجربة موازية لتجربة أخرى من المسرح السياسي قدمتها من خلال عدة أعمال مثل «اقرأ الفاتحة للسلطان» و«سهرة ضاحكة للسندباد الحمّال».
وقدمت أيضاً مسرحية «سعدون/ أو سيرة شحاتة سي اليزل»، المستوحاة من رواية «سرفانتس» «دون كيشوت»، وتم الاعتماد فيها على توظيف ثيمات شعبية من خلال مجموعة من الرواة والشعراء الجوالين الذين يروون حكاية شحاتة وتابعه سعدون الفلاح وخوضهما معارك وهمية وحقيقية مع مؤسسات عصرهما العثماني.
ويؤكد الناقد المسرحي عبد الغني داود أن مسرح الأطفال شهد رواجاً في الستينات، خاصة مع تطور فنون التحريك، كذلك الاستفادة من تقنيات الفلكلور الشعبي، حيث تمّت استعادة فنون تراثية مثل الأراجوز وخيال الظل وباباته الشهيرة، وهذه العناصر تم الإتيان بها لتحقق حالة من الدهشة لدى المتلقي، وتمّ تخصيص مسرح خاص تحت مسمى «مسرح العرائس» تابع للبيت الفني للمسرح يكون مختصاً بتقديم هذا النوع من العروض.
ويرى داود أن مسرح العرائس يتميز بعدة سمات تجعله مختلفاً عن الأنواع المسرحية الأخرى، أولها أنه أكثر الأنواع المسرحية استفادة من الموروث الشعبي، فهو بمثابة دفاع عن الهوية بما يحمله من خصوصية فنية، كذلك يحتاج إلى قدرات خاصة في فن التحريك، ومن هنا تكمن صعوبة هذا النوع المسرحي، بالإضافة إلى كونه مسرح أقنعة وهو من أكثر الأنواع المسرحية تجريباً، فهو مسرح مواجهة يكشف ويرصد ويحلل الواقع بلغة الإشارة.
ويطالب داود بالاهتمام بهذا المسرح؛ لاستعادة دوره الثقافي والفني، ودوره التربوي في بناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته السلوكية والأخلاقية والفنية، وهذا لن يتأتى إلا بتقديم عروض جادة والبحث عن لغة مسرحية جديدة تتناسب مع قدرات الأطفال في ذلك العصر الذي تسيطر عليه التكنولوجيا والميديا الجاذبة لأجيال كثيرة.
ويقول: أعتقد أنه ما زالت للعروسة القفازية دهشتها، ولكن نحتاج إلى عروض قوية مثل ما كان يعرض على خشبة مسرح العرائس، كذلك نحن بحاجة إلى مواهب حقيقية في هذا المجال، في الكتابة والإخراج والديكور وصناعة العروسة، فلم يعد عندنا مصممون على نفس المستوى القديم، نحتاج إلى ابتكار وإبداع في هذا الجانب المهم.
وطالب داود بتطوير أقسام المسرح في الجامعات المصرية؛ لتواكب التطورات العالمية في هذا المجال، خاصة في مجال مسرح الطفل بما فيه مسرح العرائس، نريد متخصصين في مجالات المسرح، مع تأكيد الخصوصية المصرية في تقديم فرجة شعبية جاذبة للطفل، ومثيرة لوعيه.
ويؤكد المخرج د. عمرو دوارة، أن مسرح الطفل بشكل عام تراجع بداية من المسرح المدرسي، الذي كان حقلاً واسعاً لاكتشاف المواهب، وقد اهتم به الفنان الراحل زكي طليمات؛ نظراً لأن هذا المسرح يعمل على تنمية المواهب، وكانت العرائس تقوم بدور رئيسي في هذا النوع المسرحي، وكان في بعض المدارس مسارح، وتقام سنوياً مسابقة على مستوى الإدارات وأخرى على مستوى المحافظات، وكانت هذه التجارب بمثابة إمداد للحركة المسرحية بعد ذلك، حيث يصبح الأطفال أبطالاً في الفن والأدب والثقافة؛ لأنه تم تأسيسهم منذ الصغر والارتقاء بذوقهم الفني.