العلوم العسكرية أحد من المجالات الكبرى التي تقدم فيها المسلمون بشكل رائع وقدموا عطاءات حضارية شديدة التخصص والأهمية والإنسانية. حدث هذا في مجال فنون القتال والكر والفر في ساحات الوغى، كما حدث في مجالات التصنيع الحربي وإنتاج أدوات القتال والقوة.. كما حدث في الجوانب الإنسانية التي سنها الإسلام قبل بدء الحروب وأثناء المعارك وبعد أن تضع الحرب أوزارها.
ولئن تأخر مسلمو اليوم عن بلوغ التقدم المنشود في مجال امتلاك وتصنيع القوة العسكرية لأسباب يقع معظمها في أيدي الآخرين.. إلا أنهم يمتلكون الوسائل الفنية والمادية والمعنوية التي يستطيعون بها توفير وسائل الدفاع عن النفس وتحقيق حق الردع وحماية الذات.
الدكتور سيد عليوة أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية المعروف وصاحب الدراسات المتعددة في مجال الصراعات الإقليمية والدولية يتوقف أمام عطاءات العرب والمسلمين في مجال العلوم العسكرية بكثير من التعجب والانبهار. ويقول: أتعجب أولا من قدرة المسلمين على ابتكار فنيات مهمة في مجال التعامل الاستراتيجي مع الحروب، وأتعجب ثانيا من إغفال الفكر العسكري والسياسي تسجيل هذه الفنيات وتنظيرها ووضع الأسس العلمية للاستفادة منها. وفي تصوري أن غياب هذه العطاءات الفنية عن التنظير سببه أن كثيرا من معارك المسلمين إن لم يكن كلها كتبت من قبل مؤرخين أو بعض علماء اللغة والشريعة.. ومن ثم وقفوا طويلا أمام دلالات الحروب الدينية والتاريخية ولم يقفوا طويلا أمام مغزاها العسكري والاستراتيجي. كما أن بعض الغربيين الذين تناولوا هذه الغزوات تناولوها بالغمز واللمز أو تجاهلوا ربما عن قصد الإشارة لهذه الرؤى العلمية المتقدمة في مجالات العلوم العسكرية وفنون القتال، وهو عيب لا يلام عليه بعض كتاب أوروبا، بل يلام عليه في الأساس كثير من كتاب العرب والمسلمين.
رؤية شاملة
وبرؤية علمية محايدة يقرر الدكتور عليوة أن المسلمين كانوا من أكثر الناس تقدما عندما تعاملوا مع الحروب بشكل استراتيجي شامل بحيث شملت هذه الرؤية ليس ميدان القتال فقط، بل شملت ظروف الأمة كلها، والإعداد النفسي، والوضع الاقتصادي، والظروف الدولية والإقليمية، وقدرات الخصم التنافسية وحجم التحالفات مع أو ضد وأسلوب وتوقيت القيادة، ونوع السلاح وعدته وعتاده.
ولهذا رأينا الإسلام يقدم في كل جزئية من جزئيات العلم العسكري لمحة جديدة.
ومن الجوانب المبهرة في الفكر العسكري الإسلامي إبرازه لفكرة الردع وهي الفكرة التي لم يلتفت إليها العلم العسكري الحديث إلا بعد سلسلة قاسية من الحروب والدمار، وعندما اعتمد عليها سماها توازن الرعب أو التوازن النووي أي القدرة على الإبادة الشاملة. ولكن الردع في المفهوم الإسلامي معناه تحقيق هيبة الذات وقطع الطريق على الآخر في أن يفكر في إذلالك أو الهجوم المباغت عليك. إنه ردع بهدف حقن الدماء يعمل فيما يسميه علماء الاستراتيجية في المحيط النفسي بالإضافة إلى المحيط الميداني المطلوب فيه الإعداد بأقصى ما يكون.
وهذه المعاني مقررة في الفكر الإسلامي، كما أشار إليها أكثر من نص شرعي، من ذلك قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وفي الحديث النبوي الشريف: نصرت بالرعب مسيرة شهر.
ومن الجوانب المبهرة بناء العقيدة العسكرية على أسس من الإيمان بالحق، والشجاعة في الممارسة، والإنسانية في التعامل، والشمول في مفهوم الجهاد وغاياته. العقيدة هذه لا تهدف لكسب أرض أو هتك عرض أو أذى دين أو احتلال طين، بل تهدف لهداية البشر ورفع الظلم وتأمين الناس على أن يعيشوا أحرارا في الكون ويلبوا نداء الله لهم بالجنة: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. ومثل هذه العقيدة سوف تقدم على الدفاع عن الوطن دون خوف من عدو، وتؤمن بأن لقاء العدو جزء من تصرفات أهل الأرض: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور.
وهي عقيدة ترسخ في صاحبها إيمانه بعدالة قضيته والصبر على الشدائد، وحريته في اتخاذ القرار العسكري والمشاورة في الأمر، وجهاد النفس الأمارة بالقعود والتخاذل ومعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن عاد من إحدى الغزوات قال: قدمنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعني جهاد النفس الأمارة بالسوء والكسل.
وفي هذا السياق وجدنا في الإسلام كما يضيف الدكتور سيد عليوة ترسانة من قواعد المعارك وبناء القوة بمعناها العام، وهي المساحة التي تأخذ الجهد الأكبر في العلوم العسكرية في الوقت الحالي. فمقياس نجاح أي نظام عسكري يقوم على رغبة أبناء الوطن في الدفاع عن النظام والوطن. هذا المعنى وجدناه بارزا في نفوس بعض أبناء الإسلام حتى إن الواحد منهم لا يستأذن القائد في مبدأ المشاركة: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين.
وفي الوقت نفسه طبقت الحروب العسكرية مئات المبادئ العسكرية في الأداء واختيار القادة وكذا التخطيط وتوضيح الهدف، واتخاذ القرار والشورى ثم العزم على التنفيذ والانضباط التكتيكي والسرية في تداول المعلومات، وأعمال التخابر والتدريب، ومقاومة الحرب النفسية، والكر والفر والثبات عند الشدة. وقد أشارت الآيات القرآنية إلى كثير من هذه المعاني: يقول الحق: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. ويقول: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا. ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة.
تصنيع السلاح
بيد أن عطاءات المسلمين لم تتوقف عند هذه الفنيات القتالية بل تقدمت في مجال التصنيع الحربي وإنتاج السلاح.
يقول الدكتور عليوة: من المنطقي، وقد انتشرت وانتصرت الجيوش الإسلامية على جيوش فارس والروم وفتحت الهند وبلاد السند وإسبانيا والبرتغال وطوقت جنوب وشرق وغرب أوروبا، أن يكون الجندي المسلم مسلحا بسلاح يفوق أو يضاهي ما يتسلح به الخصم من عتاد وعدة.
وقد تعددت الإشارات القرآنية إلى التصنيع الحربي واستخدام الحديد الذي فيه بأس شديد وقدرة فائقة على التحمل، وإيقاع الأذى بالآخرين من الأعداء.
وقد نوع الجيش الإسلامي من مصادر تسليحه كما نوع من أساليب التصنيع.
وعندما فتح المسلمون صقلية على يد القائد أسد بن الفرات أسس العرب دارا لصناعة الآلات البحرية في تونس كانت تصنع السلاح والسيوف والسفن والآلات وقدمت خبراتها فيما بعد لبعض المهندسين والفنيين في أوروبا، وبلغ من شأن صناعات السفن عند المسلمين أن هزموا الأسطول البيزنطي.
كما قدموا أول محاولة لتحقيق حلم الإنسان الأول بأن يطير في عام 880 عندما بنى الطبيب ابن فرناس في إسبانيا أول طائرة صنعها من القماش والريش كبداية علمية للطيران المدني والحربي.
كما مزج المسلمون بين القياس بآلات الشمس عندما صنعوا ساعة شمسية وبين عمليات التخابر والاستطلاع العسكري، وطوروا كثيرا من آلات الرومان الحربية في المدافع والقذائف وأدوات الرمي والعربات والسفن.
حقيقة سياسية وعلمية
ورغم إيمانه الكامل بقدرات المسلمين الحالية على دخول عالم التصنيع العسكري والاكتفاء الذاتي من السلاح وتصدير ما يزيد على احتياجاتهم، يشير الدكتور سيد عليوة إلى تأخر المسلمين في هذا المجال حيث يعتبره التجسيد البارز لتأخر المسلمين الحضاري منذ نحو خمسة قرون.
ويقول: أشير هنا إلى حقيقة سياسية وعلمية نلحظها جميعا وهي أن حضارة الغرب تتقدم بدءا من الكشوف الجغرافية وحتى اليوم على قاعدة علمية رادفتها قوة سياسية جعلت دول الغرب تمتلك القوة العسكرية المبنية على الاستفادة القصوى من العلم، والاستغلال الأقصى لصاحب القرار السياسي. وأنا كعالم سياسة لا أفصل مثلا بين اكتشاف البنسلين والهاتف والعجلة البخارية وبين إنتاج الطائرات والسلاح النووي والصواريخ عابرة القارات، فكلها استغلال للتكنولوجيا والقرار السياسي معا، فضلا عن العسكري.
لهذا، تأخرت الدول العربية، واستعمرت معظم الدول المسلمة، ولم تتقدم صناعة السلاح في عالمنا. وتشير التقديرات إلى أن الدول العربية أنفقت على استيراد السلاح من سنة 76-1985 نحو 382 مليار دولار، ومن سنة 86-1992 نحو 309 مليارات دولار، ومن سنة 1993 وحتى سنة 2004 نحو 508 مليارات دولار. وليس العيب في الإنفاق في حد ذاته، بل الكارثة أنها أموال صرفت في بيئات أجنبية، ومعروف أن الإنفاق العسكري وما يستتبعه من بحوث واختراعات هو القاطرة التي تقود الاقتصادات نحو التقدم في كثير من دول العالم بل معروف أن قرار الحرب في أحد دوافعه هو تجارة السلاح وتفعيل الآلة الإنتاجية، والآلة النفسية داخل المجتمع ومؤسساته وأفراده.