نظراً لعدم الحاجة إلى تدبير الطعام معظم النهار في رمضان، ونظراً للتراخي الذي يبديه البعض عن أداء الأعمال المكلفين بأدائها في نهار رمضان بحجة الصيام، فإن الكثيرين من الناس يعقدون فيما بينهم مجالس اللغو، والغيبة، والنميمة، والثرثرة، وغير ذلك من ضروب الكلام السيّء، والتي يتحمل الوزر الأكبر منها: النساء خاصة، لشيوع حدوث ذلك منهن؟

إن الغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكرهه من نفسه في غيبته، والنميمة: ذكرك أخباره كلها- ما يحبها وما يكرهها- دون أن يأذن لك في شيء من ذلك، والبهتان: ذكرك إياه بما ليس فيه، في غيبته، بمعنى إلصاق العيب به، فإن تعلق هذا العيب بالعورات والمحرمات فهو الإفك، وإن اختص بالرمي بالزنا فهو الإفك المبين، وقد يكون ذلك في محضر من المقذوف، فيكون بهتاناً وإثماً مبيناً.

فإن اقتصر على الإشارات دون اللفظات، فإن كان بمؤخرة العين مع حركة الرأس نحو المستهزأ به فهو: الغمز، وإن كان بالعين كلها مع قطوب الوجه فهو: الهمز، وإن كان بالشفتين مع حركة الفكين بما يوحي بالكلام أو الأكل فهو: اللمز، وإن كان بالعين والشفتين معاً مع إظهار الاستهزاء على صفحات الوجه فهو: النبز، وإن كان كل ذلك واقترن به، أو بأحدها حركة اليدين بما يوحي بالسخرية الشديدة فهو: التهكّم.

وهذه كلها سلوكيات مرفوضة من المسلم ومن المسلمة على السواء، وإن كان حدوث ذلك من النساء أكثر، فإن تزامن ذلك مع نهار رمضان أفسد ذلك الصيام، وجعله كأن لم يكن، دون وجوب الإعادة على من حدث ذلك منه أو منها، لكن الإفساد متعلق بعدم استحقاق أي ثواب على صومه ذلك، ويكون قد أتعب نفسه فقط، ولم يكن حظه من صومه إلا الجوع والعطش.

قال الله تعالى: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُن خَيْرًا مِنْهُن وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظالِمُونَ يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظن إِن بَعْضَ الظن إِثْمٌ وَلا تَجَسسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِب أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتقُوا اللهَ إِن اللهَ تَوابٌ رَحِيمٌ (الحجرات)، وقال الله تعالى: الذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطوعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصدَقَاتِ وَالذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة)، وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُل هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الذِي جَمَعَ مَالا وَعَددَهُ (الهمزة).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟!) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ). قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ:إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتهُ) (مسلم وغيره)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَيمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ، وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ، يَشِينُهُ بِهَا فِي الدنْيَا، كَانَ حَقا عَلَى اللهِ أَنْ يُذِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النارِ، حَتى يَأْتِيَ بِنَفَادِ مَا قَالَ فِيهِ) (الطبراني)، وفي قصة المرأتين اللتين صامتا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهما خاضتا في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، عبرة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنهُمَا لَمْ تصُومَا، وَكَيْفَ صَامَ مَنْ ظَل هَذَا الْيَوْمَ يَأْكُلُ لَحْمَ الناسِ؟! اذْهَبْ فَمُرْهُمَا إنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ فَلْتَتَقَيآ)، فَقَاءَتْ كُل وَاحِدَةٍ عَلَقَةً مِنْ دَمٍ، فَقَالَ: (وَاَلذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَقِيَتَا فِي بُطُونِهِمَا لأَكَلَتْهُمَا النارُ) (الطيالسي، وابن أبى الدنيا).

فاتقوا الله أيها الناس، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وغضوا سمعكم، وكفوا عن إيذاء الناس وتتبع عوراتهم، فإن من تتبع عورة أحدٍ، تتبع الله عورته حتى يفضحه في قعر بيته.

اللهم عافنا في أسماعنا وأبصارنا وأبداننا. آمين.

وإلى لقاء آخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.