ذهبت منذ أيام إلى مدينة العين، ولم تكد معالمها الجميلة تظهر وتلوح من شوارع فسيحة ذات اخضرار قلما تقع العين على مثيلها في مدينة أخرى في الجزيرة العربية، حتى عادت بي الذكرى إلى يوم أن قدمت إلى هذه البقعة في صيف عام 1950، وعمري آنذاك اثنا عشر عاماً تقريباً بمعية والدي الذي كان يملك سيارة بدفورد، يأخذ فيها المسافرين إلى العين والبريمي وحتى مدينة ضنك في عمان.. وأذكر أننا مكثنا في هذه المدينة أياماً عدة لا أذكر عددها بالقرب من فلج مائي قريب من حصن متمتعين بالماء النمير والهواء العليل والطلع النضيد من أثمار النخل والرطب ذات الأكمام التي اشتهرت بها واحة العين منذ القدم.. وفي ذلك الصيف كانت العين تغص بالمصطافين من أبوظبي ومناطق أخرى، وكان الرائج في تلك الأيام أن يأتي الناس في الصيف إلى هذه الواحات على ظهور الجِمال التي كانت تقطع أياماً قد تصل إلى أكثر من أسبوع من أبوظبي إلى العين على سبيل المثال، لأن السيارات لم تكن متوفرة بالكثرة التي تستطيع حمل الناس وأمتعتهم، وكانت السيارات عبارة عن سيارات مستعملة يستغني عنها الجيش الإنجليزي في محطة الشارقة وتباع بالمزاد كلما مر عليها وقت وتستبدل بآلات جديدة، وكانت سيارة والدي من هذه السيارات القديمة..
ومن المعروف أن إمارة أبوظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة، تتشكل من مدن وقرى، وتعتبر العين إحدى المدن الكبيرة بعد أبوظبي من حيث السعة والسكان والمساحة، والعين أيضاً إحدى أهم مدن الإمارات التي تجاور سلطنة عمان وصحراء الربع الخالي، واسمها العين يرمز إلى أنها عين الإمارات ومقلتها جمالاً في التخطيط والهندسة، ثم في البستنة و«الخضرنة» اللتين تتميز بهما العين بين سائر المدن الإماراتية والخليجية..
وليست العين مدينة جديدة نشأت نتيجة التعمير الذي ولّدته المعاصرة والحداثة، فهي بقعة تعبق بالتاريخ، كما تعبق نسائمها العليلة صيفاً وشتاء، بالإضافة إلى الجمال الذي يضفيه عليها الاخضرار الذي يجعل منها حقاً مدينة البساتين وواحات الشجر والنخل الباسقات ذات الأكمام.
وبالرجوع إلى التاريخ الجغرافي والديمغرافي لهذه المدينة، مدينة العين، فإن الجغرافيين العرب قالوا إنها تدعى قديماً بتوام، وقيل إنها تدعى جواء، والأوصاف التي وردت لمواقع توام وجواء، تحاذي مدينة العين الحالية، ولعل الاسم الجديد العين، جاء لوجود عيون الماء التي أعتقد أنها مازالت موجودة ولها آثار ممتدة في الصحراء...
وإذا كانت العين هي الجواء التي ذكرت في الصحراء العربية بأنها موقع قريب من الربع الخالي، فإن القبائل المنتمية إلى هذه المواقع سكنتها ومنها قبيلة «بني عبس»، التي منها أبو الفوارس، شجاع بني عبس عنترة بن شداد العبسي، وبنت عمه عبلة التي هام بعشقها وهامت به كما تقول الروايات.. ويذكر عنترة، الجواء في قصيدته المشهورة التي يخاطب فيها عبلة..
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وإذا كان عنترة من الجواء والجواء هي العين، فإن أبا الفوارس إماراتي وتاريخ العين ضارب في القدم.. ومادمنا على ذكر أبي الفوارس عنترة، فإن هذا الفارس المغوار اشتهر بالخلق الرفيع لأنه في شعره وسيرته يترفع عن الزرايا الدنايا من الأمور.. ومن شعره المتسم بالأخلاقيات العالية قوله لبنت عمه عبلة..
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
هلّا سألت الخيل يا ابنة مالكٍ
إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وكانت العين معروفة بالصمود ضد الغزاة، وخطت العين خطوات واسعة نحو العمران المدني والحضاري بتولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان إدارتها في العام 1946، وحتى العام 1966، حيث تولى عند ذاك إمارة أبوظبي ولكن العين بقيت محور اهتمامه ومرتع شبابه رحمه الله.. واعتزازه بما أحدثه فيها من مظاهر العمران متحدياً في ذلك الزمن قلة الإمكانات وضيق ذات اليد والنزاعات القبلية، حيث برهن الشيخ زايد رحمه الله بعد ذلك وعندما تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، على أنه رجل الدولة القدير وباعث النهضة والربان الذي يجابه ما تعترض سفينته من عواصف من دون أن تكل له عريكة، ومن دون أن تُهد له همة.