لا يبارح بعضهم الحقيقة كثيراً حين يعتبرون أن العثور على مطلع القصيدة هو اللقية الأهم بالنسبة للشاعر، لا بل يذهب أحد الشعراء إلى الاعتراف بأن نصف الجهد الذي يبذله في كتابة قصيدته متمثل في سطرها الأول وأن النصف الآخر تتقاسمه السطور الأخرى، على أن ذلك الأمر لا ينسحب بأي حال على الجانب الابداعي من الكتابة، ولا يعني بأن قيمة القصائد الأهم كامنة في مطالعها أو في سطورها الأولى على وجه التحديد بقدر ما يعكس المخاض الصعب الذي يعيشه الشعراء في الفترة التي تسبق الشروع في كتابة القصيدة . ذلك أن هذه الأخيرة لا تولد دفعة واحدة بل تتشكل عبر سديم مركب من الأفكار والصور والأطياف والمشاعر الضاغطة التي تروح تبحث لنفسها عن نسق ايقاعي ملائم وسط العديد من الاحتمالات الوزنية التي تتعاقب في رؤوس شعراء الوزن العموديين أو التفعيليين . واذا كان شعراء قصيدة النثر غير معنيين باختيار البحر الشعري كسابقيهم فإنهم يعانون بدورهم من صعوبة مماثلة في الشروع في الكتابة حيث يبدو السطر الأول بالنسبة لهم المفتاح النفسي والبنيوي وحتى الايقاعي الذي يفرض على القصيدة شكلها ونسقها التعبيري .
والحقيقة التي يعرفها الشعراء أكثر من سواهم هي أن المرحلة الفاصلة بين التهويمات الضبابية الأولى لفكرة القصيدة ووخزها المتلاحق في جلد الروح وبين تمظهر المطلع الشعري على الصفحة البيضاء هي من أكثر المراحل التكوينية غموضاً وتمنعا وغرقاً في دوامة التبديل والتعديل قبل أن يرسو الشاعر أخيراً على بر تعبيري وإيقاعي يتمثل بالمطلع أو البيت الأول .
فالمطلع لا يكتسب أهميته من قيمته الجمالية والمضمونية الخاصة به كوحدة مستقلة فحسب، بل من كونه الحجر الأساس في عمارة القصيدة والجملة الموسيقية التي ينبني عليها اللحن برمته . ورغم أن العرب ذهبوا إلى اعتبار المكتوب يُعرف من عنوانه نظراً ما لعنوان العمل من قدرة على استنطاقه واختزال مناخه العام، فإنهم أولوا لمطالع القصائد أهمية تفوق العناوين بأضعاف وتتقدم عليها في الأهمية والخطورة .
إن أي مراجعة دقيقة للقصائد الشعرية العربية لا بد أن تقودنا إلى التوقف ملياً عند الأدوار الثانوية للعناوين مقابل التركيز المفرط على المطالع التي غالباً ما تحولت إلى ركائز ثابتة للذاكرة الشعرية الجماعية والحافلة بعشرات الأبيات المميزة، حيث سارت عبر الأزمنة سيرورة الحكم والأمثال والمأثورات . لا بل إن العناوين نفسها كانت تستند أحياناً إلى الحدث المصاحب للقصيدة أو الصدى الناجم عنها، كما هو حال المعلقات، وتنتزع أحياناً أخرى من القافية المختارة، كأن يقال اللامية والميمية والرائية وغيرها من حروف الهجاء . لكنها كانت تنتزع أغلب الأحيان من مطلع القصيدة، كأن تصبح صرخة قفا نبك هي العنوان الشائع لمعلقة امرئ القيس، وأمن آل نعم عنواناً لقصيدة عمر بن أبي ربيعة الشهيرة، وعلى قدر أهل العزم عنواناً لقصيدة المتنبي المعروفة في مديح سيف الدولة، وأراك عصي الدمع عنواناً لرائية أبي فراس المعروفة، وربما كان توزع القصيدة العربية بين موضوعات شتى كالنسيب والمديح والوصف والعتاب والرثاء والهجاء يجعل من الصعب على الشعراء أو النقاد والقراء أن يجدوا لهذه القصيدة عنواناً جامعاً لموضوعاتها ومضامينها فآثروا اقتطاع العنوان من المطلع نفسه الذي أولوه كل عناية واهتمام .
على أن الأمر ما لبث أن اختلف كثيراً بالنسبة لتجربة الحداثة التي نقلت القصيدة من اطار الوحدات التعبيرية والايقاعية شبه المنفصلة إلى اطار الوحدات المتداخلة والمنضوية داخل بنية عضوية معقدة التركيب . هكذا لم يعد المطلع يختزل القصيدة أو يشكل عنواناً لها إلا في ما ندر . ذلك أن ضرب مفهوم البيت التقليدي لم يعد يسمح للسطر الأول بأن يشكل وحدة مستقلة بذاته في أغلب الأحيان، بل هو يتصل بغيره عن طريق التدوير بما جعل المقطع الشعري يحل محل البيت، أو بما أكسب البيت دلالة مختلفة عن سابقتها .
إن أطرف وأحرج ما يواجهه الشاعر الحديث في هذا السياق هو أن يبادر أحدهم لدى إخباره إياه بولادة قصيدة جديدة، إلى الطلب من الشاعر أن يسمعه مطلعها، ومطلعها فقط . ساعتئد يُسقط في يد هذا الأخير ويحار في ما يعنيه السائل بالمطلع، هل هو السطر الأول الذي لا يسمن أو يغني من جوع؟ هل هو المقطع الأول الذي قد لا تكون معالمه واضحة ومحددة؟ وماذا لو كانت القصيدة مؤلفة من مقطع واحد، فهل يقول للسائل الفضولي إن عليه أن يسمعه القصيدة برمتها وإلا فلن يحصل على شيء . ومع ذلك فلن يعدم بعض شعراء الحداثة مطالع لافتة تذكر بأسلافهم الأولين كما هو حال عيناك غابتا نخيل ساعة السحر لبدر شاكر السياب أو ياست الدنيا يابيروت لنزار قباني وسجل أنا عربي لمحمود درويش .