من أبرز الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للإنسان حقه في التعليم والتثقيف والحصول على ما يجعله عنصرا صالحا في المجتمع، قادرا على العمل والإنتاج، فطلب العلم في المنظور الإسلامي فريضة، والتعليم واجب على المجتمع والدولة وعليها تأمين سبله، وضمان تنوعه بما يحقق مصلحة المجتمع، ويتيح للإنسان معرفة دين الإسلام وحقائق الكون وتسخيرها لخير البشرية.

لذلك جعلت شريعة الإسلام الحق في التعليم والثقافة من أهم الحقوق التي ينبغي على الإنسان أن يحرص عليها وأن يطالب بها في كل وقت، فالتعليم والثقافة ليسا منحة من الدولة، بل هما واجب عليها، وتعاليم الإسلام تلزم كل مؤسسات التربية والتوجيه المختلفة من الأسرة والمدرسة والجامعة وأجهزة الإعلام وغيرها بالعمل على تربية الإنسان دينيا ودنيويا تربية كاملة ومتوازنة تنمي شخصيته وتعزز إيمانه بالله واحترامه للحقوق والواجبات وحمايتها.

ولو استقرأنا النصوص العديدة التي حثت على العلم وتحدثت عن مكانته السامية في الإسلام لوقفنا على العطاء الحضاري الإسلامي في مجال هذا الحق، فالإسلام لا يحث المسلم فقط على طلب العلم، بل يحث العلماء على تعليم غيرهم، ويجعل من يقصر في تعليم غيره مع قدرته على ذلك من العاصين والآثمين، والنصوص التي تحض على التعلم والتعليم كثيرة ومتنوعة، يقول سبحانه وتعالى يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ويرفض مساواة الذين يعلمون بالذين لا يعلمون: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، ويجعل للعلماء مكانة كبيرة عند الله وعند الناس لأنهم أكثر الناس إدراكا لواجباتهم وحرصا على حقوقهم.

علوم الدين والدنيا

وحق التعليم في الإسلام ليس قاصرا على تعلم أمور الدين، ومعرفة الأحكام الشرعية بل يتعدى ذلك كما يقول الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر إلى كل ما هو نافع للناس في حياتهم، أي سواء أكان ذلك داخلاً في علوم الدين، كتعلم الأحكام الشرعية وغيرها مما يعين المسلم على معرفة أمور دينه، والتخصص فيها وتعليمها للآخرين مما أشار إليه القرآن في قوله سبحانه وتعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُل فِرْقَةٍ منْهُمْ طَآئِفَةٌ ليَتَفَقهُواْ فِي الدينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلهُمْ يَحْذَرُونَ. أم كان ذلك العلم مفيدا ونافعا في أمور الحياة من طب وهندسة وكيمياء وغيرها من العلوم التي تساعد على التعرف على أسرار الكون، وتذليل الصعاب التي تعترض حياة الإنسان.

ولذلك نجد فقهاء الإسلام يؤكدون أن العلوم التي ترتبط بها المصالح الدنيوية، كالطب وأصول الصناعات وغيرها تعتبر من فروض الكفاية، أي أنه يجب على المجتمع أن يكون فيه الأطباء والصناع وغيرهم ممن لو خلا المجتمع منهم لكان ذلك مؤديا إلى إلحاق المشاق بأفراده بل يؤدي ذلك إلى هلاكهم.

ومعنى أن العلم فرض كفاية أن المجتمع مطالب بإيجاده فإذا وجد من بعض الأفراد كان ذلك محققا للغرض المنشود، وأما إذا تواطأ المجتمع كله كما يقول الفقيه الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث بالأزهر فإن القادرين على تحقيق هذا النوع من التعليم الدنيوي يكونون قد ارتكبوا بذلك وزرا كبيرا.

والإسلام لا يصادر حق الإنسان في التخصص في مجال من مجالات العلوم والفنون المتنوعة والشرط الوحيد في كل الميادين ألا يؤدي سلوكها إلى الإضرار بالإنسان.

ولا يتبادر إلى الذهن أن اختراع الأسلحة وأدوات الحرب مما يمكن أن يمنعه الإسلام، حتى ولو كان ذلك سلاحا نوويا لأن اختراع هذه الأدوات وتحسينها مما يجعل للمسلمين القوة التي تردع من يحاول أن يعتدي عليهم ولكنهم بالطبع، التزاما بأخلاقيات الإسلام الرفيعة، ممنوعون من الاعتداء بها على غير المقاتلين في ميادين الحروب فعدم الحصول على الأسلحة المتطورة علميا يمكن أن يكون سببا في إذلال المسلمين أمام عدو يعمل كل أوقاته لتحسين أسلحته.

نماذج مشرفة

وفي تاريخنا الإسلامي المئات من العلماء والباحثين في كل مجالات الحياة ممن فهموا توجيهات الإسلام جيدا وطبقوها واتخذوا منها طاقة لتحصيل كل العلوم والفنون وتعلم كل المهارات والحرف والصناعات فخدموا دينهم وأفادوا أمتهم ، بل واستفادت منهم البشرية كلها، وكان لهم الفضل الأول في صناعة الحضارة الغربية الحديثة التي يتعالى بها الغربيون علينا.

ويقول الدكتور أحمد الطيب: ما يعاني منه المسلمون الآن من ركود علمي وحضاري هو نتيجة طبيعية لإهمال القيم العلمية والحضارية، فالإسلام ثورة على الجهل والتخلف بكل أشكاله وصوره ولا توجد عقيدة دينية تحث على العلم وتجعله فريضة دينية وتؤكد على ضرورة الاستفادة من كل العلوم والمعارف كما يفعل الإسلام.

ولذلك فإن انتشار الأمية بكل أشكالها وصورها الدينية والعلمية والثقافية في بلاد المسلمين تجسيد حي لإهمال العلم والفكر والثقافة في حياة المسلمين وهو إهمال لا يُسأل عنه المسلم وحده، ولكنه إهمال تُسأل عنه الحكومات والأنظمة الإسلامية التي لم تضع التعليم والبحث العلمي على خريطة اهتماماتها وأولوياتها ولذلك تراجعت في كل مجالات الحياة، فالعلم الآن هو وقود النهضة والتقدم وبدونه لن تحدث نهضة حقيقية في المجتمع.

أمية الإناث

وإذا كان إهمال العلم الدنيوي وبالاً على أمة الإسلام فإن حرمان المرأة من حقها في التعليم عدوان صارخ على شريعة الإسلام التي جعلت التعليم حقا للرجل والمرأة على السواء، ويقول شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، ان انتشار الأمية بين النساء في بلادنا العربية والإسلامية جريمة في حق ديننا وفي حق مجتمعاتنا ولا علاقة للإسلام بذلك من قريب أو بعيد، فشريعة الإسلام التي لم تفرق بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات لم تفرق بينهما في طلب العلم، بل أمرتهما بالتسلح بالعلم النافع، وبالثقافة المفيدة وبالمعرفة التي تعود على الأمة بالخير، وقد شرف الله تعالى أهل العلم سواء أكانوا من الذكور أم من الإناث تشريفا عظيما، والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على العلم وتجعله حقا وفريضة في الوقت نفسه لم تفرق في ذلك بين الرجال والنساء.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان يهتم بأمر تعليم الإناث ويجعل للنساء وقتا يخصهن فيه بالإرشاد والتعليم والإجابة على أسئلتهن، فقد روي أن بعض النساء قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن، فوعظهن وأمرهن.

وفي حديث نبوي كريم جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال، بحديثك، فاجعل لنا في نفسك يوما نأتي إليك فيه تعلمنا مما علمك الله، فجاء صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله.. والذي يراجع كتب السنة النبوية يرى كثيرا من الأحاديث قد رواها عدد من النساء عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان للسيدة عائشة رضي الله عنها نصيب كبير منها، وكذلك لغيرها من أمهات المؤمنين.

وانطلاقا من هذه التعاليم والتوجيهات الإسلامية الصريحة لا يجوز لأحد حرمان المرأة من حقها في التعليم والثقافة، فالمرأة شريكة للرجل في تحمل المسؤوليات والأعباء، وإذا كان الإسلام يعطيها الحق في العمل كل العمل المناسب لقدراتها ومهاراتها فلابد أن تتعلم تعليما جيدا وتتدرب تدريبا جيدا، فمجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى المرأة المتعلمة المثقفة الواعية بهموم ومشكلات مجتمعها القادرة على العمل والإنتاج والمساهمة الجادة في صنع التنمية والتقدم.