في كتابه «معترك الأقران» يقول السيوطي موضحاً الفرق بين الفعل والعمل:
إن لفظ «عمل» يستعمل لما يمتد زمانه، وأما لفظة «الفعل» فعلى العكس من ذلك، فهو لما يكون دفعة واحدة.
والاستعمال القرآني يؤيد هذا الفرق، والآيات الكريمة تشهد له خير شهادة، قال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 25]، حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة واحدة. وقال سبحانه: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ...) [سبأ: 13]، حيث كان فعلهم محدوداً بزمان، أي أن استعمال لفظة «الفعل» ليس لها زمان مستمر، وإنما يكون الحدث دفعة واحدة، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل: 1]، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) [الفجر: 6]، (وَتَبَيَّن لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) [إبراهيم: 45]، فإنها إهلاكات وقعت من غير بطء، وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) [المؤمنون: 4] أي يأتون بها على سرعة من غير توان في دفع حاجة الفقير.
وقوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل: 50]، حيث يأتون بما يؤمرون في طرفة عين، فينقلون المدن بأسرع من أن يقوم القائم من مكانه.
ومن خير الشواهد التي توضح الفرق بين الفعل والعمل ما قصه الله علينا من نبأ موسى وفرعون، قال تعالى: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: 19-20].
والفعلة -هنا- هي قتل موسى عليه السلام للقبطي، وقد كان دفعة واحدة لا تدرج فيه من جهة، كما أنه من جهة أخرى كان أمراً غير مقصود ولا مراد لموسى، فكل الذي حدث منه أنه وكز القبطي، والوكز عادة لا يقتل؛ لذلك سماه القرآن فعلاً.
ومن يُنعم النظر في آي القرآن يجد من ذلك ما يثلج الصدر. وهذا الفرق هو الذي اقتصر عليه السيوطي (رحمه الله).
وهناك فرق آخر لا يقل عنه دقة وروعة، وهو ما ذكره الراغب (رحمه الله) حيث قال: «العمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات».
والمتأمل في الذكر الحكيم يجد ما يطمئن به قلبه، وتطيب به نفسه، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُل قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [النور: 41]، وقال تعالى: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: 62-63].
وقال سبحانه: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10-12].
أما الآيتان الأولى والثانية فأمرهما ظاهر، فالفعل أسند إلى الحيوان من طير وغيره في الآية الأولى وإلى الجماد في الآية الثانية.
وأما الآية الثالثة فإنه يلوح لنا منها سر رائع، فتعالى الله وجل المنزل حيث لم يقل: يعلمون ما تعملون، لا من أجل غرض لفظي فحسب، وهو ما بين الفعلين (يعلمون وتعملون) من تقارب وتشابه في الأحرف، وإنما لما هو أعمق من ذلك وأدق، وهو أن هؤلاء الملائكة لا يعلمون ما تقصدون إليه من عمل فقط، وإنما يعلمون ما وراء ذلك من خلجات النفوس وطرفة العين، والخواطر والهواجس، وكل ما لا يقصده المرء، فما أبدع الجمال القرآني، وما أجمل بديع كلماته؟
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة