مشهد، مشهدان، ثلاثة مشاهد شاهدة، قبعةٌ قابعةٌ في الرأس كضجيج مدينة، وقميص قصي المسافات ولا يتسع لكُم شاعرٍ عاثر، هي كلمات الشاعر عبدالله السبب في تقديمه لمجموعةٍ شعريةٍ أهداها لصديق، لا ليقرأها بل ليعيشها، كقولٍ فصلٍ لثلاثةٍ من الشعراء يجتمعون في نوم العزلة، ويقفون على حافة أرواحهم ساعة بدء رواحهم، في مشهدية ثلاثية الأبعاد، الأولى تنفتح على الأسماء، والثانية تغرق بالماء، والثالثة سماء، في مجموعة مشهد في رئتي للشعراء هاشم المعلم وأحمد العسم وعبدالله السبب.

ثلاثة شعراء يكنسون عن الشوارع أنفاسهم ويقيمون رؤوسهم غاباتٍ للطيور كأنها على رؤوسهم لا الأشجار المنبوذة، يدلف الليل إلى غرفهم السرّية ليتسع بحرفٍ فرِحٍ، يترك معطفه على الطاولة ليخرج المعنى عن صمته ويمزق عباءة العبارة، يشعلون الليل بالبكاء، ويتماهون مع شاعرٍ من أقصى البلاد جاءهم ليقول: الشاعر يخرج إلى الشارع/ علّه يجد ما يكنس به/ شظايا يديه.

ثلاثة اجتمعوا ليتناولوا خبز الشعر، رغيف الكلمات المسرعة نحو ميلاد لم يحن أوانه بعد، كأنها طلقات رصاص عاريات إلا من خجلها من نظرات القتيل، تشير صوب الحب بحرب، ونحو البحر بحبر، وبين الكلمات اتفاق السرّ على الارتماء في أحضان شعراء يتقنون صياغتها وتركيبها، يجتمعون على القول:

حياتي قاسية

مثل عنق زجاجة

روحي طائرة ورقية

وشجري قضية

لن أبوح بها.

الأول الذي يكتب مشهدية بعدٍ أول تنفتح فيه القصيدة على الأسماء وبها، فذلك الذي يكتب اللغة تعذب في خطاب الأنثى، وتخيّل اسمها المخاطب كأنه الآن، بين لطيفة وفاطمة وحبيبته التي بلا اسم، ولكنها تحضر في القصيدة كأنها وجهتها الأخيرة في كل قفل، وكل انتهاء، وهي التي من محاجره سالت صورتها، أنثى الخيبة، النادلة الإيطالية، ساهرة قرب الموقد/ تقلّب الجمر فيما وجهها مسافر في التجاعيد، فاتنة تخلع معطف البلل، وكعادتها تقشر خشبة النعش/ وتبصق على وسادة السرير، المرأة المجهولة/ الرابضة كغيمة في سماء قلبي/ أناملك الصغيرة/ رسائلك الخضراء التي تقطر الكلمات الطيفية وتبعث الروح/ همستكِ/ نظراتكِ تبعث النبض وأقواس القزح وأنتِ في السادسة عشر ربيعاً، وأنتِ تصغين إليّ بلطف/ وتتركين جدائلكِ تسافر على جسد الليل/ كنورس يتبع السفن والموانئ العاطلة.

وهاشم المعلم، هو أولهم الذي يبدأ العد بعد العِشرة والعشرةِ في ما لا يتنفسه برئتيه، إذ يبدأ الهواء بالتلوّث، والمدن بالتسارع نحو الغياب كقطار محطة صلاح عبد الصبور، أو الألم الذي لا يهدأ حتى يكلل رأسه بالغار والمجد، وحتى تحترق المدن بأنثى خيبته ورجال اسطرلاب مهشم، يقول:

قطار ينهب أحلامي

ونسر هرم

يوشك أن يخدش الفضاء ولا يفعل

أعلم بأنّ خلف كل عتبة تفاحة ناضجة

وخلف كل وجه تعويذة ماء

لكن..

خلف كل بابٍ

شفرة لدمي.

الشاعر هاشم المعلم يهدي صوته إلى صعاليك العالم، مستعيداً حياة صعاليك الشعر العربي وسيرتهم، في قسوة الظروف وحدة الموقف من الحياة، كأنها ما قصده القول الجمعي للشعراء الثلاثة في ما يحكيه لسان أولهم، عن الحياة التي لا حاجة له فيها لقسوتها مثل عنق زجاجة، ومليئة بالثقوب وكومة القطن، تفقده الطموح ولا يمكنه إلا الغرق، يقول:

مرةً نزلتُ إلى البحر

وفقدتُ طموحي.

وينزلق الشاعر هاشم المعلم بلغته المسرعة نحو خواتم قولها، إلى ما هو أبعد من هذه الصعلكة الذهنية الأقرب إلى النفَس الشعري في العصر الجاهلي، مقترباً أكثر إلى امتلاء الرئة بالتراتيل السومرية، لغة الطفولة المتلعثمة بالفرح، المشرعة العينين بالدهشة، وفراغ بياض الكتابة التي لا تقول، يقول:

لم يعد يثيرني أي شيء

أي شيء لم يعد يثيرني

لا عذوبة النسيان، ولا فاتنات الذاكرة.

يدخل في النسيان كنهر لا يسير بعكس النهر، كأفقٍ يتقلد الشمس في عنقه مخضباً بحمرة شفتيها، ولا يشير إليها بغير الخجل، كأنهما شاعرٌ وامرأة، وثالثهما بياض صفحة يرتكب الشاعر قصدها بقصيدته، ويعلن أن الليل يقص رداء عتمته، ويحك أنف الباب ليدخل في فضولية كاشفة، وادّعاء كاذب، بينوكيو الشعر هو هذا الباب، المغلق على مشهديات شتى، ويكشفها عبر ثقب مفتاحه الدجال، عبر قول التمني المستحيل، لو أن الغابة تهرب من ثقب إبرة، يخاطب الشاعر أسئلته الكاشفة العارفة، مرّي من ثقب الإبرة يا أسئلتي/ كل الأجوبة زرعناها على حدّ السكين، مرّي أيتها الكلمات المنزلقة إلى لغةٍ لا يعرفها الشاعر، ولكن يتعلّمها كطفل صغير، يتأتئ بها، يتسلح بأخيلةٍ مريضة تراقص أطياف القراصنة وسط البحر المنشق نصفين، يتبعونه بعوائهم وضحكاتهم الصفراء، يقول:

لو أن العافية تنزلق من بين أصابعي

وتقفز في نهر كنج

لو أن هذا البحر ينشق نصفين

ويتبعني القراصنة بعوائهم

لو أن حياتي تسقط في حفرة صفراء

وأهدأ

لو....

المشهد الذي يجمع الشعراء الثلاثة في التنفس الحر، والطيران الحر، والنسيان، واتساع الأمكنة التي يحاولون أن يفسحوا فيها قدر الإمكان وأكثر، كأن النص المكتوب مفتوح إلى نهايات احتمالاته لغةً ودلالةً، فهذا الشاعر أحمد العسم يتعب من الفكرة، فيرميها جانباً، يستصرخ بشرياً ما، أن يأتي ليصنع لرأسه غلافاً، ويطوي أشرعة الأزمنة، ويسوق الجهات إلى البحر الذي تربطه به علاقة نهّام مع بضعة بحارة يطوون الأشرعة بعد تجوال مثير، يقول:

يا تعبي

من يصنع لرأسي غلافاً

ويطوي أشرعة الأزمنة.

والشاعر أحمد العسم هو الثاني الذي يكتب بعداً ثانياً يكمل المشهدية بالكتابة التي تغرق بالماء، يبدأ قصيدته المفتوحة على البحر بالإبحار، من نصه إبحار الذي يضج بمفردات تقول ما تشي به أحوال الشاعر والبحر، عطش البحر فكدتُ أقتل في جوفي سهواً/ في فمي بحارة، ورواة، وعشاق، وحجارة أعددتها للحفل... في رأسي خارطة إبحار/ ونورس وبضعة مغامرين كسالى لا ينامون/ وكم هم/ لا تسعفهم المسافة/ في إبحاري الآخر، وأيها النائمون، أيقظوا البحر كي لا يبلغكم صراخي، أنا نهر ماء أتعبه الجفاف، أدخل في متاهة تحدثني عن منزل من الماء، البحر يستعير منديلاً يمسح زكامه.

ولا يقف بأحمد العسم الأمر عند حدّ الصراخ، فهو بالآه يوسّع معجمه حتى نهايات الهاء، الهوى، الهواء، الهم، الهشاشة، التي تتسع بها نافذة الحب الشفافة حتى لا يخترقها الرصاص أو المدافع، يرددها مرّتين، مرةً في الدهشة، ومرةً في البكاء، وهو في المرة الأولى ذاهل تتملكه الرغبة في نزع المستحيل، واقتياد الطرقات إلى حيث لا تدري، تتملكه الرغبة الشاهقة في أن يسقي ظمأ الصحراء، في أن يستلقي زمناً، وكأنه يفتح باب الوقت أمام رفيقه في البكاء، صديقيه الشاعرين الآخرين، فلا القصيدة يكتبها الثلاثة ولا الكلام يقال مضرجاً بالفكرة إلا بحبر البياض في فراغات العتمة عنواناً لنص يعلن فيه العسم موت الحياة وتعبها عن الحياة، لأنها القراءة التي لا يستوعبها الأبله، أما الطفولة فهي اشتهاء تبدده السنون، يعود إليها الشاعر باحثاً عن عصفور يستأجر عشّه، ويتعلّم منه التحليق كأول مرة، خارج خيبته في الحب، يقول:

الحياة قراءة لا يستوعبها أبله

الطفولة

اشتهاء تبدّده السنون

أنا

لا زلتُ أبحث عن عصفور

أستأجر عشّه

وأنتِ

خيبتي التي لا أزال

أجرّها.

أما في المرة الثانية فهو باكٍ شاكٍ اللا دموع في زمن الغياب، يشكو من مهمة أن يحيل الهواء إلى كومة تراب، ويكاد يستبدل فعل أحيل بفعل أجبل وبينهما من الشبه الكثير، كأن العسم تتلاعب به اللغة لتوقعه في فتنتها كما في حضور صديقيه في المشترك اللغوي والدلالي، وإن مال هو أكثر إلى البحر ليتسع بالماء، ويتطهر بالماء، ويغتسل به، فالماء مفردته اليتيمة المكررة، كأن اللغة التي يكتبها الشاعر أحمد العسم اجتماع السكّر والماء، أو شهقة الصحراء حين يسقيها الشاعر ماء الورد أو طلّ الصبح، ويبلل جسد المأساة أو المرساة، وبينهما عاشقةٌ يضيّعها الشاعر ويبحث عن وجهها الدافئ الذي لا يعرفه، ليجدها فراغاً تملؤه العتمة أو ساحلاً يرثيه الإعصار، وفُتاتاً وزّعته الطيور، فتضيع ويفقدها، ثم تضيع فيجدها ثمّ يفقدها من جديد.

يحكي الشعراء الثلاثة حكاية البكاء الذي لا يلد إلا صديقاً مزعجاً، وقصة الأزرق الذي يسكب في الصدر ملوحته، ويملأ الرئة برائحة البحر، يحكون مشهد البحر، ويلتقطون بقايا الذكريات وشظايا أرواح تعبث بالرذاذ والزبد، ربما تُحييها أمواج الشعر أو القهر، يقول أحمد العسم:

تنتهي المشاهد

ولا زالت في البحر

حكاية نهّام

ربما تبثّها

أمواج القهر.

المشاهد الثلاثة لا تكتمل إلا بعبدالله السبب، شاعراً يفتتح البعد الثالث بالرؤى، بفضاءات الواحدة التصاقاً، القادم شمالاً نحو بيادر الحلم، بهاء الهواء، الأهواء، الأجواء، هواء حواء، آمنة العناصر الأربعة، المشهدية مكتملةً كامرأةٍ من سلالة البحر، والتمر والطين، من سلالة الماء والصهيل، سيدة الجهات الأربع، فضاء المسافة وسماء الكتابة المفتوحة، يقول:

هجرةٌ إلى الرمس والصهيل صهوة

تباشير رجل من برج الصوم

إلى سنبلة الشعر

زغرودة بوح في مسار الابتعاث

إلى امرأة من سلالة البحر

والتمر، والطين

امرأة من سلالة الماء والصهيل.

يبدأ عبدالله السبب كتابته بالسماء، السماء التي تشبه الماء، والمساء، السماء التي تشبه حبيبته عندما النساء يغدقن عليه بها، يمنحنه السفينة، ويتطايرن فراشاتٍ ودخان، كأنّ صورتها لا تشبه إلا اكتمال الرئة بتنفس ريقها ورحيقها وحريقها، يقول:

لأن السماء تمنّ عليّ بكِ

ترتّب عقلكِ

وتربتُ على قلبك.

ينفرد عبدالله السبب في ثلاثية مشهد الرئة، المجموعة الشعرية التي تعلنه ختام مسكها، بنصه الشعري الذي يختزل المشهد في ثلاثية واضحة الرؤية والرؤى، هي ثلاثية الماء، والهواء، والهدنة الهادئة، تتجه إلى أنثاه في انتمائها إلى شكل الهواء، نسل السماء ونسبها، في العاطفة العاصفة، والأجنحة الراقصة، متوجةً بعنوان يقول الكثير، عن وجهة الأثير في نص السبب الشعري، في نصه ماء الهواء أو هواء الماء، العنوان الذي يتحقق في المضمون الأولي البدئي للنص، في عبارة شعرية تبحث عن شهوة سنبلة وعن شمس مقشرة، تقول سحب النسيان/ تحلّق في سماء الذاكرة.

ثمّ هي المشهدية السماوية نفسها عند عبدالله السبب، مشهدية العطر والمطر، والتي تبدأ انزياحاً إلى أعلى، بعكس الشاعرين المعلم والعسم، في تماهي حركة اللغة وحركة المطر، صعوداً فاتحاً ذراعيه نحو السماء كما لو أنها صلاته الصامتة، إذ تتكرر مفردة المطر تسعَ مرات في النص المفتوح للشاعر، والذي يتخذ منحى أحاديّ الاتجاه نحو الأعلى، من المفردة الأولى النسل المطر/ الشهد/ الماء المعطر يقول:

إليكِ يا مشهد وجهي

يا شهد وجهتي

وشهادة وجاهتي

يا شهيدة عصري

وعطري

وعطاء الماء المعطر

بالشوق والسهر.

انتهاءً بتشكيل لغوي ماكر، يحتمل دلالات المطر الجامع لا المانع، بين طينته وطينتها، وقوله مخاطباً إياها أيتها المطر الذي تنفّس/ أيتها الحلم الذي الآن، ويا ذات المطر المعطّر، ووصلته الشتائية الشاهدة في نص ماء الهواء أو هواء الماء في حركة صعود الشهوة السنبلة إلى أعلى والسقوط من رحم البحر، صلب الطفولة، نحو بزوع ونزوع إلى فوق، وبحثت عن شمس مقشرة/ وعن شهوة سنبلة سقطت من رحم البحر/ ولا مطر، وسقطت من صلب الطفولة/ بزغت من رحم البحر/ ولا مطر، وأنا مازلت أفتش عن شهوة مباركة/ في مسامات المطر، وقبلتان مكللتان والثالثة/ غارة غرائزية ممطرة، ولو تحدثنا والتقينا وتصافحنا وتعانقت أيدينا/ بكل ما تضمره من عشق وحنين ومطر، نمارس حضوراً ضوئياً مميزاً يمكنها/ من وجودٍ نوراني مطير، وصولاً إلى العبارة الأخيرة عند النافذة الغارقة/ رأس يطلّ بذاكرتهِ/ ويُصلّي.