المال هو أكثر العناصر تأثيراً في حياة الإنسان، وبسببه يمكن أن يسير في طريق الهدى والصلاح، أو في طريق الشقاء والانحراف والجريمة.. ولذلك اهتم القرآن الكريم- باعتباره الدستور المنظم لحياة المسلمين- برسم علاقة الإنسان السوية بالمال، وتحديد خريطة طريق لجمعه من أوجه الكسب الحلال، وإنفاقه في الأوجه المختلفة التي أراد الخالق سبحانه أن يوظف المال لتعميرها وإصلاحها، وتمهيد الطريق لها، لتيسير حياة الإنسان في هذا الكون وفق منهج الخالق سبحانه.
يقول المفكر الاقتصادي الإسلامي د. محمد عبد الحليم عمر، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: اهتم القرآن الكريم بتوضيح علاقة الإنسان بالمال، وبيان وظيفة المال في الحياة، وذلك لما يترتب عليه من منافع للإنسان، وخير للفقراء، واستقرار وإعمار للأرض، وقد تعدد وتنوع ذكر المال في القرآن الكريم، حيث ورد لفظ المال صراحة في كتاب الله المعجز (86) مرة في تصريفات مختلفة، وورد أيضاً بمرادفات مثل الخير، وفضل الله، والطيبات.. كما ورد ذكر بعض صنوف المال- الموارد- مثل الأرض، والموارد المائية من بحار وأنهار، وما فيها من ثروات، والثروة الزراعية والثروة المعدنية والثروة الحيوانية.. كما اشتمل القرآن على العديد من الآيات التي ترشد وتبين الأحكام المتصلة بالتعامل في المال مثل الكسب، والإنفاق، والادخار، والتنمية، والزكاة، والوقف، والكيل والموازين، والكفارات، والمواريث، والمعاملات المالية، وما يتصل بها من بيع وشراء وإجارة ورهن ومداينات وتحريم للتصرفات الضارة مثل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والسرقة، وتعطيل المال.. وقد نسب القرآن الكريم المال لله عز وجل مثل قوله تعالى: «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم».
يقول المفكر الاقتصادي الإسلامي د. محمد عبد الحليم عمر، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: اهتم القرآن الكريم بتوضيح علاقة الإنسان بالمال، وبيان وظيفة المال في الحياة، وذلك لما يترتب عليه من منافع للإنسان، وخير للفقراء، واستقرار وإعمار للأرض، وقد تعدد وتنوع ذكر المال في القرآن الكريم، حيث ورد لفظ المال صراحة في كتاب الله المعجز (86) مرة في تصريفات مختلفة، وورد أيضاً بمرادفات مثل الخير، وفضل الله، والطيبات.. كما ورد ذكر بعض صنوف المال- الموارد- مثل الأرض، والموارد المائية من بحار وأنهار، وما فيها من ثروات، والثروة الزراعية والثروة المعدنية والثروة الحيوانية.. كما اشتمل القرآن على العديد من الآيات التي ترشد وتبين الأحكام المتصلة بالتعامل في المال مثل الكسب، والإنفاق، والادخار، والتنمية، والزكاة، والوقف، والكيل والموازين، والكفارات، والمواريث، والمعاملات المالية، وما يتصل بها من بيع وشراء وإجارة ورهن ومداينات وتحريم للتصرفات الضارة مثل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والسرقة، وتعطيل المال.. وقد نسب القرآن الكريم المال لله عز وجل مثل قوله تعالى: «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم».
مكافأة.. وعقاب
ويوضح د. عمر أن عطاء الله الأموال لعباده قد يكون مكافأة وجزاء حسناً لمن داوم على الاستغفار، كما في قوله تعالى: «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً»، وقد يكون منع إعطاء المال للإنسان من الشر والبلوى والمصيبة كما قال ربنا عز وجل: «ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين».
وقد سمى القرآن الكريم المال بالخير، كما في قوله تعالى «وإنه لحب الخير لشديد»، وقوله عز وجل: «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين»، وقوله سبحانه: «وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم».
وفي الآيات التي ذكر فيها المال مقترناً بالنفس والأولاد والأهل وهي ست وثلاثين آية في كتاب الله الخاتم.. قدم فيها ذكر المال عليهم مثل قوله تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، وقوله عز من قائل «فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى»، وهذا التقديم يدل - كما يقول أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- يدل على ما للمال من أهمية، حيث جعله الله قرين النفس في الجهاد الذي هو سنام الإسلام في أكثر من آية مثل قوله تعالى «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون».
ملكية استخلاف
ونظراً لأهمية المال في حياة الإنسان ولدوره في تعمير الأرض وتحقيق استقرارها؛ فقد حرم القرآن الكريم الاعتداء على أموال الآخرين وأكلها بالباطل، كما جاء في قوله تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون».
كما حذر القرآن من إنفاق المال وإهداره، كما في قوله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً»، فالمال هو زينة الحياة الدنيا، ومن حق الإنسان أن يستمتع به مادام في نطاق الحلال.. وقد أقر القرآن أن حب الإنسان للمال حب فطري فقال سبحانه: «وآتى المال على حبه»، والحب ميل قلبي لا دخل للإنسان فيه. لكن: لماذا حذرت بعض آيات القرآن الكريم من المال ووصفته ب«الفتنة»، كما جاء في قوله تعالى: «إنما أموالكم وأولادكم فتنة» وقوله سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون»؟
يقول د. عمر: هذه الآيات لا تدعو لترك المال والبعد عنه، لأن المال سلاح ذو حدين، فهو وسيلة خير إذا استخدم في قيام الحياة، ووسيلة شر إذا استخدم في تدمير الحياة، ولذلك يحذر القرآن الكريم من الاستخدامات الضارة للمال.
كما أن فضيلة الزهد التي تمثل قيمة عالية في الإسلام لا تتطلب البعد عن المال؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفى ذلك ويقول في الحديث الشريف: «ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا في إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله».
وعن ضوابط كسب المال كما رسمها لنا القرآن الكريم يقول د. عمر: حدد القرآن الكريم للإنسان علاقة مثالية بالمال، ترسخ في نفس المسلم أن المالك الحقيقي لكل شيء في هذا الوجود هو الله سبحانه وتعالى القائل في كتابه العزيز: «ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير»، فالمال هو مال الله والإنسان مستخلف عليه، وهو سبحانه وتعالى يقول لكل من رزقه المال وهو يبخل به: «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم»، وهذه رسالة لكل الذين يطغون ويجحدون بما في أيديهم وهي أن ملكيتهم للمال هي ملكية استخلاف، كما جاء في قوله تعالى: «آمنوا بالله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير».
طرق كسب المال الحلال
والطرق المشروعة لاكتساب الملكية في الإسلام وفقاً لما أرشدنا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية تتلخص في ثلاث طرق إجمالية هي:
- العقود الناقلة للملكية بضوابطها الشرعية مثل عقد البيع والعمل.
- التملك المجاني مثل الهدايا والهبة والإرث والصدقات.
- الاستيلاء على المباح كالصيد والاحتطاب وإحياء الموات.
أما الطرق غير المشروعة لا كتساب الملكية فيجمعها كل ما يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل مثل: السرقة والغصب والقمار والربا وجميع المعاملات المنهي عنها شرعاً، سواء لحرمة عين المبيع مثل الخمر والخنزير أو لحرمة طريقة الكسب كالاحتكار والغش والغرر.
وتجدر الإشارة في مجال الملكية إلى تميز الإسلام فيها عن النظم الاقتصادية الأخرى في أن الملكية في الرأسمالية تغلب عليها الملكية الفردية التي تقوم على الحرية المطلقة، وهو ما كان محل انتقاد حتى من كبار الكتاب الرأسماليين الذين طالبوا بضرورة تدخل الدولة للحد من غلواء التصرفات الضارة بالمجتمع من غلواء الملكية الفردية، أما الاشتراكية ومنبعها الشيوعية فهي تمنع الملكية الفردية خاصة لوسائل الإنتاج وبما يخالف الفطرة البشرية وتضع القيود المكبلة على الملكية الفردية وأدى هذا الموقف إلى تهاوي الشيوعية وتقلص الاشتراكية في العالم، وبالمقارنة يتضح أن الرأسمالية تقوم على الملكية المنفلتة من الضوابط وأن الاشتراكية تقوم على القيود المكبلة التي تصل إلى حد منعها، أما النظام الإسلامي فهو وسط بينهما يقوم على إقرار الملكية الفردية المنضبطة، بما يحقق المنفعة من المال وعدم الإضرار بالفرد أو المجتمع.
حماية واستثمار
د. يوسف إبراهيم، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يؤكد أن القرآن ربط الإنسان بماله وحثه على ضرورة حمايته واستغلاله الاستغلال الأمثل وجرّم كل عدوان على هذا المال، سواء أكان مالاً عاماً أو خاصاً فالمسلم مطالب بالاعتناء بماله وتوظيفه التوظيف الأمثل وإلاّ حوسب على ذلك بالحجر عليه في الدنيا - أي حرمانه من التصرف في هذا المال طالما يسيء استخدامه - والحساب على ذلك يوم يكون الحساب.
ويضيف: للقرآن موقف واضح من المال، ورأس المال والمحافظة عليهما، فالمال في نظر القرآن قوام الحياة، وإصلاحه والقيام عليه إصلاح للحياة نفسها، وإضاعته صفة لا تقل في أثرها عن تفرق كلمة الأمة وانفراط عقدها. يقول الله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً»، أي جعل الله تعالى الأموال لتقوم بها الحياة الإنسانية، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تتفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
ولكن كيف نوجد المال وننتجه، كي نحافظ عليه ونصونه ولا نبدده؟
يقول د. يوسف إبراهيم: إن إنتاج المال يحتاج إلى العمل الإنساني، وإلى نوع من المال يستخدم من أجل إنتاج المال، وهذا النوع من المال الذي نستخدمه في إنتاج غيره من الأموال، هو ما نطلق عليه «رأس المال» فإذا كان الإسلام يدعو إلى المحافظة على المال العادي، فإن دعوته إلى المحافظة على رؤوس الأموال من باب أولى.. ولهذا رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين إلى العناية برؤوس الأموال والمحافظة عليها بصفة أخص من دعوته إلى المحافظة على المال العادي، وقد دعانا عليه الصلاة والسلام إلى عدم تحويل رأس المال إلى مال عادي يتم استهلاكه فيفنى، ونصحنا بإبقائه منتجاً مدراً للأموال محققاً للبركة، فقال عليه الصلاة والسلام: «من باع داراً أو عقاراً فلم يجعل ثمنه في مثله كان قمنا أن لا يبارك فيه» وفي رواية قال: «لا يبارك في ثمن أرض أو دار إلا أن يجعل في أرض أو دار».
حرمة المال العام
ويشير أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر إلى أن القرآن الكريم هو أول من قرر حرمة المال العام، وهذا أمر واضح في العديد من النصوص القرآنية التي ترسخ قيمة مراقبة الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى رقيب على سلوك كل إنسان ومطّلع على أسراره وما يفعله في الخفاء قبل العلن، وهو أعلم بما يدور داخل كل إنسان من أطماع وتفان في اكتساب المال بكل الطرق.. يقول سبحانه: «ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات والأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم».
فالقرآن يجعل الإنسان يراقب نفسه ويكبح جماحها، فإذا تحقق له ذلك، فإنه لن يحتاج إلى رقيب. فإذا بنى الإنسان على قيمة المحافظة على المال العام، وغرس في تكوينه أن المحافظة عليه عبادة من أهم العبادات وأن تبديده والعبث به معصية من أكبر المعاصي، كان ذلك الشعور وهذا الإحساس هو خط الدفاع الأهم عن المال العام. أي أن القرآن يعمد إلى تربية الفرد تربية تجعله يقظ الضمير، مراقباً لربه في كل سلوكياته، ثم يقيمه بعد ذلك حارساً على تعاليم الشريعة في كل مجال، ومنها مجال المال العام.