الفصام هو المرض الدماغي المعروف منذ القدم، ونسبة المصابين به -للأسف -تعتبر مرتفعة عالمياً، وهو مرض مزمن يصيب عدداً من وظائف العقل، وأهمها التفكير، حيث يفقد المريض القدرة على التفكير بشكل واضح ومنطقي ومترابط، كما يؤدي إلى اقتناعه بأفكار غير صحيحة، ويتبنى معتقدات غريبة مثل تحكم الآخرين في أفعاله وتحركاته، كما يصيب مركز المشاعر في المخ فيقل احتكاكه الاجتماعي مع الآخرين عاطفياً، ومع الأحداث أيضاً، كأن يذكر وفاة أعز أصدقائه بكل هدوء ودون أي انفعال، أو تصبح مشاعره غير متناسبة مع الموقف الحالي، كأن يضحك عند سماع خبر محزن أو يحزن في مواقف سارة، وكذلك يتأثر الإدراك، حيث يسمع المريض أصواتاً ويرى أشياء غير موجودة في أرض الواقع، وليس ذلك مجرد أفكار وإنما أشياء حقيقة، كأن يسمع من يتحدث إليه معلقاً على أفكاره وأفعاله أو متهجماً عليه أو موجهاً له الأوامر أو غير ذلك، وربما يكون المتحدث شخصاً واحداً أو مجموعة أشخاص يتحدثون فيما بينهم عن المريض، وهذا ما يفسر ملاحظة الآخرين لحديث المريض وحده إذ هو - في الواقع - يتحدث إلى هذه الأصوات. كما يمكن أن يتأثر السلوك، حيث يقوم بسلوكات غريبة مثل اتخاذ أوضاع غريبة أو تغيير تعابير وجهه بشكل دائم أو القيام بحركة لا معنى لها بشكل متكرر أو السلبية الكاملة، وبشكل متواصل، كما يظهر انعزالاً عن الآخرين وإهمال العناية بنفسه وبنظافته الشخصية، وفقدان الحيوية والاهتمام والرغبة في الدراسة أو العمل، مع قلة الكلام وعدم التفاعل.
وتتسم حياة مريض الفصام بالفوضى وعدم القدرة على التركيز والإنجاز، والصعوبة البالغة في إقامة علاقات اجتماعية إضافة للاضطراب، وتشوش العلاقة مع الآخرين، والأوهام والهلاوس التي ترافقه.
عادة تبدأ أول أعراض المرض في سن المراهقة وأول مرحلة الرجولة (أي بين سن 15- 25 )للرجال وسن
( 25- 35 )للنساء، والبداية بأعراض غير واضحة ربما تمتد لأشهر طويلة ثم يظهر المرض بصورته الكاملة، لينتهي بأعراض سلبية. ويأتي المرض على شكل هجمات في حالة إهمال العلاج.
هناك عوامل تسهم في شفاء مريض الفصام، منها سرعة تشخيص المرض، واللجوء إلى الجهات المختصة بأقصى سرعة، وعدم تأجيل اللجوء إلى العلاج، والالتزام بنظام العلاج الدوائي، والمراجعة الدورية والمستمرة للطبيب لمعرفة تأقلم المريض مع الدواء، وشعوره بالراحة مع الأدوية، والتعاون وتطوير خطة نفسية ـ اجتماعية مع العاملين الاجتماعيين والنفسيين في مراكز الصحة النفسية المجتمعية، لمساعدة المريض في الاندماج المجتمعي وتطوير مهاراته المختلفة، علاوة على استمرار المريض في القيام بمهام حياته الاعتيادية كأي شخص آخر، مثل الاستمرار في العمل أو الدراسة وفي حال عدم قدرة المريض على العمل فإنه ينبغي له أن يلتحق ببرنامج تأهيلي لتطوير مهارات تساعده على ذلك، ومن الضروري تفهم المجتمع للمريض وعدم استفزازه من خلال نبذه ووصمه بصفات وكلمات قاسية تدمر حياته، دون معرفة تأثيرها السلبي الكبير فيه.
مرض الفصام له أعراض كثيرة وأشكال مختلفة، حيث لا يشترط أن توجد كل الأعراض بل، ربما يوجد أحدها أو بعضها، فعادة يبدأ المرض في التطور بشكل خفي وبطيء، في البداية تظهر الأعراض المبكرة للمرض وتتطور شيئاً فشيئاً، حيث يلاحظ أن المريض أصبح أكثر عزلة، وأقل اهتماماً بما كان يثيره من قبل، وأقل اهتماماً بمظهره الشخصي، ويبدأ خلال هذه الفترة التدهور في أدائه الوظيفي أو الدراسي (في المدرسة أو الجامعة)، وفي علاقاته مع أصدقائه وزملائه، ثم يظهر المرض على صورته الذهانية الحادة، أحد أنواع الفصام يظهر على شكل اضطراب في الحركة، ونوع آخر يظهر على شكل سلوك طفولي أو أعراض سلبية فقط دون أعراض إيجابية، وهذا ما نسميه الفصام البسيط، وأهم أعراض الفصام هي الهلوسة، حيث يمكن لمريض الفصام سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة، وليست حقيقية، أو يشعر بأحاسيس في جسمه غير حقيقية، وهذا ناجم عن اختلال كيميائي في مناطق معينة في الدماغ تؤدي إلى تفعيل مناطق السمع أو البصر أو الحس أو التذوق أو الشم وبالتالي تعطي الإحساس دون مؤثر خارجي حقيقي، وتعتبر الأوهام السمعية من الأعراض الأكثر شيوعاً لدى مرضى الفصام في الحالة الذهانية أو الحادة للمرض، وتستمر مع نسبة قليلة منهم، ومضمون هذه الأصوات يختلف من مريض لآخر، فبعضها تعلق على أفعاله وأفكاره، وبعضها تعطي بعض الأوامر أو تناقش شؤونه.
ويعتبر اضطراب التفكير من أعراض الفصام، وهذا الاضطراب من الأعراض المميزة لهذا المرض، حيث يشعر المريض بغموض وصعوبة في التعبير عن أفكاره، ويظهر ذلك في عدم الترابط بين الأفكار، حيث لا يستطيع الاستمرار في موضوع واحد فينتقل من جملة إلى أخرى بلا أي رابط بينهما، وبالتالي لا يمكن فهم ما يقول، مع صعوبة إيجاد المعنى بسهولة لأنه يدخل في تفاصيل تافهة ويحوم حول المعنى دون إلى اللب.
وكذلك عدم القدرة على فهم الموضوعات وتحديد ماهية المشاكل وعدم استطاعته التفكير بشكل تجريدي ويكون تفسيره للأشياء بحسب دلالتها الظاهرة وليس بمعانيها الحقيقية، كما يشكو من ازدحام الأفكار وتسابقها في رأسه، ما يسبب له إزعاجاً شديداً).
وتعتبر الضلالات - وهي معتقدات غريبة وخاطئة يؤمن بها المريض إيماناً راسخاً لا يحتمل الشك - أحد أهم عوارض الإصابة بالفصام، فمثلاً يعتقد المريض أن هناك من يلاحقه أو يتجسس عليه أو يكيد له أو يتربص به.
كما يعاني من فتور الهمة وفقدانه للحيوية والرغبة في القيام بالأعمال المختلفة. وربما يعتبرها بعضهم كسلاً، لكنها في الواقع أحد أعراض المرض التي تجعل بعض مرضى الفصام ليس لهم الدافع أوالتحفز للمشاركة في النشاطات الاجتماعية أو البحث عن عمل أو التفاعل مع الآخرين.
ويلاحظ على بعض المرضى قلة الحديث، حيث لا يبتدئ حواراً أو مسامرة ويكون كلامه محدوداً بما يسأل عنه وبشكل مختصر قدر الإمكان، وعدم الاهتمام بالنظافة الشخصية، والمظهر الخارجي، ويمكن أن يمضي أشهراً طويلة دون أن يستحم أو ينظف جسمه، ولا يغير ملابسه إذا لم يأمره أحدهم بذلك.
وتظهر لدى المريض اضطرابات سلوكية مثل تغيير تعابير الوجه بشكل متكرر، والضحك بلا سبب، والاهتياج وتكسير ما حوله من أغراض.
ومن أهم الأعراض المداومة على وضعية معينة، حيث يتخذ المريض وضعية خاصة لمدة ساعات كأن يأخذ وضع الجنين في بطن أمه، وبعض المرضى تحدث له الوضعية بعد أن يضعه الطبيب على شكل معين كأن يحافظ على يده مرفوعة لساعات بعد أن يرفعها الطبيب.
لا يوجد لأحد مناعة ضد الإصابة بالفصام، إذ يمكن أن يصاب به أي شاب أو شابة من عمر15 - 35 سنة، على أن المرض ربما يصيب أشخاصاً أقل أو أكثر من هذا العمر لكن بنسب أقل، والفصام - للأسف- مرض منتشر، حيث يصيب 1% من البشر لكن هناك فئات من الناس هم أكثر عرضة له من غيرهم مثل أقاربه، والخطورة كلما ازدادت صلة القرابة مع من يتعاطى المخدرات بكل أنواعها وخاصة الحشيش.
يقول العلماء إن نسبة وجود مرض الفصام في المجتمع ما يقارب 1% من الناس أو أقل من ذلك بقليل، لكن هذه النسبة ترتفع إلى 50 % عندما يصاب التوأم المتماثل أي من بيضة واحدة، الذي يفترض أن التوأمين يحملان نفس الكروموسومات والجينات الوراثية، ولاحظ أن نسبة الإصابة ارتفعت بنسبة كبيرة وهذا يثبت دور العامل الوراثي لكن في المقابل الوراثة لا تفسر كل أسباب حدوث الفصام، فإذا كان الوالدان أصيبا بالمرض فنسبة الإصابة تقارب 40 % ، بينما لو أصيب التوأم غير المتماثل أو كان الأب أو الأم قد أصيب بالمرض فنسبة الإصابة ترتفع إلى 12%.
وتلعب المخدرات كذلك دوراً، حيث تعتبر من عوامل الخطورة التي تساعد في ظهور المرض، إلا أن دراسة تحليلية نشرت في مجلة الطب النفسي البريطانية منتصف العام 2004 تنادي باعتبار المخدرات «سبباً» وليس عامل خطورة.
عُرف الفصام منذ آلاف السنين، ووجد علماء الآثار أوصافاً لبعض أعراض الفصام في بعض الوثائق التي ترجع إلى عصور قديمة، والواقع أن المرض شائع، حيث نتوقع أن نجد مريضاً من بين كل 100- 125 من الناس حولنا، ومع تقدم العلاج ومستوى الرعاية المقدمة لمرضى الفصام لم تقل نسبة الحدوث، لكن تحسن مسار المرض ومآله وترقت جودة حياة المريض، ولذا زادت نسبة الانتشار عما سبق في الماضي، حيث كان المرضى يموتون في عمر أقل بسبب الإهمال وعدم فهم آليات المرض وعدم وجود علاج ناجح له.
ويعتمد علاج مريض الفصام على تفهم الأسرة والمحيطين لطبيعة مرضه وعدم معاملته بقسوة علاوة على ضرورة التزامه بعمله ودوره الأسري خلال فترة العلاج الدوائي، لأن ذلك يساعد على سرعة الشفاء.
ويعتبر العلاج بالجلسات الكهربائية إحدى طرق العلاج النفسى التي تستخدم في العالم لعلاج الفصام، وتعد من أكثرها فاعلية، حيث تعمل الصدمات الكهربائية على تغير حركة الهرمونات العصبية بين أغشية خلايا المخ مما يعيدها لحالة التوازن السابق، وتعدل من عمل المركز الأعلى الذي يتحكم فى الجهاز العصبي اللاإرادي بفرعيه السمبتاوى والباراسمبتاوى، وكذلك فهو أحد مراكز الانفعال في المخ، ويحتوي على أكبر نسبة من الموصلات العصبية الخاصة، بالانفعال ويحتمل أن جلسة الكهرباء تعيد توازن تحكم هذا المركز فى العمليات الانفعالية المختلفة، كما تعطي راحة وقتية لنشاط المخ الكهربائي بحيث يبدأ العمل ثانية بطريقة سوية، وتعطى جلسات الكهرباء تحت تأثير المخدر وراخي العضلات ولا يشعر المريض بهذه الصدمات.