جمع القاسم المجد من أطرافه كلها، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فهو حفيد الصديق، وعمته عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين - رضي الله عنها - وأمه بنت كسرى يزدجرد، آخر ملوك الفرس، وهو وسالم بن عبد الله بن عمر، وعلي زين العابدين بن الحسين بن علي - رضي الله عنهم أجمعين - أبناء خالة، وذلك أنه لما أتي بسبي فارس إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان في السبي ثلاث بنات ليزدجرد، فزوج علي أولاهن لعبد الله بن عمر والثانية لمحمد بن أبى بكر والثالثة للحسين بن علي فأنجبت كل واحدة منهن أحد الفقهاء الأعلام، فسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، وعلي زين العابدين أبناء خالة وأمهاتهم بنات الملوك.
هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وأفضل أهل زمانه علماً، وأحدهم ذهناً، وأشدهم ورعاً، ولد في أواخر خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وعين والده والياً على مصر، وقتل فيها، ولم يكن القاسم قد جاوز السابعة من عمره، يقول: «لما قتل أبي بمصر، جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر، فاحتملني أنا وأختي الصغيرة، ومضى بنا إلى المدينة، فما أن بلغناها، حتى بعثت إلينا عمتي عائشة - رضي الله عنها - فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها، وربّتنا في حجرها، فما رأيت والدة قطّ، ولا والداً أكثر منها براً، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيء أكلته، وكانت تحنو علينا حنو المرضعات على الفطيم، تغسل أجسادنا، وتمشط شعرنا، وتلبسنا الأبيض الناصع من الثياب، وكانت لا تفتأ تحضنا على الخير، وتمرسنا بفعله، وتنهانا عن الشر، وتحملنا على تركه، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، وكانت تزيدنا براً وإتحافاً في العيدين، فإذا كانت عشية عرفة، حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد، وبعثت بنا إلى المسجد النبوي، لنؤدي صلاة العيد، فإذا عدنا منه، جمعتني أنا وأختي، وضحت بين أيدينا.
حفظ القاسم كتاب الله تعالى، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء له أن يأخذ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف فانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه، وتعلم الحديث فروى عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خباب، ورافع بن خديج، وأسلم مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - وغيرهم كثير.
توسيع الحرم النبوي
ولم يمضِ وقت طويل، حتى أصبح القاسم بن محمد وابن خالته سالم، إمامي المدينة الموثوقين، فقد سودهما الناس؛ لما كانا يتحليان به من التقى والورع، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس، أن خلفاء بني أمية وولاتهم، كانوا لا يقطعون أمراً ذا بال في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما.
وحين عزم الوليد بن عبد الملك على توسعة الحرم النبوي الشريف، لم يكن في وسعه تحقيق هذه الأمنية الغالية، إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع، وأزال بيوت زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وضمها إلى المسجد، وهي أمور تشق على الناس، ولا تطيب نفوسهم بها، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة، يقول: «لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يصبح مئتي ذراع في مئتي ذراع، فاهدِمْ جدرانه الأربعة، وأدخل فيه حجر زوجات النبي، واشترِ ما في نواحيه من البيوت، وقدم القبلة إن قدرت، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب، فإن أبى عليك أهل المدينة ذلك، فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وأشركهما معك في الأمر، وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء، وإن لك في ذلك سلفي صدق هما: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان اللذان وسّعا المسجد»، فدعا عمر بن عبد العزيز القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطائفة من وجوه أهل المدينة، وقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين، فسروا بما عزم عليه، وهبوا لإنفاذه، فلما رأى أهل المدينة عالمي المدينة وإماميهما الكبيرين، يباشران في هدم المسجد بأيديهما، حتى أقبل الناس على هذا العمل العظيم في توسعة المسجد.
«لله أبوه»
سأل أعرابي القاسم فقال: أيهما أعلم أنت أم سالم؟، (يقصد سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم) فتشاغل عنه القاسم، وأعاد الرجل السؤال عليه، فقال: سبحان الله، وأعاده مرة ثالثة، فقال له: ذاك سالم يابن أخي يجلس هناك، فقال من في المجلس: لله أبوه، لقد كره أن يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه، وكره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، وكان أعلم من سالم.
وكان من هدي القاسم أنه لم يكن يجيب إلا في أمر بينٍ ظاهر، ولا يفتي إلا بما يعلم، وقد قصده أحد أمراء المدينة يسأله عن أمر من الأمور، فلم يستنكف أن يعلن عدم معرفته بما يسأل عنه، وكان يقول: «إن من إكرام المرء نفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه»، وكان في مِنى، والناسُ حوله متحلِّقون يسألونه، فيقول في بعض السؤال: لا أدري، فأخذهم العجبُ، فقال لهم: واللهِ ما نعلم كلَّ ما تسألون عنه، ولو علمناه ما كتمناه، ولا يحلّ لنا أن نكتمه، ولأنْ يعيش الرجلُ جاهلاً بعد أن يعرف حقَّ الله عليه خيرٌ له من أن يقول لشيء لا يعلم: أعلمه.
اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته، والأرجح أنه توفي سنة 108، وكان عمره عند وفاته فوق السبعين، وهو في هذه السن المتقدمة، قصد مكة يريد الحج، وفيما هو في بعض طريقه، أتاه اليقين، فلما أحس بالأجل التفت إلى ابنه، وقال: «إذا أنا مت، فكفني بثيابي التي كنت أصلي بها؛ قميصي، وإزاري، وردائي، فذلك كان كفن جدك أبي بكر، ثم سوِّ على لحدي، والحق بأهلك، وإياكم أن تقفوا على قبري، وتقولوا: كان وكان، فما كنت شيئاً». رحمه الله.