من كلماتهم نعرف معدنهم. مهما حاول الفنان التخفي خلف أقنعة، وحجب حياته الخاصة عن عيون الناس، وإحاطة ماضيه وحاضره بكثير من السرية، إلا أن الجوهر يكشف نفسه فور خروج الفنان عن صمته وإبداء رأيه بالفن وزملائه. الفن هوية قبل أن يكون هواية، وهو جواز سفر كل فنان إلى العالم.

يكفي أن نذكر اسم مارسيل خليفة مثلا ليعرف المرء عن أي نوع من الفن نتكلم وعن أي رسالة وقضية وهوية، ولترتسم في البال صورة رجل ملتح يحتضن عوده كمن يحتضن ولده بين ذراعيه، يبكي ويتوجع ويعشق ويفرح وينهزم وينتصر ويستشهد في كلمة ونغمة وأغنية.

وإذا كانت الأغنية جواز سفر مارسيل خليفة إلى الناس، فأغنياته وألحانه أصبحت جواز سفر الناس إلى القضية الإنسانية والفلسطينية والى كل طفل عربي يتألم. ولا بد أن نصدق هذا الفنان حين يرد على سؤال يلاحقه أينما حل عن تصنيفه بالفنان الملتزم، حيث يردد دائما أنه لا يرى الفن سوى التزام. ونحن نفهم أن التزام الفنان يعني أن يكون لديه هدف من فنه ورسالة يؤديها، لا أن يعتلي المسرح ليرى الناس من عليائه وكأنه ملك والجمهور يذوب حبا وهياما به ولا يستطيع العيش من دون سماع صوته وآهاته التي ترد الروح فيه! انظروا إلى مارسيل كيف يغني ويحني رأسه احتراما وتقديرا للكلمة التي يقولها وللجمهور الذي يصفق له ويبادله الاحترام والتقدير، ومثله تفعل فيروز وماجدة الرومي، وهكذا كانت تنحني أم كلثوم ونجاة وكل فنان أصيل أو ملتزم وفق ما يصنف به الفنانون اليوم.

حين نقول إن الفن رسالة، لا نعني به الفن الذي يحمل رسالة سياسية أو قضية نضالية فقط، بل كل ما يتضمنه الفن من مواضيع وروايات وقصائد سواء كانت اجتماعية أو رومانسية عاطفية. وإذا حصرنا موضوعنا اليوم بالغناء، فأغنية اعتزلت الغرام لماجدة الرومي أو شايف البحر شو كبير لفيروز أو وقلت بكتبلك لأميمة الخليل وأخدني معك لفضل شاكر ويارا.. تحمل معاني جميلة ولغة راقية، ورسالتها التعبير عن المشاعر الإنسانية الطبيعية بأسلوب غير مبتذل ينعكس بلا شك على كل من يسمعها وعلى المراهقين والصغار الذين يتعلمون مما يسمعونه الألفاظ والعبارات، وهم الأكثر تأثرا بهذه النوعية من الأغاني. أغاني رومانسية لكن شتان ما بينها وبين أغان على وزن الواوا وشيل ايدك وبص عليَ.. ومن واجب الفنان أن يعتبر نفسه جزءا مؤثرا في المجتمع طالما أنه يساهم في نشر الكلمة بين الناس، فلم لا تكون كلمة هادفة وراقية؟ ببساطة لأن الكلمة تعكس روح كاتبها وناقلها والناطق بها. ومن المستحيل أن يرضى مارسيل خليفة بتلحين كلمات تشبه تلك التي ذكرناها أو أن يرضى لنفسه أن يغني بحبك يا حمار.

لذلك نقول إن الفن هوية قبل أن يكون هواية، هوية من يكتب ويلحن ويغني ومن يسمع ويردد. والأغنية تعبر عن حقبة تعيشها الأوطان وتشكل جزءا من التاريخ، تماما كالأفلام والمسلسلات والمسرحيات.. وإذا كانت الأعمال الفنية التي تتناول معاناة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاضطهاد الصهيوني، تنقل صورة من الواقع تحفظ في ذاكرة الشعوب وفي أرشيف الأفلام والأغاني والمسرح، فعلى من يعمل في المجال الفني أن يحس بالمسؤولية تجاه الناس وبلده وأهله وأولاده.. وأبسط مثال على إحساس الفنان بالمسؤولية، التحول الذي يطرأ على خيارات بعض الفنانات اللواتي ارتضين في السابق غناء أي كلام والظهور شبه عاريات على الشاشة، ليعلن بعد الزواج والإنجاب التدقيق فيما سيقدمنه احتراما للزوج وخوفا على مشاعر الابن، أو بالأحرى خجلا منه.

إنها القضية مهما تغيرت أهدافها وانتماءاتها، وهي الرسالة الحقيقية التي ينسى البعض وجودها ويكتفون بالنظر إلى المغريات التي يقدمها هذا العالم المليء بالأضواء والشهرة. ومن يتابع الحوارات الفنية خلال أيام قليلة، يرى النقيضين من أهل الغناء، حيث يتحدث البعض عن المعاني النبيلة للفن ورسالة الفنان المقدسة، بينما تنشغل فنانات بالحروب والمنافسة والنميمة وتشويه سمعة الزميلات عبر فضح أسرارهن على أغلفة المجلات وفي الصحف.. وفي أسبوع واحد تنتشر صورقمر التي لم نسمع صوتها بعد ولا نعرف ماذا تغني ولم تصدر لها ألبومات حتى الآن، لتفضح فنانات معروفات وتتحدث عن معركتها مع صاحب شركة ميلودي. قمر كشفت المستور واعترفت أنهم أرادوا أن يتقاسموا معها هدايا قدمها لها ثري عربي معروف في الوسط الفني ويغدق على بعض الفنانات الهدايا الثمينة ويقيم الحفلات الخاصة، كما تقول قمر التي ذكرت بعض المغنيات بالاسم باعتبارهن يحاربنها ويسعين إلى تحطيمها! وفي مجلة أخرى تطلق دومينيك حوراني نيرانها على الزملاء أيضا باتهام البعض ممن أصبح ثريا بفضل الغناء بقولها هؤلاء جمعوا ثرواتهم من شفقة الناس عليهم ومن الهدايا التي يمطرونها عليهم.

يكفينا ما نقرأ لنشعر بالاشمئزاز، متسائلين إلى متى سيطول هذا الانحطاط في الوسط الفني والى متى سيبقى لبعض الأثرياء ورجال الأعمال سطوتهم وتحكمهم بالفن العربي؟ صحيح أن لكل عصر فنانوه من كافة المستويات وأن في زمن أم كلثوم وعبد الوهاب كان هناك مغنيات أقل مستوى، لكن المجتمع لفظهن والدليل أننا لا نحفظ أسماءهن ولا أحد يذكرهن. لكننا اليوم نعاني من غلبة هذه الفئة على الفئة الجيدة وتحكمها بالفن وانتشارها بشكل واسع صبغ العصر بلونها، وانتقلت البذاءة منها إلى الشوارع والبيوت والمدارس.

نعرف جيدا أن الفن العربي يؤرق العدو الإسرائيلي وقدمنا الدلائل أكثر من مرة وهو يسطو على الأغاني والأفلام من دون إذن من أحد، إنما الوضع الذي آل إليه الفن العربي بات يؤرقنا نحن ويسعد العدو، لأنه ببساطة فن يلغي عقول الناس ويلهيهم عن قضاياهم الأساسية والنبيلة، ويفقدهم الهوية ويلونهم بألف لون ولون كالمهرج الذي يلبس كل الوجوه إلا وجهه. الفن سلاح أيضا، فهل نحارب بالفضائح الأخلاقية والنميمة والفساد والغيرة والأغاني الهابطة والدلع والملابس الشفافة؟ أم بأعمال تليق بالشعوب العريقة وبالثقافة؟

كفاكم إهانة للناس واستخفافاً بعقولهم وقدراتهم، فأنتم تخدمون مصالحكم وغرائزكم وتخدمون العدو أينما كان ومهما كانت جنسيته، وكل الحضارات الأخرى بإلغائكم الهوية والرسالة والقضية السياسية والإنسانية والثقافية، وبإعادة المجتمعات سنوات إلى الوراء، إلى ما قبل الخمسينات. وكأنه لا ينقصنا في هذا الزمن العصيب، إلا الحروب الفنية التي تشنها فنانات مشهورات وأخريات مبتدئات، ورداءة في الكلمات والأغاني، والأهم منها قلة الأخلاق، والتشهير والتشكيك في النسب والانتماء!

[email protected]