لا يحتفظ أدبٌ من الآداب بنهجٍ مرسوم رسماً دقيقاً في هجاء العربي مثلما يحتفظ الأدبُ الاشكنازي الذي يكتبه أدباءُ وشعراءُ الواقع الاستعماري القائم في فلسطين . صحيح أننا نجد أنواعاً من الهجاء في آداب أخرى، مثل الأدب الانجليزي والفرنسي وصل إلى حد تقنينه في المعاجم الشهيرة، كما حدث في معجم ويبستر الشهير حيث العربي متشرد وأفّاق . . إلخ، إلا أن الأمر في الأدب الاشكنازي الصهيوني يصل حد تقنينه في محيط أوسع، في محيطِ بنية اللغة العبرية ودوائرها الدلالية . السبب، كما تحلله راحيلا مزراحي، العربية اليهودية المعادية للصهيونية، أن اللغة العبرية الرسمية في هذا الكيان الاستعماري ذات سمات أوروبية نشأت مع الحركة الصهيونية ومن أجلها، وهي غير العبرية الشرقية القديمة، فهي ذات دلالة صهيونية (أي استعمارية) في الكلمات والمصطلحات والمعاني وظلال المعاني، بل وحتى في المبنى . هذه اللغة هي التي تستخدم في ترجمة الأعمال الروائية والشعرية العربية، والفلسطينية بخاصة، فتستولي عليها وتفككها تفكيكاً تاماً وتجعلها غير ذات خطر، بل وتحولها إلى نصوص تثير الضحك من غفلة هؤلاء الكتّاب العرب الذين يجهلون أبسط آليات ومحركات الصراع الفكري مع هذا الواقع الاستعماري، فيتوسلون للوصول إليه ونيل رضاه وجوائزه استخدام الرموز التوراتية أو الرموز الصهيونية مثل الضحية التي تترجم إلى القربان (ها كوربان بالعبرية) فتثير الحقل الدلالي للهولوكوست في ذهن قارئ العبرية بدل أن تثير في ذهنه مذبحة صبرا وشاتيلا مثلا . أو يتحذلق شاعر فلسطيني فيخاطب شاعراً بالقول كن حاضراً في الغياب، فتؤخذ إلى العبرية وتصبح كلمة غياب حسب قراءة راحيلا مزراحي، نيفكادوت التي تدخل في تركيب كلمة الحاضرون-الغائبون (بالعبرية نوخاخيم- نيفكاديم)؛ الفلسطينيون الذين لايعترف الكيان الاستعماري بوجودهم مع أنهم يقيمون على أرضهم، بالإضافة إلى أنها تعني شيئاً محدداً في هذا الكيان وهو، غياب جندي فجأة عن الجيش بسبب تهربه مما يدعى الواجب الوطني، هذا الحقل الدلالي الذي تسقط فيه كلمات مثل الضحية والغياب يخرّب تجربة القول الشعري كما تقول مزراحي، ويفقده أي قيمة في سياق مقاومة الفكر الاستعماري .

***

قبل أن أعرف كل هذا عن لغة الاشكناز التي تنصب نفسها كشبكة لصيد كل اللغات، وليس العربية وحدها فقط، مرت بي ملحوظة الراحل عبد الوهاب المسيري عمّا أسماه انغلاقية المصطلح الصهيوني، أي عدم قابليته إلى الترجمة بسبب خصوصيته المرتبطة بكونها خصوصية لغة نشأت لتؤدي وظيفة استعمارية لا غير، وعنى بذلك أيضاً إصرار الصهاينة على عدم ترجمة مصطلحاتهم إلى اللغات الأخرى، بل ينقلونها كما هي في النطق لتحتفظ بدائرتها الدلالية الأصلية حتى في اللغات الأخرى، أو لتدخل كعنصر كيميائي مغير في هذه اللغات، في دلالاتها وكلماتها وتصورات أهلها . وتمتد سطوة مباني هذه اللغة على من يكتب بها أيضاً . إنها، بتعبير الروائي العراقي اليهودي سمير نقاش الذي تم تهجيره إلى فلسطين المحتلة بعد إقامة هذا الكيان، تجعل أعمال الكتّاب خاضعة لبرنامج لأنه بسبب الروابط المتينة بين هكذا لغة والأيديولوجية يبدو أن شيئاً ما مفقود في غالبية النثر العبري المعاصر، وهو شيء يجعل من الصعب على الكتاب التعبير عن أنفسهم بطريقة ذاتية بحتة، أو جعل أعمالهم تخاطب الوضع البشري .

لهذا السبب، كما يقول نقاش، أصر على الكتابة بلغته العربية رافضاً كل إغراءات الكتابة بالعبرية حتى وفاته .

وأي قارئ يمتلك حسّاً بسيطاً بمعنى الأدب الإنساني الذي يكتبه بعض كبار كتّاب اللغة الروسية أو الفرنسية أو الإنجليزية، لايملك إلا أن تصدمه لغة الكاتب الاستعماري الأوكراني عاموز عوز الذي تسوّقه المؤسسة الصهيونية، تلك اللغة المغلقة التي لاتنبض بأي إحساس إنساني تجاه أي معاناة بشرية، اللغة المكرسة لكراهية كل ما هو عربي كراهية تبلغ مبلغاً يعف عنه حتى الحيوان المفترس، لغة تقول بلسانه في رواية تحمل اسم أيام الراحة: طالما لم تقتل بقنبلة يدوية وبندقية من مسافة متر ونصف أو حربة في بطن عربوشية، لن تعرف معنى الحياة، والمقصود في هذا المعجم بالعربوشية المرأة العربية .

وقد صادفت لفظة العربوش ذاتها عند كاتب صهيوني آخر، بولندي، هو عاموس كينان في روايته الطريق إلى عين حارود حين استخدمها لوصف عربي وليس فلسطيني بالطبع، صادفه في طريق هروبه إلى مستعمرة حرة خيالية، ولم يعرف من أين جاء هذا العربوش وإلى أين هو ذاهب، عرف فقط أو أراد أن يعرف أن طريقه هو إلى بلاد ما وراء الحدود . هذا العربوش، أو المصادفة، هو ما يراه هذا البولندي في الفلسطيني صاحب الأرض .

ويعجب المرء، ويحق له أن يعجب من أية جنسية كان، من مبرر هذا الحقد غير العقلاني، يبديه الأوكراني والبولندي والأثيوبي والمولتافي . . إلخ، ويصطنع له لغة لا تنطق إلا بالكراهية والحقد، على العربي صاحب الأرض، إلا أن عجبه سيزول فوراً حين يكتشف أنه حقد اللصوص على صاحب البيت والأرض التي يتنعمون بخيراتها، فقط لأنه ما زال حيّاً مقاوماً .

***

هذه اللغة المغلقة لا تظل تسجن حتى أصحابها في شبكتها، بل تصطاد وتسجن كل من يحاول الاقتراب منها عن غير بصيرة، وتتجاوز الأمر الآن إلى غزو اللغات الأخرى، وبخاصة العربية التي تقع في مصائدها الأيديولوجية بسذاجة وهبل أحيانا وعن قصد وسبق ترصد وإصرار في أحيان أخرى .

من أمثلة السذاجة الشائعة أو الهبل في الترجمة إلى العربية أن مترجمين عربا ما أن يصادفوا لفظة أورشليم في نص غربي حتى يسارعوا إلى ترجمتها إلى القدس، أو تجدهم إذا صادفهم اسم جيريكو سارعوا بترجمته إلى أريحاً، انطلاقا من اعتقاد غبي أن أورشليم التوراتية هي ذاتها القدس، وليست اسماً ملصقاً بهذه المدينة التي لم تعرفه في كل عصورها، شأنها في ذلك شأن أريحا الفلسطينية التي لاتربطها رابطة بجيريكو التوراتية، بل وجدت بعض من يخوض غمار البحث التاريخي لايتورع عن تسمية مدينة نابلس الفلسطينية باسم شكيم .

أما عن القصد والتعمد فأمثلته لا تحصى، فقد حولت غالبية اللغة العربية المتداولة في الصحافة وشاشات الفضائيات فلسطين إلى إسرائيل، والمستعمرات إلى بلدات إسرائيلية، ومدن فلسطينية محتلة مثل حيفا ويافا إلى مدن إسرائيلية، وأطلقت على مستعمرين مختلفي الأعراق واللغات والثقافات غزوا الأرض قادمين من كل أنحاء الدنيا بالقوة المسلحة اسم مواطني إسرائيل أو الشعب الإسرائيلي .

قد يقول قائل، المسألة ليست مسألة لغة، بل مسألة رؤيا إلى العالم تغيرت أو تشوهت . هذا صحيح، ولكن الناس يفهمون عالمهم عبر شبكة لغتهم، فإذا تغيرت الشبكة تغيرت صورة العالم حتماً، ثم فرض هذا التغير على اللغة مقتضياته الفكرية والوجدانية . لهذا السبب، من لايعي فعالية كيمياء اللغة إنما هو جاهل بأبسط مفاهيم الصراع القائم في عالم اليوم، عالم لاينتصر فيه المستعمرون باستعمار الأرض وقتل الآمنين، بل يتحقق انتصارهم باستعمار العقول والأفهام .

تبقى ملحوظة أخيرة حول الترجمة، أي نقل النص العربي إلى العبرية الاشكنازية التي تكتب من اليسار إلى اليمين . لاحظت راحيلا مزراحي أن بعض النصوص الروائية استعصت على عملية التفكيك الصهيوني التي مارستها هذه اللغة المغلقة على الشعر، وأرجعت السبب إلى ماهية هذه النصوص اي محتواها المقاوم للأيديولوجية الصهيونية . وبناء على ذلك نستنتج أن النصوص التي سهل تفكيكها وتخريبها، بتعبير الكاتبة، هي التي استسلم محتواها منذ كتابتها بالعربية للأيديولوجية الصهيونية ومفاهيمها وتصورها للعالم، فلم يجد مترجمها إلى العبرية بين يديه إلا بضاعة ردت إلى مصدرها، فهي محتشدة بل ومتخمة برؤى صهيونية- توراتية إلى العالم، ربما لجأ إليها من لجأ من شعراء، فلسطينيين وعرب، طمعاً في مغنم أو مكسب كما هو حال المقاولين الذين يولون الآن وجوههم شطر تل أبيب في اليقظة والمنام .